John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

مناقب الاسكندرية

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 4 of 130

ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة الى سلطانه: المدارس والمحارس «1» الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الاقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي اليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه واجراء يقوم به في جميع احواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا الى ذلك، ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم اطباء يتفقدون احوالهم، وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب ايضا فيه اقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، وينهون الى الاطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.

ومن اشرف هذه المقاصد أيضا ان السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل انسان في كل يوم بالغا ما بلغوا، ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا امينا من قبله. فقد ينتهي في اليوم الى ألفي خبزة او ازيد بحسب القلة والكثرة، وهكذا دائما، ولهذا كله اوقاف من قبله حاشا ما عينه من زكاة العين لذلك. وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا الى صلب ماله. وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه واتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولا فائد للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة، وليس له منها سوى ثلاثة اثمانها والخمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة.

وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة هو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، وصل الله صلاحه وتوفيقه.

ومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح الى السلطان ذكر ان أكثر هؤلاء يأخذون جراية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون الا بزاد يقلهم. فكاد يؤثر سعي هذا المتنصح. فلما كان في احد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده، فتلقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس، وهم قد ذهبت رسومهم عطشا وجوعا.

فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم. فأعلموه أنهم قاصدون بيت الله الحرام وانهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعتسفوا هذه المجاهل التي اعتسفوها وكابدوا من الشقاء ما كابدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهبا وفضة لوجب ان يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي اجريناها لهم، فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب الينا بالسعي في قطع ما أوجبناه لله عز وجل خالصا لوجهه.

ومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذب عن حوزة الدين لا تحصى كثرة.

ومن الغريب ايضا في أحوال هذا البلد تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم. وهو أكثر بلاد الله مساجد، حتى إن تقدير الناس لها يطفق فمنهم المكثر والمقلل، ينتهي في تقديره الى اثني عشر ألف مسجد، والمقلل ما دون ذلك لا ينضبط، فمنهم من يقول ثمانية آلاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضوع وربما كانت مركبة «1» ، وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، وهي عشرة مؤمنية، ومنهم من له فوق ذلك

ومنهم من له دونه. وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.

ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تعالى وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور، وهو الثالث لأبريل، فكانت مرحلتنا منه الى موضع يعرف بدمنهور، وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح، متصل من الإسكندرية اليه الى مصر. والبسيط كله محرث يعمه النيل بفيضه، والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة.

ثم في اليوم الثاني وهو يوم الاثنين، أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية. واتصل سيرنا الى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها، وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء، وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمس مئة المؤرخة، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندتة «1» ، وهي من القرى الفسيحة الآهلة، فأبصرنا بها مجمعا حفيلا، وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. واتصل سيرنا الى موضع يعرف بسبئك وكان مبيتنا بها.

واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج، والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان، ثم بعده المنية، وهو موضع أيضا حفيل، ثم منها الى القاهرة، وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة، ثم منها الى مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء، وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من أبريل، عرفنا الله فيها الخير والخبرة وتمم علينا صنعه الجميل بالوصول الى الغرض المأمول ولا أخلانا من التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، انه على ما يشاء قدير.

وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضع يعرف بدجوة، وذلك وقت الغداة الصغرى، وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص، رضي الله عنه، في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com