Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وأربعين من الهجرة النبوية]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 103 of 840
** [تسليم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبى سفيان] **
قال ابن جرير: فيها سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبى سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم: إنكم سامعون مطيعون، مسالمون من سالمت، محاربون من حاربت. فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب. فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه، فازداد لهم بغضا، وازداد منهم ذعرا، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه، وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران.
وقال البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان، عن أبى موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبى سفيان بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بضيعتهم؟ من لي بنسائهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى
عبد شمس ; عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» " قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
قلت: وقد روى هذا الحديث البخاري في كتاب الفتن، عن علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، وفي فضائل الحسن، عن صدقة بن الفضل، ثلاثتهم عن سفيان. ورواه أحمد عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن إسرائيل بن موسى البصري به. ورواه أيضا في دلائل النبوة عن عبد الله بن محمد، وهو ابن أبي شيبة ويحيى بن آدم، كلاهما عن حسين بن علي الجعفي، عن إسرائيل، عن الحسن، وهو البصري، به. وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الحسن البصري به. ورواه أبو داود أيضا
والترمذي من طريق أشعث، عن الحسن به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه النسائي من طريق عوف الأعرابي وغيره، عن الحسن البصري مرسلا.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، أخبرني من سمع الحسن يحدث عن أبي بكرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا يوما والحسن بن علي في حجره، فيقبل على أصحابه فيحدثهم، ثم يقبل على الحسن فيقبله، ثم قال: " إن ابني هذا سيد، إن يعش يصلح بين طائفتين من المسلمين» ". قال الحافظ ابن عساكر: كذا رواه معمر، ولم يسم الذي حدثه به عن الحسن، وقد رواه جماعة عن الحسن، منهم ; أبو موسى إسرائيل، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وعلي بن زيد، وهشام بن حسان، وأشعث بن سوار، والمبارك بن فضالة، وعمرو بن عبيد القدري. ثم شرع ابن عساكر في تطريق هذه الروايات كلها، فأفاد وأجاد.
قلت: والظاهر أن معمرا رواه عن عمرو بن عبيد فلم يفصح باسمه، وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار عنه وسماه. ورواه أحمد، عن هاشم، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكر الحديث. قال الحسن: فوالله والله بعد أن ولي لم يهرق في خلافته ملء محجمة من دم.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه ": وقد رواه بعضهم عن الحسن، عن أم سلمة.
وقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله عنه ; قال يحيى بن معين: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن «إن ابني هذا سيد، يصلح الله به بين فئتين من المسلمين» ". وكذا رواه عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش به.
وقد رواه غيره عن أبي هريرة ; فقال أبو يعلى: ثنا أبو بكر، ثنا زيد بن الحباب، ثنا محمد بن صالح التمار المدني، ثنا مسلم بن أبي مريم، عن سعيد بن أبي سعيد المدني قال: كنا مع أبي هريرة، إذ جاء الحسن بن علي فسلم فرددنا عليه، ولم يعلم به أبو هريرة ومضى، فقلنا: يا أبا هريرة، هذا الحسن بن علي قد سلم علينا. قال: فتبعه فلحقه، وقال: وعليك السلام يا سيدي. وقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنه سيد» ".
وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: كان تسليم الحسن الأمر لمعاوية في الخامس من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين. وقال غيره: في ربيع الآخر. ويقال: في غرة جمادى الأولى. فالله أعلم. قال: وحينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة.
وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بن علي أن يخطب الناس ويعلمهم بنزوله عن الأمر لمعاوية، فأمر معاوية الحسن، فقام في الناس خطيبا، فقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} [الأنبياء: 111] . فلما قالها غضب معاوية وأمره بالجلوس، وعتب على عمرو بن العاص في إشارته بذلك، ولم يزل في نفسه منه لذلك. والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه الترمذي في " جامعه ": حدثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو: يا مسود وجوه المؤمنين - فقال: لا تؤنبني رحمك الله ; فإن
النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك فنزلت {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] يا محمد. يعني نهرا في الجنة، ونزلت {إنا أنزلناه في ليلة القدر - وما أدراك ما ليلة القدر - ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 1 - 3] يملكها بعدك بنو أمية يا محمد. قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يوما ولا تنقص. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة، وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد - ويقال: يوسف بن مازن - رجل مجهول. قال: ولا يعرف هذا الحديث بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. فإنه حديث غريب بل منكر جدا، وقد تكلمنا عليه في كتاب " التفسير " بما فيه كفاية، وبينا وجه نكارته، وناقشنا القاسم بن الفضل فيما ذكره، فمن أراد ذلك فليراجع " التفسير ". والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي ثنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر، ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، ثنا عباس بن محمد، ثنا أسود بن عامر، ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو روق الهمداني، ثنا أبو الغريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفا بمسكن مستميتين، تقطر أسيافنا من الجد
على قتال أهل الشام وعلينا أبو العمرطة، فلما جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قال له رجل منا يقال له: أبو عامر سفيان بن الليل: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هذا يا أبا عامر، لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك.
ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها، واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد أحد دهاة العرب، وقد كان عزم على الشقاق، وحصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي، ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك مصيب بار راشد ممدوح، وليس يجد في صدره حرجا ولا تلوما ولا ندما، بل هو راض بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقا من ذويه وأهله وشيعته، ولا سيما بعد ذلك بمدد، وهلم جرا إلى يومنا هذا. والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم في الحديث الصحيح، ولله الحمد والمنة. وسيأتي فضائل الحسن عند ذكر وفاته، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات الفردوس متقلبه
ومثواه، وقد فعل.
وقال محمد بن سعد: أنا أبو نعيم، ثنا شريك، عن عاصم، عن أبي رزين قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة، فقرأ سورة " إبراهيم " على المنبر حتى ختمها.
وروى ابن عساكر عن الحسن، أنه كان يقرأ كل ليلة سورة " الكهف " في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام، وهو في الفراش، رضي الله عنه.
** [ذكر أيام معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه وملكه] **
قد تقدم في الحديث أن الخلافة بعده، عليه الصلاة والسلام، ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وقد انقضت الثلاثون سنة بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام وخيارهم.
قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا الفضيل بن عياض عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل» ". إسناده جيد.
وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا «قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: " يا معاوية، إن ملكت فأحسن» ". رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس بن محمد، عن
محمد بن سابق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسماعيل.
ثم قال البيهقي: وله شواهد من وجوه أخر، منها حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، عن جده سعيد «أن معاوية أخذ الإداوة فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه فقال له: " يا معاوية، إن وليت أمرا فاتق الله واعدل ". قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلى بعمل ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
ومنها حديث راشد بن سعد، عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم ". قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفعه الله بها» .
ثم روى البيهقي، من طريق هشيم، عن العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الخلافة بالمدينة، والملك بالشام» ". غريب جدا.
وروى من طريق أبي إدريس، عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» ". وقد رواه سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس ويونس بن ميسرة،
عن عبد الله بن عمرو. ورواه الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبى أمامة.
وروى يعقوب بن سفيان عن نصر بن محمد بن سليمان السلمي الحمصي، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام» ".
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام. فقال له علي: لا تسب أهل الشام جما غفيرا ; فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا.
** [فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه] **
هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو عبد الرحمن القرشي الأموي، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روي عن معاوية أنه قال أسلمت يوم عمرة القضاء، ولكن كتمت إسلامي من أبي وأمي إلى يوم الفتح. وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله، مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: " نعم ". قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: " نعم ". ثم سأل أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته الأخرى، وهي عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يحل له. وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، وأفردنا له مصنفا على حدة، ولله الحمد والمنة.
والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيره من كتاب الوحي، رضي الله عنهم، ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد
بن أبي سفيان وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق، وسكنها أربعين سنة. قاله الحافظ بن عساكر. ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه، ممن باشر قتل عثمان، أن يعزل معاوية عن الشام، ويولي عليها سهل بن حنيف، فعزله فلم ينتظم له عزله، والتف على معاوية جماعة من أهل الشام ومانع عليا عنها، وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان، فإنه قتل مظلوما، وقد قال الله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] .
