Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
ابن جبير
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 1 of 130
أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي، البلنسي. رحالة، كاتب وشاعر عربي أندلسي. ولد في بلنسة شرقي أسبانيا سنة 539 ه. أسرته من بني كنانة وهي من القبائل العربية العريقة والكبيرة.
جده الكبير أبو عبد السلام بن جبير، ذهب إلى أسبانيا وبقي مقيما فيها. وإن أسرته على ما يبدو كانت تعيش في بلنسة. أقام بمعية والده مدة في شاطبة فأخذ العلوم الدينية والأدبية عليه وعلى أبي عبد الله الأصيل وابن الحسن بن أبي العيش ولم يغفل خلال ذلك عن تربية قريحته الشعرية. ثم هاجر بعدها إلى غرناطة وفي ظل مواهبه دخل كأبيه في عداد كتاب أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن حاكم غرناطة الذي كان من الموحدين.
يذكر كراتشكوفسكي بأن ابن جبير كان ممن لعب دورا هاما في تطوير الأدب العربي. ويذكر أرباب التراجم بأنه من أدباء عصره وله نظم بارع ونثر بديع. له ديوان شعر ورسائل منثورة آلت إلى شهرته إلا أن أساس شهرته قامت عن كتابه الذي عرف باسمه «رحلة ابن جبير» .
الكتاب والمؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم مؤلف هذا الكتاب هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي البلنسي. ولد في بلنسة سنة 539 ه. وقد شغف أول ما شغف بعلوم الدين فسمعها من أبيه في شاطبة، وأخذ القرآن عن أبي الحسن بن أبي العيش.
وقد قامت شهرته عن كتابه الذي عرف باسمه (رحلة ابن جبير) اذ أنه جاء ثمرة لرحلات ثلاث قام بها، أهمها رحلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات وقد بدأها في يوم الاثنين في التاسع عشر من شهر شوال سنة 578 ه. وختمها في يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر محرم سنة 581 ه.
وقد جاء هذا الكتاب حافلا بالمشاهد والتجارب التي اكتسبها اثناء تجواله في عجائب البلدان والمدن، ورؤيته لغرائب المشاهد، واطلاعه على الشؤون والأحوال السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي كانت سائدة في تلك الحقبات من الزمن.
وقد استرعى اهتمام المستشرقين لما له من قيمة نفيسة. فترجموا أول شيء القسم المختص منه بصقلية الى الفرنسية وطبع في عام 1846 م، ثم طبع كله
ولأول مرة في ليدن عام 1852 م. باضافة مقدمة اليه وضعها المستشرق رايت. ثم أعيد طبعه عام 1907 م. مع ترجمة لمؤلفه.
وقد كانت وفاة ابن جبير في سنة 614 ه. في آخر رحلة قام بها الى مصر والإسكندرية حيث أقام هنالك محدثا.
لجنة تحقيق التراث بدار ومكتبة الهلال
تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
بسم الله الرحمن الرحيم ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمقابلة جبل شلير «1» عرفنا الله السلامة بمنه.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. وكان الاجتياز على جيان «2» لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا.
وكانت مرحلتنا الأولى منها الى حصن القبذاق «3» ثم منه الى حصن قبرة «4»
ثم منه الى مدينة استجة ثم منها الى حصن أشونة «1» ثم منه الى شلبر ثم منه الى حصن أركش ثم منه الى قرية تعرف بقرية القشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها الى جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.
فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني، يسر الله علينا في عبور البحر الى قصر مصمودة «2» تيسيرا عجيبا، والحمد لله. ونهضنا منه الى سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه، وألفينا بها مركبا للروم الجنويين مقلعا الى الإسكندرية بحول الله، عز وجل، فسهل الله علينا في الركوب فيه.
وأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه، وبموافقة الرابع والعشرين من فبرير المذكور، بحول الله تعالى وعونه، لا رب غيره. وكان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس. وفارقناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عندما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من السهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة «3» ثم يوم السبت بعده قابلنا بر جزيرة سيورقة ثم يوم الأحد بعده قابلنا جزيرة منورقة. ومن سبتة اليها نحو ثمانية بحار، والمجرى مئة ميل.
وفارقنا بر هذه الجزيرة المذكورة، وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثامن من مارس، دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. وبين الجزيرتين سردانيه ومنورقة نحو الأربع مئة ميل، فكان قطعا مستغربا في السرعة.
