John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ذكر مدنية اطرابنش من جزيرة صقلية

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 130 of 130

هي مدينة صغيرة الساحة، غير كبيرة المساحة، مسورة بيضاء كالحمامة، مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب، ولذلك يقصد الروم كثيرا اليها ولا سيما المقلعون الى بر العدوة، فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة، فالسفر منها اليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا الا ريثما تهب الريح الموافقة، فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب. وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع ما يحتاج اليه من مرافق المدن، لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات، واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة، والبحر فاغرفاه لها من سائر الجهات، فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وان تراخى مدى أيامها، ولا يعلم الغيب الا الله تعالى.

وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم، وسكانها المسلمون والنصارى، ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركبها من جهة الشرق مائلا الى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه، وفيها معقل للروم، وبينه وبين الجبل قنطرة، ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير، ويقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة، جعلها الله سببا للمسلمين.

وبهذا الجبل الكروم والمزارع، واعلمنا أن به نحو أربع مئة عين متفجرة، وهو يعرف بجبل حامد، والصعود اليه هين من احدى جهاته، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة، ان شاء الله، ولا سبيل أن يتركوا مسلما يصعد اليه، ولذلك أعدوا في ذلك المعقل الحصين، فلو أحسوا بحادثة حصلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة. واعترض بينهم وبين الذي في اعلاه متصل به خندق كبير.

وشأن هذا البلد العجيب، فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره، وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء لها الا من بئر على البعد منها، وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ماؤها كلها شريب لا يساغ.

وألفينا المركبين الذين يرومان الاقلاع الى المغرب بها، ونحن، ان شاء الله،

نؤمل ركوب أحدهما، وهو القاصد الى بر الأندلس، والله بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنه. وفي غربي هذه البلدة: أطرابنش المذكورة، ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها، وهي صغار متجاورة: احداها تعرف بمليطمة، والاخرى بيابسة، والثالثة تعرف بالراهب، نسبت الى راهب يسكنها في بناء أعلاها كأنه الحصن، وهي مكمن للعدو، والجزيرتان لا عمارة فيهما، ولا يعمر الثالثة سوى الراهب المذكور.

شهر شوال

استهل هلاله ليلة السبت الخامس من ينير بشهادة ثبتت عند حاكم أطرابنش المذكورة بأنه أبصر هلال شهر رمضان ليلة الخميس، ويوم الخميس كان صيام أهل مدينة صقلية المتقدم ذكرها، فعيد الناس على الكمال بحساب يوم الخميس المذكور، وكان مصلانا في هذا العيد المبارك بأحد مساجد أطرابنش المذكورة مع قوم من أهلها امتنعوا من الخروج الى المصلى لعذر كان لهم. فصلينا صلاة الغرباء، جبر الله كل غريب الى وطنه، وخرج أهل البلد الى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات، فعجبنا من ذلك ومن اغضاء النصارى لهم عليه.

ونحن قد اتفق كراؤنا في المركب المتوجه ان شاء الله الى بر الأندلس ونظرنا في الزاد، والله المتكفل بالتيسير والتسهيل.

ووصل أمر من ملك صقلية بعقلة المراكب بجميع السواحل بجزيرته بسبب الأسطول الذي يعمره ويعده، فليس لمركب سبيل للسفر الى أن يسافر الأسطول المذكور، خيب الله سعيه ولا تمم قصده. فبادر الروم الجنويون، أصحاب المركبين المذكورين، الى الصعود فيهما تحصنا من الوالي، ثم امتد سبب الرشوة بينهم وبينه فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به. وفي هذا التاريخ المذكور وصلتنا أخبار موحشة من الغرب، منها تغلب صاحب ميورقة على بجاية، والله لا يحقق ذلك ويجعل العاقبة والهدنة للمسلمين بمنه وكرمه.

