Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
قدوم الأمير العراقي
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 59 of 130
وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل
الامير العراقي في جمع لم يصل قط مثله، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين، واحدتهن خاتون، ومن السيدات بنات الامراء كثير، ومن سائر العجم عدد لا يحصى، فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي، لأنه مذهب مالك، رضي الله عنه، يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب. ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتجت له الأرض ووجفت الجبال، فيا له موقفا ما أهون مرآه وأرجى في النفوس عقباه! جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه، وتغمده بنعماه، إنه منعم كريم، حنان منان.
وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر، بهية العدة، رائقة المضارب والأبنية، عجيبة القباب والاروقة، على هيئات لم ير أبدع منها منظرا.
فأعظمها مرأى مضرب الامير، وذلك أنه أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة، وهي كلها سواد في بياض، مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض. وقد جللت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الاربعة كلها اشكال ذرقية من ذلك السواد المنزل في البياض يستشعر الناظر اليها مهابة يتخيلها درقا لمطية قد جللتها مزخرفات الاغشية.
ولهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة، يدخل منها الى دهاليز وتعاريج ثم يفضى منها الى الفضاء الذي فيه القباب. وكأن هذا الامير ساكن في مدينة قد احدق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله، وهي من الابهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المغرب.
وداخل تلك الابواب حجاب الامير وخدمه وغاشيته، وهي أبواب مرتفعة، يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تطأطؤ، قد احكمت اقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتان تتصل بأوتاد مضروبة، أدير ذلك كله بتدبير
هندسي غريب. ولسائر الامراء الواصلين صحبة هذا الامير مضارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة، وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، الى ما يطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الاحوال وعظيم الانخراق في المكاسب والاموال.
ولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الاعواد يسمونها القشاوات، وهي كالتوابيت المجوفة، هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبإزائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الاخرى، والقبة مضروبة عليهما، فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران، أو كيفما أحبا، فعندما يصلان الى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين ان كانا من أهل الترفه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسي ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل الى قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما. وناهيك من هذا الترفيه! فهؤلاء لا يلقون لسفرهم، وان بعدت شقته، نصبا، ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا.
ودون هؤلاء في الراحة راكبوا المحارات، وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع، وهذه أضم واضيق، وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس. ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب.