Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
مدينة حلب
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 88 of 130
ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول، والرابع والعشرين ليونيه.
مدينة حلب
بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من التقديس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسلت عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض مستديرة منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تقديرها وتدبيرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها، عتيقة في الأزل، حديثة وان لم تزل، قد طاولت الأيام والأعوام، وشيعت الخواص والعوام، هذه منازلها وديارها، فاين سكانها قديما وعمارها؟ وتلك دار مملكتها وفناؤها فأين امراؤها الحمدانيون وشعراؤها؟ أجل، فني جميعهم، ولم يأن بعد فناؤها! فيا عجبا للبلاد تبقى وتذهب أملاكها، ويهلكون ولا يقضى هلاكها، تخطب بعدهم فلا يتعذر ملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها. هذه حلب،
كم أدخلت من ملوكها في خبر كان، ونسخت ظرف الزمان بالمكان، أنث اسمها فتحلت بزينة الغوان، ودانت بالغدر فيمن خان، وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان، هيهات! هيهات! سيهرم شبابها، ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها، وتتطرق جنبات الحوادث إليها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا اله سواه، سبحانه جلت قدرته.
وقد خرج بنا الكلام عن مقصده، فلنعد الى ما كنا بصدده، فنقول: ان من شرف هذه القلعة أنه يذكر أنها كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوي اليها ابراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، بغنيمات له فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها فلذلك سمت حلب، والله أعلم. وبها مشهد كريم له يقصده الناس ويتبركون بالصلاة فيه.
ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع، وقد صنع عليه جبان، فهما ينبعان ماء فلا تخاف الظمأ أبد الدهر، والطعام يصبر فيها الدهر كله، وليس في شروط الحصانة أهم ولا آكد من هاتين الحلتين. ويطيف بهذين الجبين المذكورين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد، ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه. وشأن هذه القلعة في الحصانة والحسن أعظم من أن ننتهي الى وصفه. وسورها الأعلى كله أبراج منتظمة، فيها العلالي المنيفة، والقصاب المشرفة، قد تفتحت كلها طيقانا. وكل برج منها مسكون، وداخلها المساكن السلطانية، والمنازل الرفيعة الملوكية.
وأما البلد فموضوعه ضخم جدا، حفيل التركيب، بديع الحسن، واسع الأسواق كبيرها، متصلة الانتظام مستطيلة، تخرج من سماط صنعة الى سماط صنعة أخرى الى ان تفرغ من جميع الصناعات المدنية، وكلها مسقف بالخشب، فسكانها في ظلال وارفة. فكل سوق منها تقيد الأبصار حسنا وتستوقف المستوفز تعجبا.
وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا، مطيفة بالجامع المكرم، لا
يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المرائي الرياضية. وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة، قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت، فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم.
وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن الى الصحن، عددها ينيف على الخمسين بابا، فيستوقف الأبصار حسن منظرها، وفي صحنه بئران معينان. والبلاط القبلي لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه الى المحراب فتجللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة. وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل بسمك السقف، وقد قوس اعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية، وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس، واتصال الترصيع من المنبر الى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال، فتجتلي العيون منه أبدع منظر. يكون في الدنيا، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف.
ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا واتقان صنعة فهما في الحسن روضة تجاور اخرى. وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة، ومن أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا وغرفا ولها طيقان يتصل بعضها ببعض، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا، فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها، فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة. وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس. ولها مارستان.
وأمرها في الاحتفال عظيم، فهي بلدة تليق بالخلافة، وحسنها كله داخل لا خارج لها الا نهير يجري من جوفيها الى قبليها ويشق ربضها المستدير بها، فإن
لها ربضا كبيرا فيه من الخانات ما لا يحصى عدده. وبهذا النهر الأرحاء، وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه. وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله.
وكيفما كان الأمر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لا نظير لها، والوصف فيه يطول.
فكان نزولنا بربضه في خان يعرف بخان أبي الشكر، فأقمنا به أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخميس السابع عشر لربيع المذكور، والثامن والعشرين ليونيه. ووصلنا قنسرين قبيل العصر، فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا الى قرية تعرف بتل تاجر، فكان مبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه.
وقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان، لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس، فلم يبق الا آثارها الدارسة، ورسومها الطامسة، ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا. وتشبهها من البلاد الأندلسية جيان، ولذلك يذكر أن أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثلما فعل في أكثر بلادها، حسب ما هو معروف.
ثم رحلنا من ذلك الموضع، عند الثلث الماضي من الليل، فأسرينا وسرنا الى ضحوة من النهار، ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بباقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان، وثيق الحصانة. وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وأبوابها حديد، وهي من الوثاقة في غاية. ثم رحلنا من هذا الموضع وبتنا بموضع يعرف بتمنى في خان وثيق على الصفة المذكورة.
ثم أسحرنا منه يوم السبت التاسع عشر لربيع الأول المذكور، وهو آخر يوم من يونيه، ورأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين، يوم الجمعة المذكور، بلاد المعرة، وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقا. ووراءها جبل لبنان وهو سامي الارتفاع، ممتد الطول،
يتصل من البحر الى البحر، وفي صفحته حصون للملاحدة الإسماعيلية، فرقة مرقت من الإسلام وادعت الإلهية في أحد الانام، قيض لهم شيطان من الإنس يعرف بسنان خدعهم بأباطيل وخيالات موه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه الها يعبدونه ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته وامتثال امره بحيث يأمر أحدهم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى ويستعجل في مرضاته الردى، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بقدرته، نعوذ به سبحانه من الفتنة في الدين، ونسأله العصمة من ضلال الملحدين، لا رب غيره، ولا معبود سواه.
وجبل لبنان المذكور هو حد بين بلاد المسلمين والإفرنج، لأن وراءه أنطاكية واللاذقية وسواهما من بلادهم، أعادها الله للمسلمين، وفي صفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد، هو للإفرنج، ويغيرون منه على حماة وحمص، وهو بمرأى العين منهما. فكان وصولنا الى مدينة حماة في الضحى الأعلى من يوم السبت المذكور، فنزلنا بربضها في أحد خاناته.