وروى الطبراني عن ابن عباس، أنه قال: ما زلت موقنا أن معاوية سيلي الملك والسلطان من هذه الآية. وقد أوردنا سنده ومتنه عند تفسير هذه الآية. فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من أمر صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص وأبي موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصورة الظاهرة، واستفحل أمر معاوية جدا، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام، فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان، سعى الناس بينهما
في الصلح، فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة، وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس، واستوسقت له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وسمي هذا العام عام الجماعة ; لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولي معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. ويقال: إنه أول من اتخذ الحرس، وأول من حزم الكتب وختمها. وكان أول الأحداث في دولته، رضي الله عنه
** [خروج طائفة من الخوارج عليه] **
وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج نحو من خمسمائة: جاء ما لا يشك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام، فطردوا الشاميين، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم. فخرجوا إلى الخوارج، فقالت لهم الخوارج: ويلكم، ما تبغون؟ أليس معاوية عدوكم
وعدونا؟ فدعونا حتى نقاتله، فإن أصبناه كنا قد كفيناكموه، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم. فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهر كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة. فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له المغيرة بن شعبة: أتوليه الكوفة وأبوه بمصر وتبقى أنت بين لحيي الأسد؟ ! فثناه عن ذلك، وولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية، فقال: أتجعل المغيرة على الخراج، هلا وليت الخراج رجلا آخر. فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو؟ قال: بلى. قال: فهذه بتلك.
وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها، فبعث معاوية إليه جيشا ليقتلوه ومن معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية، فسأله في الصفح عنهم والعفو، فعفا عنهم وأطلقهم، وولى على البصرة بسر بن أبي أرطاة، فتسلط على أولاد زياد يريد قتلهم ; وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فتلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين، وإلا قتلت بنيك. فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك، فأخذ له أمانا منه، وقد قال معاوية لأبى بكرة: هل من عهد تعهده إلينا؟ قال: نعم، أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا، فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة الله في خلقه، فاتق الله، فإن لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك طالب
حثيث، وأوشك أن تبلغ المدى، فيلحق الطالب، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله شيئا.
ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد الله بن عامر، وذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبي سفيان، فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا وودائع، وإن لم تولنيها هلكت. فولاه إياها وأجابه إلى سؤاله في ذلك.
قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان وقال الواقدي: إنما حج بهم عنبسة بن أبي سفيان. فالله أعلم.
** [ومن أعيان من توفي في هذا العام] **
### $ رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان: شهد العقبة وبدرا وما بعدها. ### $ ركانة بن عبد العزيز بن هاشم بن المطلب القرشي، وهو الذي صارعه النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه، وكان ركانة من أشد الناس، وكان صرع رسول الله صلى الله عليه وسلم له من المعجزات، كما قدمنا في دلائل النبوة. أسلم عام الفتح، وقيل: قبل ذلك
بمكة لما صرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعلم. ### $ صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة، أبو وهب القرشي، أحد الرؤساء، تقدم أنه هرب يوم الفتح، ثم جاء فأسلم وحسن إسلامه، وكان الذي استأمن له عمير بن وهب الجمحي وكان صاحبه وصديقه في الجاهلية كما تقدم، وقدم به في وقت صلاة العصر، فاستأمن له، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر، واستعار منه أدرعا وسلاحا ومالا، وحضر صفوان حنينا مشركا، ثم أسلم ودخل الإيمان قلبه، فكان من سادات المسلمين، كما كان من سادات الجاهلية. قال الواقدي: ثم لم يزل صفوان مقيما بمكة حتى توفي بها في أول خلافة معاوية. ### $ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدري الحجبي، أسلم هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح. وقد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه. وهو الذي أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة عام الفتح، ثم رده إليه وهو يتلو قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . وقال له:
" «خذها يا عثمان خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» ". وكان علي قد طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، فمنعه ذلك.
قال الواقدي: نزل المدينة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات نزل بمكة، فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية. ### $ عمرو بن الأسود العنسي: كان من العباد الزهاد، وكانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل، وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء، روى عن معاذ، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية وغيرهم.
وقال أحمد في " الزهد ": ثنا أبو اليمان، ثنا أبو بكر، عن حكيم بن عمير وضمرة بن حبيب قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود. ### $$ عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى: وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، أسلمت وهاجرت، وكانت من حسان النساء وعبادهن، تزوجها عبد الله بن أبي بكر فتتيم بها، فلما قتل عنها في غزوة الطائف آلت أن لا تتزوج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوجها، فلما
قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل عنها بوادي السباع، فبعث إليها علي بن أبى طالب يخطبها فقالت له: إني أخشى عليك أن تقتل. فأبت أن تتزوجه، ولو تزوجته لقتل عنها أيضا، ثم لم تزل بلا زوج حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة، رحمها الله.