والناس في هذه المدينة يرجمون الظنون في مقصد هذا الأسطول الذي يحاول هذا الطاغية تعميره، وعدد اجفانه، فيما يقال، ثلاث مئة: بين طرائد ومراكب، يقال: اكثر من ذلك، ويستصحب معه نحو مئة سفينة تحمل الطعام، والله يقطع به ويجعل الدائرة عليه. فمنهم من يزعم أن مقصده الإسكندرية، حرسها الله وعصمها، ومنهم من يقول: ان مقصده ميورقة، حرسها الله، ومنهم من يزعم

أن مقصده إفريقية، حماها الله، ناكثا لعهده في السلم بسبب الأنباء الموحشة الطارئة من جهة المغرب. وهذا أبعد الظنون من الإمكان لأنه مظهر للوفاء بالعهد، والله يعين عليه ولا يعينه، ومنهم من يرى أن احتفاله انما هو لقصد القسطنطينية العظمى بسبب ما ورد من قبلها من النبأ العظيم الشأن، المهدي للنفوس بشائر تتضمن عجائب من الحدثان، وتشهد للحديث المأثور عن المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بصدق البرهان، وذلك بأنه ذكر أن صاحبها توفي وترك الملك بعده لزوجه ولها ابن صغير، فقام ابن عم له في الملك وقتل الزوج المذكورة وثقف الابن المذكور، ثم ابنا للثائر المذكور عطفته الرحم على الابن المعتقل فأطلق سبيله، وكان أبوه قد أمره بقتله، فرمت به الاقدار الى هذه الجزيرة بعد خطوب جرت عليه، فوردها على حالة ابتذال، ومهنة استعمال، خادما لأحد الرهبان، مسدلا على شارته الملوكية سترا من الامتهان، ففشي الأمر، وذاع السر، ولم يغن عنه ذلك الستر. فاستحضر عن أمر الملك الصقلي غليام، المذكور قبل، واستنطق واستفهم، فزعم أنه عبد لذلك الراهب وخديمه، ثم ان طائفة من الروم الجنويين المسافرين الى القسطنطينية أثبتوا صفته وحققوا أنه هو مع مخايل ودلائل ملوكية لاحت منه: منها، فيما ذكر لنا، أن الملك غليام خرج في يوم زينة له وقد اصطف الناس للسلام عليه وأحضروا الفتى المذكور في جملة الخاصة، فصقع الجميع خدمة للملك وتعظيما لطوعه عليهم الا ذلك الفتى فإنه لم يزد على الايمان في السلام، فعلم أن الهمة الملوكية منعته من المدخل مدخل السوقة، فاعتنى به الملك غليام وأكرم مثواه وأذكى عيون الاحتراس عليه خوفا من اغتيال يلحقه بتدسيس من ابن عمه الثائر عليه.

وكانت له أخت موصوفة بالجمال علق بها ابن العم الثائر على الملك المذكور، فلم يمكنه تزويجها بسبب أن الروم لا تنكح في الاقارب، فحمله الحب المصمي والهوى المصم المعمي، والسعادة التي تفضي بصاحبها الى العاقبة الحسنى وترمي، على أخذها والتوجه بها الى الأمير مسعود صاحب الدروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية، وقد تقدم ذكر غنائه في الإسلام فيما مضى من هذا التقييد، وحسبك أن صاحب القسطنطينية لم يزل يؤدي الجزية اليه ولصالحه على ما يجاوره من البلاد، فأسلم مع ابنة عمه على يده، وسيق له صليب ذهب قد احمي

عليه في النار فوضعه تحت قدمه، وهي عندهم أعظم علامات الترك لدين النصرانية والوفاء بذمة دين الاسلام، وتزوج ابنة العم المذكورة وبلغ هواه، وأخذ جيوش المسلمين معه الى القسطنطينية فدخلها بهم وقتل من أهلها نحو الخمسين الفا من الروم، وأعانه الإغريقيون على فعله، وهم فرقة من أهل الكتاب وكلامهم بالعربية، وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة، وهم لا يرون أكل لحم الخنزير، فشفوا نفوسهم من أعاديهم، وقرع الله نبع الكفر بعضه ببعض واستولى المسلمون على القسطنطينية ونقلت أموالها كلها، وهي ما لا يأخذه الإحصاء، الى الأمير مسعود، وجعل من المسلمين فيها ما ينيف على الاربعين الف فارس، واتصلت بلادهم بها. وهذا الفتح، اذا صح، من أكبر شروط الساعة، والله اعلم بغيبه.

