Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
المسلمون في دولة غليام
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 124 of 130
وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن. ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور، وهو يحيى بن فتيان الطراز، وهو يطرز بالذهب في طراز الملك: أن الافرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة، تعيدها الجواري المزكورات مسلمة، وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة. وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك. فكان يتطلع في قصره فلا يسمع الا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته، فكان يقول لهم: ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به؛ تسكينا لهم.
وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه فهم مسلمون، ما منهم الا من يصوم الأشهر تطوعا وتأجرا، ويتصدق تقربا الى الله وتزلفا، ويفتك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن اليهم، ويفعل الخير ما استطاع. وهذا كله صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناء الله عز وجل بهم. لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح، من وجوههم وكبرائهم، بعد تقدمة رغبة منه الينا في ذلك، فاحتفل في كرامتنا وبرنا وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه. فسألنا عن مكة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام، فأخبرناه، وهو يذوب شوقا وتحرقا، واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما الله، ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك. وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له، رابحون ان شاء الله في متجركم. ونحن كاتمون ايماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا، معتقلون في ملكة كافر بالله، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق، فغايتنا التبرك بلقاء أمثالكم من الحجاج، واستهداء أدعيتهم، والاغتباط بما نتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة، لنتخذها عدة للإيمان، وذخيرة
للأكفان، فتفطرت قلوبنا له اشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة، واتحفناه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه. وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمناه سائر اخوانه من الفتيان.
ولهم في فعل الجميل أخبار مأثورة، وفي افتكاك الأسرى صنائع عند الله مشكورة. وجميع خدمتهم على مثل أحوالهم. ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم. وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله عز وجل، فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم، والله ينفعهم ويجمل خلاصهم بمنه.
ولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوي من الأساطيل على ما لا يحصى عدد مراكبه، وله بالمدينة مثل ذلك.