John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

في المركب الشراعي

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 115 of 130

وفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادى المذكورة، والسادس لأكتوبر، صعدنا الى المركب، وهو سفينة من السفن الكبار، بمنة الله على المسلمين بالماء والزاد، وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الإفرنج. وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين، وهم حجاج بيت المقدس، عالم لا يحصى ينتهي الى أزيد من ألفي انسان، أراح الله من صحبتهم بعاجل السلامة ومأمول التسهيل

والصنع الجميل بمنه وكرمه، لا معبود سواه. ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق، بمشيئة الله عز وجل.

شهر رجب الفرد

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة التاسع لشهر اكتوبر، ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع باسم الله تعالى وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته. وتمادى مقامنا فيه مدة اثني عشر يوما لعدم استقامة الريح.

وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها الا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لا يكون الا فيهما، والتجار لا ينزلون الى عكة بالبضائع الا في هذين الفصلين. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل، وفيه تتحرك ريح الشرقية وتطول مدتها الى آخر شهر مايه، واكثر واقل بحسب ما يقضي الله تعالى به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وانما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر واقل. وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف، والريح الغربية أكثرها دواما.

فالمسافرون الى المغرب والى صقلية والى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق، فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا اله سواه.

وكنا طول هذه المدة التى أقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر ونتفقد المركب في الأحيان. فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور، والثامن عشر لأكتوبر، أقلع المركب، وكنا على عادتنا في البر بائتين، ولم يحسن النهار

للروم بأهبة السفر، فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد وان لا يفارق الانسان رحله. فاصبحنا والمركب لا عين له ولا أثر، فاكترينا للحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه، وكانت مخاطرة عصم الله منها: فأدركنا المركب مع العشي، فحمدنا الله عز وجل على ما من به، وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل، وآخره والحمد لله يوم فرجنا، ولله الحمد والشكر على كل حال.

واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام، ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب، فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي، وكان بصيرا بصنعته، حاذقا في شغل الرياسة البحرية، يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا أن لا يرجع على عقبه، والبحر في أثناء ذلك رهو ساكن، فلما كان نصف الليل، أو قريب منه، ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور، والسابع والعشرين لأكتوبر، ترددت علينا الريح الغربية فقصفت قرية الصاري المعروف بالأردمون والقت نصفها في البحر مع ما اتصل بها من الشراع، وعصم الله من وقوعها في المركب، لأنها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة، فتبادر البحريون اليها، وحط شراع الصاري الكبير، وعطل المركب من جريه، وصيح بالبحريين الملازمين للعشاري المرتبط بالمركب، فقصدوا الى نصف الخشبة الواقعة في البحر وأخرجوها مع الشراع المرتبط بها، وحصلنا في أمر لا يعلمه الا الله تعالى، وشرعوا في رفع الشراع الكبير، وأقاموا في الأردمون شراعا يعرف بالدلون، وبتنا بليلة شهباء، الى ان وضح الصباح، وقد من الله عز وجل بالسلامة.

وشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم، والريح الغربية على أول لجاجها، ونحن بين اليأس والرجاء نتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تعالى وحفي لطفه، ومعهود فضله، سبحانه، هو أهل ذلك، جلت قدرته، وتناهت عظمته، لا اله سواه.

وفي يوم الاربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا، فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها، فكانت نفسا خافتا، ثم بعد ذلك غشى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من

قوارير ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم، فبقينا لاعبين على صفحة ماء، تخاله العين سبيكة لجين، كأنا نجول بين سماءين. وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني.

وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور، وهو أول يوم من نونبر العجمي، كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتفلوا له في إسراج الشمع، وكاد لا يخلوا أحد منهم، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، من شمعة في يده، وتقدم قسيسوهم للصلاة في المركب بهم، ثم قاموا واحدا واحدا لوعظهم وتذكيرهم بشرائع دينهم، والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة اكثر تلك الليلة، ثم اصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن، واتصل بنا ذلك الى ليلة الأحد السابع والعشرين منه، فتحركت ريح شمالية، فعاد المركب بها لحريته واستبشرت النفوس، والحمد لله.

شهر شعبان المكرم

غم هلاله علينا، فأكملنا عدة أيام رجب، فهو على الكمال من ليلة الخميس، بموافقة الثامن من نونبر، وقد تم لنا على ظهر البحر، ومن يوم إقلاعنا من عكة اثنان وعشرون يوما حتى عدمنا الأنس، واستشعرنا القنط واليأس، وصنع الله عز وجل مأمول، ولطفه الحفي بنا كفيل بمنه وكرمه. وقل الزاد بأيدي الناس، لكن هم من هذا المركب بمنة الله، في مدينة جامعة للمرافق، فكل ما يحتاج شراؤه يوجد، من خبز، وماء، ومن جميع الفواكه والأدم، كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثرى والشاه بلوط والجوز والحمص والباقلاء نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت، وغير ذلك مما يطول ذكره؛ عاينا جميع ذلك يباع. وفي خلال هذه الايام كلها لم يظهر لنا بر، والله يأتي بالفرج القريب.

ومات فيه رجلان من المسلمين، رحمهما الله، فقذفا في البحر، ومن البلغريين اثنان أيضا، ومات منهم بعد ذلك خلق كثير، وسقط منهم واحد في البحر حيا، فاحتمله الموج أسرع من خطفة البارق، وورث هؤلاء الأموات

من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب، لأنها سنة عندهم في كل من يموت في البحر، ولا سبيل لوارث الميت الى ميراثه. فطال عجبا من ذلك.

وفي سحر يوم الثلاثاء السادس من الشهر المؤرخ، والثالث عشر من نونبر، ظهرت لنا جبال في البحر، وقد اشتدت الريح الغربية، وتوالى اعصارها، وكانت تتقلب بالقبول والدبور. فألجأتنا الى أحد تلك الجبال، فأرسينا عنده.

وسألنا عن الموضع، فأعلمنا أنه من جزائر الرمانية. وهذه الجزائر تنيف على الثلاث مئة وخمسين جزيرة، وهي الى عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين، لأنهم لا صلح بينهم، فأقمنا بذلك المرسى يوم الثلاثاء المذكور وصدر يوم الاربعاء بعده. ونزل من تلك الجزيرة قوم بايعوا أهل المركب بعض ساعة من النهار في الخبز واللحم بعد أمان أخذوه.

ثم أقلعنا يوم الأربعاء المذكور، وقد تم لنا على ظهر المركب ثمانية وعشرون يوما، وظهر لنا يوم الخميس بعده بر جزيرة أقريطش، وهذه الجزيرة أيضا لعمل صاحب القسطنطينية، وطولها ينيف على الثلاث مئة ميل، وقد تقدم ذكرها في سفرنا البحري الى الإسكندرية، فبقينا نجري بطولها وهي منا على اليمين، والبحر في أثناء ذلك كله هائل، والريح لا توافق، ونحن ننتظر الفرج من الله عز وجل بصبر جميل، ونرتقب منه جل جلاله معهود التيسير والتسهيل بمنه ولطفه.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com