ألفينا هذا الحديث بهذه الجزيرة مستفيضا على ألسنة المسلمين والنصارى محققين له لا شك عندهم فيه، أنبأت به مراكب الروم التي وصلت من القسطنطينية.

وكان أول سؤال مستخلف الملك بالمدينة لنا، يوم احضرنا لديه عند دخولنا المدينة، عما عندنا من خبر القسطنطينية، فلم يكن عندنا علم ولا تعرفنا معنى السؤال عنها الا بعد ذلك. وتحققوه أيضا من جهة ملكها هذا الصبي وما كان من اتباع الثائر عليه اياه عيونا يروم اغتياله. فهو اليوم بسبب ذلك عند صاحب صقلية محترس محافظ عليه، لا يكاد يصل لحظ العيون إليه.

وأخبرنا أنه رطيب غصن الصبا، محتدم حمرة الشباب، صقيل رونق الملك، عليه ناظر في علم اللسان العربي وغيره، بارع في الأدب الملوكي، ذو دهاء على فتوة سنه وغمرية شبيبته، فالملك الصقلي على ما يذكر يروم توجيه الأسطول المذكور الى القسطنطينية أنفة لهذا الصبي المذكور، وما جرى عليه، وكيفما توجه الأمر فيه من هذه المقاصد فالله عز وجل ينكصه خاسرا على عقبه، ويعرفه شؤم مذهبه، ويجعل قواصف الرياح خاسفة به، انه على ما يشاء قدير. وهذا الخبر القسطنطيني، حققه الله، من أعظم عجائب الدنيا وكوائنها المرتقبة، ولله القدرة البالغة في أحكامه وأقداره.

شهر ذي القعدة

استهل هلاله ليلة الاثنين الرابع من شهر فبرير ونحن بمدينة اطرابنش، المتقدم

ذكرها، منتظرين انسلاخ فصل الشتاء وإقلاع المركب الجنوي الذي أملنا ركوبه الى الأندلس، ان شاء الله عز وجل، والله سبحانه ييمن مقصدنا وييسر مرامنا بمنه وكرمه.

وفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها، دمرهم الله، وما هم عليه معهم من الذل والمسكنة، والمقام تحت عهدة الذمة، وغلظة الملك، الى طوارىء دواعي الفتنة في الدين على من كتب الله عليه الشقاء من ابنائهم ونسائهم. وربما تسبب الى بعض اشياخهم أسباب نكالية تدعوه الى فراق دينه، فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية، ويعرف بابن زرعة، ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية، ومهر في حفظ الإنجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية، وربما طرأ حكم اسلامي فيستفتى أيضا فيه لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية، ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين، وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة، نعوذ بالله من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة، ومع ذلك فاعلمنا أنه يكتم ايمانه. فلعله داخل تحت الاستثناء، في قوله: «الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» .

ووصل هذه الأيام الى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد ابو القاسم بن حمود، المعروف بابن الحجر، وهذا الرجل من اهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابرا عن كابر، وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح، مريد للخير، محب في أهله، كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى، وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج، الى مآثر جمة، ومناقب كريمة، فارتجت هذه المدينة لوصوله، وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية الزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوه فيها الى مخاطبة الموحدين أيدهم الله، فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة، وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية، ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقي

دون مال، فاتفق في هذه الأيام رضي الطاغية عنه وامره بالنفوذ لمهم اشغاله السلطانية، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله، وصدرت عنه عند وصوله الى هذه البلدة رغبة في الاجتماع بنا، فاجتمعنا به، فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دما، ويذيب القلوب ألما، فمن ذلك انه قال: كنت اود لو أباع أنا واهل بيتي، فلعل البيع كان يخلصنا مما نحن فيه، ويؤدي بنا الى الحصول في بلاد المسلمين. فتأمل حالا يؤدي بهذا الرجل، مع جلالة قدره وعظم منصبه، الى أن يتمنى مثل هذا التمنين مع كونه مثقلا عيالا وبنين وبنات، فسألنا له من الله عز وجل حسن التخلص مما هو فيه ولسائر المسلمين من أهل هذه الجزيرة. وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله عز وجل، وفارقناه باكيا مبكيا، واستمال نفوسنا بشرف منزعه، وخصوصية شمائله، ورزانة حصاته، وشمول مبرته وتكرمته، وحسن خلقه وخليقته. وكنا قد أبصرنا له ولإخوته ولأهل بيته بالمدينة ديارا كأنها القصور المشيدة الأنيقة، وشأنهم بالجملة كبير لا سيما هذا الرجل منهم.

وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم ويسرت لهم الكراء والزاد، والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى عليها بمنه.

ومن أعظم ما مني به أهل هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه أو تغضب المرأة على ابنتها فتلحق المغضوب عليه أنفة تؤديه الى التطارح في الكنيسة فيتنصر ويتعمد، فلا يجد الاب للابن سبيلا ولا الأم للبنت سبيلا. فتخيل حال من يمنى بمثل هذا في أهله وولده ويقطع عمره متوقعا لوقوع هذه الفتنة فيهم! فهم الدهر كله في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال.

وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش من المسلمين، في المدة السالفة، فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعد الشيء حالا بعد حال حتى اضطروا الى التنصر عن آخرهم، وفر منهم من قضى الله بنجاته، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، والله غالب على امره؛ لا اله سواه.

ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى، أبادهم الله،

أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم الا وفعل فعله اتباعا له واقتداء به، تكفل الله بعصمته جميعهم ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه.

ومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس اشفاقا وتذيب القلوب رأفة وحنانا أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه الى أحد أصحابنا الحجاج راغبا في أن يقبل منه بنتا بكرا صغيرة السن قد زاهقت الإدراك، فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن رضي لها من أهل بلده، ويخرجها مع نفسه راضية بفراق أبيها واخوتها طمعا في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين. فطاب الأب والإخوة نفسا لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخلص الى بلاد المسلمين بأنفسهم اذا زالت هذه العقلة المقيدة عنهم. فتأجر هذا الرجل المرغوب إليه بقبول ذلك وأعناه على استغنام هذه الفرصة المؤدية الى خير الدنيا والآخرة. وطال عجبنا من حال تؤدي بإنسان الى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة من القلب وإسلامها الى يد من يغربها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق اليها والوحشة دونها، كما أنا استغربنا حال الصبية، صانها الله، ورضاها بفراق من لها رغبة في الإسلام واستمساكا بعروته الوثقى، والله عز وجل يعصمها ويكفلها ويؤنسها بنظم شملها ويجمل الصنع لها بمنه. واستشارها الأب فيما هم به من ذلك فقالت له: ان أمسكتني فأنت مسئول عني. وكانت هذه الصبية دون أم ولها أخوان وأخت صغيرة أشقاء لها.

شهر ذي الحجة

غم هلاله علينا لتوالي الأنواء، فأكملنا أيام شهر ذي القعدة بحسابه من ليلة الأربعاء السادس لشهر مارس ونحن بهذه المدينة المذكورة طامعين في قرب السفر مستبشرين بطيب الهواء، والله ييسر مرامنا ويتكفل بسلامتنا بعزته. واتفق أن أبصرنا الهلال ليلة الأربعاء كبيرا، فعلم أنه من ليلة الثلاثاء، فانتقل حساب الشهر اليها.

وفي ظهر يوم الأربعاء التاسع من الشهر المذكور، والثالث عشر من مارس، وهو يوم عرفة، عرفنا الله بركته وبركة الموقف الكريم فيه بعرفات، كان صعودنا الى المركب، يمنه الله ورزقنا السلامة فيه، مبيتين للسفر، قرب الله علينا مسافته، فأصبحنا على ظهر المركب صبيحة يوم عيد الأضحى، نفعنا الله

بمقاساة الوحشة فيه، ونحن نيف على الخمسين رجلا من المسلمين، عصم الجميع ونظم شملهم بأوطانهم بمنه وكرمه، انه سبحانه كفيل بذلك. ورمنا الإقلاع فلم توافق الريح، فلم نزل نتردد من المركب الى البر ونبيت السفر كل ليلة اثني عشر يوما الى أن أذن الله بالإقلاع صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي الحجة المذكور، والخامس والعشرين لمارس، فأقلعنا على بركة الله تعالى في ثلاث مراكب من الروم قد توافقت على الاصطحاب في الجري وأن يمسك المتقدم منها على المتأخر، فوصلنا الى جزيرة الراهب، وقد تقدم ذكرها في هذا التقييد، وبينها وبين أطرابنش نحو ثمانية عشر ميلا، فتغيرت الريح علينا، فملنا الى مرساها.

فكان من الاتفاق العجيب أن ألفينا فيها مركب مركون الجنوي المقلع من الإسكندرية بنحو مئتي رجل ونيف من أصحابنا الحجاج المغاربة الذين كنا فارقناهم بمكة، قدسها الله، في ذي الحجة من سنة تسع، ولم نسمع لهم خبرا منذ فارقناهم ولا سمعوا لنا، وكان فيهم جماعة من أصحابنا من أهل أغرناطة، منهم الفقيه أبو جعفر بن سعد صاحبنا ونزيلنا بمكة مدة مقامنا فيها، فلحين ما علموا بنا تطلعوا الينا من المركب متعلقين بحافاته وجوانبه رافعين أصواتهم ببشرى السلامة واللقاء مسرورين بالاجتماع باكين من الفرح دهشين ذاهلين لوقوع المسرة من نفوسهم، ونحن لهم على مثل تلك الحال. فكان يوما مشهودا اتخذناه عقب العيد عيدا جديدا. ونزل الأصحاب بعضهم الى بعض، وباتوا وبتنا بأسر ليلة وانعمها، وجعلنا هذا الاجتماع عنوانا كريما لما نؤمله من انتظام الشمل بالأوطان، إن شاء الله عز وجل.

وأهب الله علينا ريحا طيبة في سحر تلك الليلة، وهي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور، فأقلعنا بها ونحن في أربعة مراكب كلها تؤمل جزيرة الأندلس، بحول الله تعالى، وسرنا ذلك اليوم كله بريح تزجي المراكب تزجية حثيثة، ونحن من الشوق الى الأندلس بحال تكاد لها النفوس تقوم مقام الرياح في حث الرياح وانزعاجها، والله يمن بالتسهيل والتعجيل. ثم انقلبت الريح غربية، بعد مسير يوم وليلتين، فضربت في وجوهنا فأنكصتنا على الأعقاب، فرجعنا عودا على بدء الى مرسى جزيرة الراهب، فوصلنا اليه ليلة الخميس الرابع والعشرين من الشهر المذكور.

ثم أقلعنا منه عشي يوم الجمعة بعده منفردين دون المراكب المذكورة.

فأزعجتنا ريح شديدة خرق لها المركب في الجري، فأصبحنا يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر ونحن على طرف جزيرة سردانية وقد قطعناها جريا، وطولها أزيد من مئتي ميل، فاستبشرنا وسررنا. وقدر للمركب في يوم وليلتين قطع نيف على خمس مئة ميل، فكان أمرا مستغربا، ثم ان الريح الموافقة ركدت عنا وهبت ريح أسقطتنا ليلة الاثنين الثامن والعشرين منه، وهو أول أبريل، الى جهة بر إفريقية، فأرسينا يوم الاثنين المذكور بجزيرة تعرف بخالطة، وهي جزيرة غير معمورة، ويقال: انها كانت معمورة، في القديم، وهي مقصد العدو، وبينها وبين البر المذكور نحو ثلاثين ميلا، وهو منا رأي العين، فأقمنا بها بعد أهوال لقيناها في دخول مرساها، عصم الله منها، وتوالت الأنواء علينا فيها ونحن ننتظر فرجا من الله تعالى. وكان مقامنا فيها أربعة أيام، آخرها يوم الخميس مستهل محرم.

شهر محرم سنة إحدى وثمانين

غم هلاله علينا فحسبناه على الكمال من ليلة الخميس الرابع لشهر أبريل، عرفنا الله بركة هذه السنة ويمنها ورزقنا خيرها ووقانا شرها ومن علينا بنظم الشمل فيها، انه سميع مجيب.

وفي ليلة الجمعة الثاني منه أهب الله علينا ريحا شرقية أقلعنا بها، وهي لينة رخاء، الى ان استشرت فعادت ريحا شديدة جرى بها المركب أقوى جري وأعدله، وما زلنا منذ ركبنا البحر نتنسم هذا الأفق الشرقي شوقا الى ريحه فلا يهب منه نسيم حتى خلناه لعدمه عنقاء مغربا، الى أن تداركنا الله بلطفه وجميل صنعه فأجراه لنا الآن في شهر نيسان، عرفنا الله السلامة بمنه وكرمه.

وصحبتنا هذه الريح الشرقية نحو يومين سرنا فيهما سيرا حثيثا، وتركنا جزيرة سردانية عن يميننا، ثم تلاعبت بنا الرياح المختلفة فأقمنا بها نضرب البحر طولا وعرضا ولا يتراءى لنا بر حتى ساءت ظنون وتوهمنا اسقاط الرياح لنا الى جهة بر برشلونة، دمرها الله، الى أن أذن الله بالفرج فأبصرنا بر جزيرة يابسة ليلة السبت العاشر من الشهر المذكور، ونحن لا نكاد نتبينه لبعد خيالا خفيا، فلما كان يوم السبت المذكور بان لنا، فدخلنا مرسى الجزيرة المذكورة مع الليل بعد مكابدة اختلاف الرياح في دخوله. فأرسينا والمدينة منا على مقدار اربعة أميال، وكان إرساؤنا بازاء فرمنتيرة وهي منقطعة عن جزيرة يابسة وبينهما

مقدار أربعة أميال أو خمسه، وفيها قرى كثيرة معمورة، فأقمنا بمرساها ونحن بمقربة من الجبلين المنقطعين المتناظرين المعروفين بالشيخ والعجوز. وفي تلك الليلة مع المغيب أبصرنا جبال بر الأندلس، وأقربها منا جبل دانية المعروف بقاعون.

فحدقت الأبصار لهذا البر سرورا بمرآه واستبشرت الأنفس بالدنو منه. وأصبحنا يوم الأحد الحادي عشر من الشهر بالمرسى المذكور والريح غربية ونحن ننتظر تتميم الصنع الجميل من الله عز وجل بإرسال الريح الموافقة، نشرا بين يدي رحمته ان شاء الله.

وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثالث عشر منه أقلعنا على اليمن والبركة بريح شرقية لينة المهب لها نفس خافت، داعين لله عز وجل في احياء ذمائها، وتقوية اجرائها، وجبال دانية أمامنا رأي العين، والله يتمم فضله علينا، ويكمل صنعه بعزته لنا. وتمادت وانتشرت بفضل الله تعالى، فنزلنا بقرطاجنة عشي يوم الخميس الخامس عشر منه، شاكرين لله على ما من به من السلامة والعافية، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد خاتم النبيين، وامام المرسلين. ثم أقلعنا منها اثر صلاة الجمعة السادس عشر منه فبتنا في فحص قرطاجنة بالبرج المعروف ببرج الثلاثة صهاريج، ثم منه يوم السبت الى مرسيه، ومنها في اليوم بعينه الى البرالة، ثم منها يوم الأحد الى لورقة، ثم منها يوم الاثنين الى المنصورة، ثم منها يوم الثلاثاء الى قنالش بسطة، ثم منها يوم الاربعاء الى وادي آش، ثم منها يوم الخميس الثاني والعشرين لمحرم، والخامس والعشرين لأبريل، الى المنزل بغرناطة:

فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com