John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

وعظ رئيس العلماء

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 69 of 130

وقد وقع الإيذان بوصول صدر الدين رئيس الشافعية الأصبهاني الذي

ورث النباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر لعقد مجلس وعظ تلك الليلة، وكانت ليلة الجمعة السابع من المحرم. فتأخر وصوله الى هدء من الليل والحرم قد غص بالمنتظرين، والخاتون جالسة موضعها. وكان سبب تأخره تأخر أمير الحاج لأنه كان على عدة من وصوله، الى أن وصل ووصل الأمير، وقد أعد لرئيس العلماء المذكور وهو يعرف بهذا الاسم، توارثه عن أب فأب، كرسي بازاء الروضة المقدسة، فصعده، وحضر قراؤه أمامه، فابتدروا القراءة بنغمات عجيبة وتلاحين مطربة مشجية، وهو يلحظ الروضة المقدسة فيعلن بالبكاء.

ثم أخذ في خطبة من انشائه سحرية البيان، ثم سلك في أساليب من الوعظ باللسانين، وأنشد أبياتا يديعة من قوله، منها هذا البيت، وكان يردده في كل فصل من ذكره، صلى الله عليه وسلم، ويشير الى الروضة:

هاتيك روضته تفوح نسيما ... صلوا عليه وسلموا تسليما

واعتذر من التقصير لهول ذلك المقام، وقال: عجبا للألكن الأعجم كيف ينطق عند أفصح العرب! وتمادى في وعظه الى أن أطار النفوس خشية ورقة، وتهافتت عليه الاعاجم معلنين التوبة، وقد طاشت البابهم، وذهلت عقولهم، فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي جلمين ويجزها ناصية ناصية، ويكسو عمامته المجزوز الناصية، فيوضع عليه للحين عمامة أخرى من أحد قرائه أو جلسائه ممن قد عرف منزعه الكريم في ذلك، فبادر بعمامته لاستجلاب الغرض النفيس لمكارمه الشهيرة عندهم، فلا زال يخلع واحدة بعد أخرى، الى ان خلع منها عدة وجز نواصي كثيرة، ثم ختم مجلسه بأن قال: معشر الحاضرين، قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله عز وجل، وهذه الليلة بحرم رسوله، صلى الله عليه وسلم، ولا بد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة ان ضمنتموها لي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها. فأعلن الناس كلهم بالإسعاف، وشهيقهم قد؟، فقال: حاجتي أن تكشفوا رؤوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني، ويسترضي الله عز وجل لي. ثم أخذ في تعداد

ذنوبه والاعتراف بها، فأطار الناس مائهم، وبسطوا أيديهم للنبي، صلى الله عليه وسلم، داعين له، باكين ستضرعين، فما رأيت ليلة أكثر دموعا، ولا أعظم خشوعا، من تلك الليلة، ثم انفض المجلس وانفض الأمير وانفضت الخاتون من موضعها. وعند وصول صدر الدين المذكور، أزيل الستر عنها وبقيت بين خدمها وكرائمها متلفعة في ردائها فعاينا من أمرها في الشهرة الملوكية عجبا.

وأمر هذا الرجل صدر الدين عجيب في قعدده وأبهته، وملوكيته، وفخامة آلته، وبهاء حالته، وظاهر مكنته، ووفور عدته، وكثرة عبيده وخدمته، واحتفال حاشيته وغاشيته، فهو من ذلك على حال يقصر عنها الملوك. وله مضرب كالتاج العظيم في الهواء، مفتح على أبواب على هيئة غريبة الوضع، بديعة الصنعة والشكل، تطل على المحلة من بعد، فتبصره ساميا في الهواء. وشأن هذا الرجل العظيم لا يستوعبه الوصف؛ شاهدنا مجلسه فرأينا رجلا يذوب طلاقة وبشرا، ويخف للزائر كرامة وبرا، على عظيم حرمته وفخامة بنيته، وهو أعطي البسطتين علما وجسما، استجزناه فأجازنا نثرا ونظما. وهو أعظم من شاهدنا بهذه الجهات.

وفي يوم الجمعة المذكور، وهو السابع من محرم، شاهدنا من أمور البدعة أمرا ينادى له الاسلام: يا لله يا للمسلمين. وذلك أن الخطيب وصل للخطبة، فصعد منبر النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو، على ما يذكر، على مذهب غير مرضي، ضد الشيخ الإمام العجمي الملازم صلاة الفريضة في المسجد المكرم. فذلك على طريقة من الخير والورع، لائقة بإمام مثل ذلك الموضع الكريم. فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب المذكور للخطبة، وقد تقدمته الرايتان السوداوان وقد ركزتا بجانبي المنبر الكريم، فقام بينهما، فلما فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في السرعة، وابتدر الجمع مردة من الخدمة يخترقون الصوف، ويتخطون الرقاب، كدية على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليل التوفيق، فمنهم من يطرح الثوب النفيس،

ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير فيعطيها، وقد أعدها لذلك، ومنهم من يخلع عمامته فينبذها، ومنهم من يتجرد عن برده فيلقي به، ومنهم من لا يتسع حاله لذلك فيسمح بفضلة من الخام، ومنهم من يدفع القراضة من الذهب، ومنهم من يمد يده بالدينار والدينارين الى غير ذلك، ومن النساء من تطرح خلخالها وتخرج خاتمها فتلقيه، الى ما يطول الوصف له من ذلك. والخطيب، في أثناء هذه الحال كلها، جالس على المنبر يلحظ هؤلاء المستجدين المستسعين على الناس بلحظات يكرها الطمع ويعيدها الرغبة والاستزادة، الى أن كاد الوقت ينقضي، والصلاة تفوت، وقد ضج من له دين وصحة من الناس، وأعلن بالصياح وهو قاعد ينتظر اشتفاف صبابة الكدية وقد أراق عن وجهه ماء الحياء، فاجتمع له من ذلك السحت المؤلف كوم عظيم أمامه، فلما أرضاه قام وأكمل الخطبة وصلى بالناس. وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين، يائسين من فلاح الدنيا متحققين أشراط الآخرة. ولله الأمر من قبل ومن بعد! وفي عشي ذلك اليوم المبارك كان وداعنا للروضة المباركة والتربة المقدسة، فيا له وداعا عجبا ذهلت له النفوس ارتياعا حتى طارت شعاعا، واستشرت به النفوس التياعا حتى ذابت انصداعا! وما ظنك بموقف يناجى بالتوديع فيه سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين؟ إنه لموقف تنفطر له الأفئدة، وتطيش به الالباب الثابتة المتئدة، فوا أسفاه وا أسفاه! كل يبوح لديه بأشواقه، ولا يجد بدا من فراقه، فما يستطيع الى الصبر سبيلا، ولا تسمع في هول ذلك المقام الا رنة وعويلا، وكل بلسان الحال ينشد:

محبتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرحيلا

بوأنا الله بزيارة هذا النبي الكريم منزل الكرامة، وجعله شفيعا لنا يوم القيامة واحلنا من فضله في جواره دار المقامة، برحمته انه غفور رحيم، جواد كريم.

وكان مقامنا بالمدينة المكرمة خمسة أيام، أولها يوم الاثنين وآخرها يوم الجمعة.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com