Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
مدينة ثرمة من الجزيرة المذكورة.
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 127 of 130
هي أحسن وضعا من التي تقدم ذكرها، وهي جصينة، تركب البحر وتشرف عليه، وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد، ولها قلعة سامية منيعة. وفي اسفل البلدة حمة قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام. وهذه البلدة من الخصب. وسعة الرزق على غاية. والجزيرة بأسرها من أعجب بلاد الله في الخصب وسعة الأرزاق. فأقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور، ونحن قد أرسينا في واد بأسفلها ويطلع فيه المد من البحر ثم ينحسر عنه. وبتنا بها ليلة الجمعة، ثم انقلب الهواء غربيا، فلم نجد للإقلاع سبيلا، وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلارمة خمسة وعشرون ميلا، فخشينا طول المقام، وحمدنا الله تعالى على ما أنعم به من التسهيل في قطع المسافة في يومين، وقد تلبث الزوارق في قطعها، على ما أعلمنا به، العشرين يوما والثلاثين يوما ونيفا على ذلك.
فأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نية من المسير في البر على أقدامنا، فنفذنا لطيتنا وتحملنا بعض أسبابنا وخلفنا بعض الأصحاب على
الأسباب الباقية في الزورق، وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثرة صادر ووارد، وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادرون بالسلام علينا ويؤنسوننا، فرأينا من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل، عصم الله جميع أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، من الفتنة بهم بعزته ومنه، فانتهينا الى قصر سعد، وهو على فرسخ من المدينة، وقد أخذ منا الإعياء فملنا اليه وبتنا فيه.
وهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقه قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة، لم يزل ولا يزال، بفضل الله، مسكنا للعباد منهم، وحوله قبور كثيرة للمسلمين: أهل الزهادة والورع، وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان، وبإزائه عين تعرف بعين المجنونة، وله باب وثيق من الحديد، وداخله مساكن، وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة، وهو كامل مرافق السكنى، وفي اعلاه مسجد من احسن مساجد الدنيا بهاء، مستطيل ذو حنايا مستطيلة، مفروش بحصر نظيفة، لم ير أحسن منها صنعة، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج، وأمامه شارع واسع يستدير بأعلى القصر، وفي أسفل القصر بئر عذبة. فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه، وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه. وأكرمنا القوم الساكنون فيه. وله إمام يصلي بهم الفريضة. والتراويح في هذا الشهر المبارك. وبمقربة من هذا القصر، بنحو الميل الى جهة المدينة، قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر، وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى، ولهم في مدنهم مثل ذلك على صفة مارستانات المسلمين، وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك، فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر.
فلما صلينا الصبح توجهنا الى المدينة فجئنا لندخل، فمنعنا وحملنا الى الباب المتصل بقصور الملك الأفرنجي، أراح الله المسلمين من ملكته، وادينا الى المستخلف من قبله ليسألنا عن مقصدنا، وكذلك فعلهم بكل غريب، فسلك رحاب وابواب وساحات ملوكية، وأبصرنا من القصور المشرفة والميادين المنتظمة والبساتين والمراتب المتخذة لأهل الخدمة ما راع أبصارنا وأذهل أفكارنا،
وتذكرنا قول الله عز وجل «ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون»
وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحدق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات، والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها، فعجبنا من طوله واشراف مناظره، فأعلمنا أنه موضع غذاء الملك مع اصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه. وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج الينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله، فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة، فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين، فأعلمناه، فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء، فعجبنا من شأنه.
وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عندنا منه، فلم يكن عندنا ما نعلمه به، وقد نقيد خبرها بعد هذا. وكان من أغرب ما شاهدناه من الأمور الفتانة أن أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور: تحفظوا بما عندكم يا حجاج من العمال الممكسين لئلا يقع عليكم. وظن أن عندنا تجارة تقتضي التمكيس. فاستجاب له احد النصارى، فقال: ما أعجب أمرك، يدخلون حرم الملك، ويخافون من شيء، ما كنت أود لهم الا آلافا من الرباعيات، انهضوا بسلام لا خوف عليكم. فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه.
وخرجنا الى أحد الفنادق فنزلنا فيه، وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك، والثاني والعشرين لدجنبر، وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطا متصلا مشينا فيه مسافة طويلة، وهو مسقف، حتى انتهينا الى كنيسة عظيمة البناء. فاعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك الى هذه الكنيسة.