Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
يوم الأعاجم العراقيين في البيت الكريم
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 63 of 130
وفي هذه الأيام يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي. فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء، أمر لم ير أهول منه، يؤدي الى تلهف المهج وكسر الاعضاء.
وهم في خلال ذلك لا يبالون ولا يتوقفون، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم، من فرط الطرب والارتياح، القاء الفراش بنفسه على المصباح. فعادت
أحوال السرو اليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة المتقدمة الذكر، حال تؤدة ووقار بالإضافة الى هؤلاء الاعاجم الاغتام، نفعهم الله بنياتهم، وقد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله، والله يغفر للجميع.
وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه، والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.
وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك، اثر صلاة العتمة، نصب منبر الوعظ أمام المقام، فصعد واعظ خراساني حسن الشارة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان، فصيح المنطق، بارع الالفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا.
فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي، فصعد اثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال، رائع الجلال، بارع التمام في الفضل والكمال، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا، حرك بها القلوب حتى أطارها واورثها احتداما بالخشية بعد استعارها. وفي اثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ، فتحار له الالباب، ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب، فكأنما هو وحي يوحى.
وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل اليهم وافاضة شآبيب الامتحان عليهم من اعجب الامور المعربة عن غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم. وليست في فن واحد انما هي من فنون شتى. وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفة البرق وارتداد الطرف، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قراء ينغمون بالقراءة فيأتون بألحان تكسب
الجماد طربا واريحية كأنها المزامير الداودية. فلا تدري من اي أحوال هذا المجتمع تعجب، والله يؤتي الحكمة من يشاء، لا اله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث الى خمسة من اجداده: جد عن جد، نسقا مسلسلا من أبيه اليهم على اتصال، كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ، فهو معرق في الصنعة الشريفة، تليد المجد فيها.