Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
ماء زعاق وجو كله لهب
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 26 of 130
فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل الى البيت العتيق، زاده الله تشريفا وتكريما، وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ولا سيما في تلك البلدة الملعونة، ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان ابن داود، على نبينا وعليه السلام، كان اتخذها سجنا للعفارتة، أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة الى بيته الحرام، وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة الى المدينة المقدسة، وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل الطور المعظم يسارا، لكن للإفرنج بمقربة منها حصن مندوب يمنع الناس من سلوكه والله
ينصر دينه ويعز كلمته بمنه.
فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب. فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز، لمع برق من جهة البر المذكور، وهي جهة الشرق، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق الى أن كسا الآفاق كلها، وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه، وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الآفاق، فلم ندر الجهة المقصودة منها، الى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع الى اسفل الدقل، وهو الصاري.
واقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس، وارانا بحر فرعون بعض اهواله الموصوفة، الى ان أتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح. فهدأ قياد الريح وأقشع الغيم وأصحت السماء ولاح لنا بر الحجاز على بعد لا نبصر منه الا بعض جباله، وهي شرق من جدة، زعم ربان المركب وهو الرائس، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين، والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه.
فجرينا يومنا ذلك، وهو يوم الخميس المذكور، بريح رخاء طيبة، ثم ارسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعابا كثيرة يكثر فيها الماء ويضحل علينا، فتخللنا أثناءها على حذر وتحفظ.
وكان الربان بصيرا بصنعته حاذقا فيها، فخلصنا الله منها، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة، ونزلنا اليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع الأول المذكور، واصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة الا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور. فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس، فاقلعنا بذلك النفس نسير سيرا رويدا. وسكن البحر حتى
خيل لناظره انه صحن زجاج ازرق. فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع الله عز وجل.
وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن، فعصمنا الله عز وجل من فأل اسمها المذموم، وله الحمد والشكر على ذلك.
شهر ربيع الآخر
استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا، فتحققنا اهلاله ليلة السبت المذكور، وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه، وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر، وهو على بعض يوم من جدة، وهو من أعجب المراسي وضعا، وذلك أن خليجا من البحر يدخل الى البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسي الجلاب منه في قرارة مكنة هادئة.
فلما كان سحر يوم الاثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تعالى بريح فاترة، والله الميسر لا رب سواه فلما جن الليل أرسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام بسبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في التصرف بالجلبة أثناءها أمرا ضخما، يدخلونها على مضايق ويصرفونها خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان السلس القياد، ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور، وهو السادس والعشرون من شهر يوليه، كان نزولنا بجدة حامدين لله عز وجل وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية الأيام طول مقامنا على البحر، وكانت اهوالا شتى، عصمنا الله منها بفضله وكرمه، فمنها ما كان يطرأ من
البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابه المعترضة فيه. ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتصامها المرة بعد المرة عند رفع الشراع أو حطه أو جذب مرساة من مراسيه، وربما سنحت الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تخللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس، فكنا فيها نموت مرارا ونحيا مرارا، والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدي المزيد من نعماه، بعزته وقدرته، لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار القائد علي وهو صاحب