John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

الرياح العاصفة الغربية

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 117 of 130

وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية، وكشف النوء من الغرب، وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال. وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد، والبحر قد هاج هائجه، وماج مائجه، فرمى بموج كالجبال، يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب، وكان كالسور علوا فيرتفع له الموج ارتفاعا يرمي في وسطه بشآبيب كالوابل المنكسب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه، وصكت الآذان غماغمه، واستشرى عصوف الريح. فحطت الشرع، واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري. ووقع اليأس من الدنيا، وودعنا الحياة بسلام؛ وجاءنا الموج من كل مكان، وظننا أنا قد أحيط بنا، فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب، مذكورة في ليالي الشوائب، مقدمة في تعداد الحوادث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولا، فأصبحنا ولم نكد. فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر إقريطش عن يسارنا، وجباله قد قامت أمامنا، وكنا قد خلفناه عن يميننا، فأسقطتنا الريح عن مجرانا، ونحن نظن أنا قد جزناه. فسقط في أيدينا، وخالفنا المجرى المعهود الميمون، وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا، في استقبال صقلية. فاستسلمنا للقدر، وتجرعنا غصص هذا الكدر، وقلنا:

سيكون الذي قضي ... سخط العبد أو رضي

وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس، ولان البحر قليلا، وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضي الله قضاءه وينفذ حكمه، ولكل سفر أوان، وسفر البحر إنما هو في إبانه، والمعهود من زمانه، لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له، والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر، من ركوب مثل هذا الخطر، وان كان المحذور لا يغني عن المقدور شيئا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثم ان الريح ساعدت عند استقبالنا البر بعض مساعدة، فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا الى قريب من المجرى المقصود، وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه، وقد ثم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لا يكون الا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال، وساعدت الريح، ففرحنا وسررنا، وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود، ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.

ثم انقلبت الريح غربية، وهبت عاصفا، فألجأتنا اضطرارا بعد أن جرت لنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء الى مرسى من مراسي جزائر الرمانية، وهو رأس الجزيرة، ومنه الى الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا عشر ميلا، فأصبحنا به يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم، والثاني والعشرين لنونبر، فحمدنا الله عز وجل على ما من به من السلامة، وتوافت بعدنا الى ذلك المرسى خمسة مراكب، منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الاسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، فأقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا، فنزل أهل الجزيرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا انما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسود. فتهافت الناس عليه على غلائه، ولم يكن بالرخيص في سومه، وشكروا لله على ما من به عليهم.

وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما، والحمد لله على كل حال، ومدة مقامنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية، وعادت أشد ما

يكون هبوبا. فحمدنا الله تعالى على أن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين، والحمد لله على جميل صنعه.

وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الاثنين التاسع عشر لشعبان المذكور، والسادس والعشرين لنونبر، بريح طيبة موافقة، فاستبشرنا بها واستطلعنا جميل صنع الله عز وجل ولطف قضائه، لا رب سواه. وتمادى سيرنا الى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان، والتاسع لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابة فيها رعد قاصف، وزجتها ريح عاصف، وتقدمها برق خاطف، فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركة، فارتاعت له النفوس، ثم أسرع انقشاعها، وانجلى عن الأنفس ارتياعها، وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا بها اليأس من مكمنه، فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا. فيا لها بشرى ومسرة، لو لم تعد حسرة في كرة! فأمسينا ليلة السبت، وهو أول يوم من دجنبر، ونحن على ادراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها، ولكل أجل كتاب وميقات، وكم أمل تعترض دونه الآفات، فما كان الا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب، وحالت بين الابصار والارتقاب. وما زالت تعصف، حتى كادت تنسف وتقصف، فحطت الشرع عن صواريها، واستسلمت النفوس لباريها، وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوارض ديم، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم، وعباب الموج تتوالى صدماته، وتطفر الألباب رجفاته. فنبذت نفوسنا كل أمنية، وتأهبت للقاء المنية.

وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال، ومكابدة أوجال، ومقاساة أحوال، يا لها من أحوال! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصيب، أخذ من هول ليلة بأوفر نصيب، والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت، وقد استسلمنا للقضاء، وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الاحد ثاني دجنبر، والخامس والعشرين لشعبان، وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان، وساعدت الريح بعض مساعدة. فعدنا

نطلب من البر أثرا بعد عين، ونرجم الظنون بين متى وأين، والله عز وجل لطيف بعباده، وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده، لا رب سواه.

شهر رمضان المعظم

استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين، وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من ازاء الأرض الكبيرة المذكورة، وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة، أعلمنا أنها من قلورية، وهي من بلاد صاحب صقلية، لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده. وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا نبله بيسير من الماء فنتبلغ به. وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده، فترفق المسلمون بابتياع ما أمكن منه على غلائه وانتهى الى مقدار خبزة بدرهم من الخالص، فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام او خمسة عشر يوما الغاية، فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما، وسائر الناس لعشرين يوما، ولخمسة عشر يوما.

ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر.: هلال رجب، وهلال شعبان، وهلال رمضان هذا. وفي يوم مستهله مع الصباح أبصرنا أمامنا جبل النار، وهو جبل البركان المشهور بصقيلة، فاستبشرنا بذلك، والله تعالى يعظم أجورنا على ما كابدناه، ويختم لنا بأجمل الصنع وأسناه، ويوزعنا في كل حال شكر ما اولاه، بمنه وكرمه.

ثم حركتنا من ذلك الموضع ريح موافقة، فلما كان عشي يوم السبت ثاني الشهر المذكور اشتد هبوبها فزجت المركب تزجية سريعة، فلم يكن الا كلا ولا حتى أدتنا الى أول المضيق والليل قد جن، وهذا المضيق ينحصر فيه البحر الى مقدار ستة أميال، وأضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الأرض الكبيرة الى بر جزيرة صقلية، والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم، ويغلي غليان المرجل، لشدة انحصاره وانضغاطه، وشقه صعب على

المراكب. فاستمر مركبنا في سيره، والريح الجنوبية تسوقه سوقا عنيفا، وبر الأرض الكبيرة عن يميننا،، وبر صقلية عن يسارنا.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com