John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ذكر مدينة الحلة

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 72 of 130

هي مدينة كبيرة، عتيقة الوضع، مستطيلة، لم يبق من سورها الا حلق من جدار ترابي مستدير بها. وهي على شط الفرات، يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها. ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدينة والصناعات الضرورية. وهي قوية العمارة، كثيرة الخلق، متصلة حدائق النخيل داخلا وخارجا، فديارها بين حدائق النخيل، وألفينا بها جسرا عظيما معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظما وضخامة ترتبط الى خشب مثبتة في كلا الشطين، تدل على عظم الاستطاع والقدرة؛ أمر الخليفة بعقده على الفرات اهتماما بالحاج واعتناء بسبيله

وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب، فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم، ولم يكن عند شخوصهم الى مكة شرفها الله.

وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور ونزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ من البلد، وهذا النهر كاسمه فرات، هو من أعذب المياه وأخفها، وهو نهر كبير زخار، تصعد فيه السفن وتنحدر.

والطريق من الحلة الى بغداد أحسن طريق وأجملها، في بسائط من الأرض وعمائر، تتصل بها القرى يمينا وشمالا. ويشق هذه البسائط أغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها، فمحرثها لاحد لاتساعه وانفساحه، فللعين في هذا الطريق مسرح انشراح، وللنفس مراح انبساط وانفساح، والأمن فيها متصل، بحمد الله سبحانه وتعالى.

شهر صفر سنة ثمانين

هلاله على الكمال من ليلة الاثنين، بموافقة الرابع عشر من مايه، استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة.

وفي ضحوة يوم الاثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل، وهو فرع متشعب من الفرات، وكان عليه ازدحام، فغرق كثير من الناس والدواب في الماء. فتنحينا مريحين الى أن انفرج ذلك المزدحم وعبرنا على سلامة وعافية، والحمد لله.

ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا افواجا: فمنهم المتقدم، والمتوسط، والمتأخر، لا يعرج المستعجل على المتعذر، ولا المتقدم على المتأخر، فحيثما شاؤوا من طريقهم نزلوا وأراحوا واستراحوا، وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس الذي كانت الافئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام، فربما

كان النائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلا ثم يتحقق أنها من أضغاث أحلامه فيعود الى منامه.

ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطير المعترضة في طريقهم الى بغداد، فلا تكاد تمشي ميلا الا وتجد قنطرة على نهر متفرع من الفرات، فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطير، وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون للطريق اعتناء من الخليفة بسبيل الحاج دون اعتراض منهم لاستنفاع بكدية أو سواها.

فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطير دفعة لما فرغوا من عبورها ولتراكموا وقوعا بعض على بعض.

والأمير طشتكين المتقدم الذكر يقيم بالحلة ثلاثة أيام الى أن يتقدم جميع الحاج ثم يتوجه الى حضرة خليفته. وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة.

وسيرة هذا الامير بالرفق بالحاج والاحتياط عليهم والاحتراس لمقدمتهم وساقتهم وضم نشر ميمنتهم وميسرتهم سيرة محمودة، وطريقته في الحزم وحسن النظر طريقة سديدة، وهو من التواضع ولين الجانب وقرب المكان على وتيرة سعيدة، نفعه الله ونفع المسلمين به.

وفي عصر يوم الاثنين المذكور نزلنا بقرية تعرف بالقنطرة كثيرة الخصب، كبيرة الساحة، متدفقة جداول الماء، وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى واجملها، وبها قنطرة على فرع من فروع الفرات كبيرة محدودبة، يصعد اليها وينحدر عنها، فتعرف القرية بها، وتعرف أيضا بحصن بشير.

وألفينا حصاد الشعير بهذه الجهات في هذا الوقت الذي هو نصف مايه.

ورحلنا من القرية المذكورة سحر يوم الثلاثاء الثاني لصفر، فنزلنا قائلين ضحوته بقرية تعرف بالفراش، كثيرة العمارة، يشقها الماء، وحولها بسيط أخضر جميل المنظر. وقرى هذه الطريق من الحلة الى بغداد على هذه الصفة من الحسن والاتساع. وفي هذه القرية المذكورة خان كبير يحدق به جدار عال له شرفات صغار.

ثم رحلنا منها ونزلنا عشي النهار بقرية تعرف بزريران، وهذه القرية من أحسن قرى الارض، وأجملها منظرا، وافسحها ساحة، وأوسعها اختطاطا، وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل. وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن. وحسبك من شرف موضعها ان دجلة تسقي شرقيها، والفرات يسقي غربيها، وهي كالعروس بينهما، والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين.

ومن شرف هذه القرية أيضا أن بإزائها، لجهة الشرق منها، إيوان كسرى وأمامها بيسير مدائنه. وهذا الإيوان بناء عال في الهواء، شديد البياض، لم يبق من قصوره إلا البعض، فعايناها على مقدار الميل سامية مشرفة مشرقة، وأما المدائن فخراب، اجتزنا عليها سحر يوم الأربعاء الثالث لصفر فعاينا من طولها واتساعها مرأى عجيبا. ومن فضائل هذه القرية أيضا أن بالشرق منها بمقدار نصف فرسخ مشهد سلمان الفارسي، رضي الله عنه. فما اختصت تربتها بهذا الدفين المبارك، رضي الله عنه، إلا لفضل تربتها.

والقرية على شط دجلة، وهي تعترض بينها وبين المشهد الكريم المذكور، وكنا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في القلب، ويبعث النفس دائما على الانبساط والأنس، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا، وان كان نازح الدار مغتربا، حتى حللنا بهذا الموضع المذكور، وهو على مرحلة منها، فلما نفحتنا نوافح هوائها، ونقعنا الغلة ببرد مائها، أحسسنا من نفوسنا، على حال وحشة الاغتراب، دواعي من الإطراب، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالإياب، وهبت بنا محركات من الإطراب، أذكرتنا معاهد الأحباب، في ريعان الشباب. هذا للغريب النازح الوطن، فكيف للوافد فيها على أهل وسكن!

سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... ورد الى الاوطان كل غريب

وفي سحر يوم الأربعاء المذكور رحلنا من القرية المذكورة واجتزنا على مدائن

كسرى حسبما ذكرناه وانتهينا الى صرصر وهي أخت زريران المذكورة حسنا أو قريب منها. ويمر بجانبها القبلي نهر كبير متفرع من الفرات عليه جسر معقود على مراكب تحف بها من الشط الى الشط سلاسل حديد عظام، على الصفة التي ذكرناها في جسر الحلة، فعبرناه وأجزنا القرية ونزلنا قائلين، وبيننا وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ.

وبهذه القرية سوق حفيلة ومسجد جامع كبير جديد. وهي من القرى التي تملأ النفوس بهجة وحسنا. وهذان النهران الشريفان دجلة والفرات قد أغنت شهرتهما عن وصفهما، وملتقاهما ما بين واسط والبصرة، ومنها انصبابهما الى البحر، ومجراهما من الشمال الى الجنوب، وحسبهما ما خصهما الله به من البركة هما وأخاهما النيل، مما هو مذكور مشهور، ورحلنا من ذلك الموضع قبيل الظهر من يوم الأربعاء المذكور وجئنا بغداد قبيل العصر، والمدخل اليها على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com