Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
مدينة حمص
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 90 of 130
مع شروق الشمس من يوم الأحد الموفي عشرين لربيع الأول، وهو أول يوليه، فنزلنا بظاهرها بخان السبيل.
مدينة حمص
هي فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، موضوعة في بسيط من الأرض عريض مداه، لا يخترقه النسيم بمسراه، يكاد البصر يقف دون منتهاه، أفيح أغبر، لا ماء ولا شجر، ولا ظل ولا ثمر، فهي تشتكي ظماءها، وتستقي على البعد ماءها، فيجلب لها من نهيرها العاصي، وهو منها بنحو مسافة الميل، وعليه طرة بساتين تجتلي العين خضرتها، وتستغرب نضرتها، ومنبعه في مغارة يصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك، أعادها الله، وهي عن يمين الطريق الى دمشق.
وأهل هذه البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم اياه، وبعدهم في ذلك أهل حلب. فأحمد خلال هذه البلدة هواؤها الرطب، ونسيمها الميمون تخفيفه وتجسيمه، فكأن الهواء النجدي في الصحة شقيقه وقسيمه.
وبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة، عاصية غير مطيعة، قد تميزت وانحازت بموضوعها عنها. وبشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد، رضي الله عنه، هو سيف الله المسلول، ومعه قبر ابنه عبد الرحمن، وقبر عبيد الله بن عمر، رضي الله عنهم. وأسوار هذه المدينة غاية في العتاقة والوثاقة، مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود، وابوابها أبواب حديد، سامية الإشراف، هائلة المنظر، رائعة الإطلال والأناقة تكتنفها الأبراج المشيدة الحصينة. وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء، خلقة الأرجاء، ملفقة البناء، لا اشراق لآفاقها، ولا رونق
لأسواقها، كاسدة لا عهد لها بنفاقها. وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة، وهو معقل العدو، فهو منه تتراءى ناره، ويحرق اذا يطير شراره، ويتعهد اذا شاء كل يوم مغاره.
وسألنا أحد الأشياخ بهذه البلدة: هل فيها مارستان على رسم مدن هذه الجهات؟ فقال، وقد أنكر ذلك: حمص كلها مارستان! وكفاك تبيينا شهادة أهلها فيها! وبها مدرسة واحدة، وتجد في هذه البلدة عند اطلالك عليها من بعد في بسيطها ومنظرها وهيئة موضوعها، بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس، يقع للحين في نفسك خياله، وبهذا الاسم سميت في القديم، وهي العلة التي أوجبت نزول الأعراب أهل حمص فيها، حسبما يذكر. وهذا التشبيه وان لم يكن بذاته، فله لمحة من احدى جهاته.
وأقمنا بها يوم الأحد المذكور ويوم الاثنين بعده، وهو الثاني ليوليه، الى أول الظهر، ورحلنا منها وتمادينا الى العشي، ونزلنا بقرية خربة تعرف بالمشعر فعشينا بها الدواب، ثم رحلنا عند المغرب وأسرينا طول ليلتنا، وتمادى سيرنا الى الضحى الاعلى من يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور، ونزلنا بقرية كبيرة للنصارى المعاهدين تعرف بالقارة، ليس فيها من المسلمين أحد، وبها خان كبير كأنه الحصن المشيد في وسطه صهريج كبير مملوء ماء يتسرب له تحت الأرض من عين على البعد، فهو لا يزال ملآن، فأرحنا بالخان المذكور الى الظهر ثم رحلنا منه الى قرية تعرف بالنبك، بها ماء جار ومحرث متسع، فنزلنا بها للتعشية، ثم رحلنا منها بعد اختلاس تهويمة خفيفة.
وأسرينا الليل كله، فوصلنا الى خان السلطان مع الصباح، وهو خان بناه صلاح الدين صاحب الشام. وهو في نهاية الوثاقة والحسن، بباب حديد على سبيلهم في بناء خانات هذه الطرق كلها واحتفالهم في تشييدها، وفي هذا الخان ماء جار يتسرب الى سقاية في وسط الخان كأنها صهريج، ولها منافس ينصب منها الماء في سقاية صغيرة مستديرة حول الصهريج ثم يغوص في سرب في
لأارض.
والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة الا في ثلاثة مواضع أو أربعة، منها هذه الخانات المذكورة، فأقمنا بها يوم الأربعاء الثالث والعشرين لربيع المذكور بالخان المذكور مريحين ومستدركين للنوم الى أول الظهر، ثم رحلنا وجزنا بثنية العقاب ومنها يشرف على بسيط دمشق وغوطتها، وعند هذه الثنية مفرق طريقين: احداهما التي جئنا منها، والثانية آخذة شرقا في البرية على السماوة الى العراق، وهي طريق قصد لكنها لا تدخل الا في الشتاء. فانحدرنا منها بين جبال في بطن واد الى البسيط ونزلنا منه بموضع يعرف بالقصير، فيه خان كبير والنهر جار أمامه، ثم رحلنا منه مع الصبح وسرنا في بساتين متصلة لا يوصف حسنها، ووصلنا دمشق في الضحى الأعلى من يوم الخميس الرابع والعشرين لربيع الأول والخامس ليوليه، والحمد لله رب العالمين.