أهوال البحر
وطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم، عصم الله منه بريح أرسلها الله تعالى في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور، فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية الى يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب، مركبا للروم قصدنا الى أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة «صقلية» وأنه من قرطاجنة عمل مرسية وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء منها من غير علم، فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره، والله الميسر لارب سواه. فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور، فأخذنا في الرجوع عودا على بدء الى أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة، وهو مرسى معروف عندهم. فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا. وبهذا الموضع المذكور أثر لبنيان قديم ذكر لنا أنه كان منزلا لليهود فيما سلف.
ثم إنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم الى أقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق. وكان ذلك عند وصول العدو، دمره الله، بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، والله يتداركهم برحمته. ووصل الى المرسى المذكور، يوم الجمعة الثالث من يوم أرسينا فيه، سلطان الجزيرة المذكورة، مع جملة من الخيل.
فنزل اليه أشياخ المركب من الروم واجتمعوا به، وطال مقامهم عنده، ثم انصرفوا وانصرف الى موضع سكناه. وتركنا المركب المذكور في موضع ارسائه، بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد، عند هبوب الريح الموافقة لنا.
وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا، وفي الربع الباقي منها، فارقنا بر سردانية المذكورة، وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المئتي ميل. ومنتهى دور الجزيرة، على ما ذكر لنا، الى أزيد من خمس مئة ميل، ويسر الله علينا في التخلص من بحرها، لأنه أصعب ما في الطريق، والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان، والحمد لله على ذلك.
وفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب «1» سهام. فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة. فبقينا على تلك الحال الليل كله، واليأس قد بلغ منا مبلغه، وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو اشد هولا وأعظم كربا، وزاد البحر اهتياجا واربدت الآفاق سوادا، واستشرت الريح والمطر عصوفا، حتى لم يثبت معها شراع. فلجىء الى استعمال الشرع الصغار. فأخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، وهي المعروفة عندهم بالقرية. فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الى الله عز وجل. وأقمنا على تلك الحال النهار كله. فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور، وسرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيرا سريعا.
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. وبتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء واليأس. فلما أسفر الصبح
نشر الله رحمته، وأقشعت السحاب وطاب الهواء وأضاءت الشمس وأخذ في السكون البحر. فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس، والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته، حمدا يكون كفاء لمنته ونعمته.
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقيلة وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه الا الأقل. وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم، والخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها.
وبين البرين المذكورين بر سردانية وبر صقيلة نحو الاربع مئة ميل.
واستصحبنا من برصقلية ازيد من مئتي ميل، ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه، وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة. وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة، وظهر لنا اذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان «1» ، وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج. وأعلمنا أنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مئة ميل. فأخذنا ملججين وأقرب ما نؤمله من البر الينا جزيرة أقريطش «2» ، وهي من جزائر الروم ونظرها الى صاحب القسطنطينية، وبينها وبين جزيرة صقيلة مسيرة سبع مئة ميل، والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه. وفي طول هذه الجزيرة، جزيرة أقريطش المذكورة، نحو من ثلاث مئة ميل.
وفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور، وهو الثاني والعشرون من شهر مارس، حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا. وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجهين لقصدنا. وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ست مئة ميل أو نحوها.
وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية المعروف ببر الغرب، وحاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمام «1» على ما ذكر لنا، وبينه وبين الاسكندرية نحو الأربع مئة ميل على ما ذكر لنا فأخذنا في السير والبر المذكور منا يمينا.
البشرى بالسلامة
وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور أطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الاسكندرية على نحو العشرين ميلا، والحمد لله على ذلك حمدا يقتضي المزيد من فضله وكريم صنعه.
وفي آخر الساعة الخامسة منه كان ارساؤنا بمرسى البلد، ونزولنا اثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت اقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الى الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لا رب سواه.
وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
شهر ذي الحجة من السنة المذكورة
أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية.
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء الى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين
واحدا واحدا وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض «1» ليؤدي زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم متشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فلزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل احال عليه الحول أم لا واستنزل احمد بن حسان منا ليسأل عن أنباء المغرب وسلع المركب.
فطيف به مرقبا على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جميع ما أنزلوه الى الديوان. فاستدعوا واحدا واحدا وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص؟. فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وما جل، واختلط بعضها ببعض، وادخلت الأيدي الى أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.
وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الامور الملبس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولو علم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وايثار الرفق لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا «2» الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الاحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.