John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبع وستين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 130 of 840

** [مقتل عبيد الله بن زياد] **

ثم دخلت سنة سبع وستين

ففيها كان مقتل عبيد الله بن زياد على يدي إبراهيم بن الأشتر النخعي ; وذلك أن إبراهيم بن الأشتر خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية، ثم استهلت هذه السنة وهو سائر لقصد ابن زياد في أرض الموصل فكان اجتماعهما بمكان يقال له: الخازر بينه وبين الموصل خمسة فراسخ، فبات ابن الأشتر تلك الليلة ساهرا لا يغتمض بنوم، فلما كان قريب الصبح نهض فعبأ جيشه وكتب كتائبه، وصلى بأصحابه الفجر في أول وقت، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد وزحف بجيشه رويدا وهو ماش في الرجالة حتى أشرف من فوق تل على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فلما رأوهم نهضوا إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين، فركب ابن الأشتر فرسه وجعل يقف على رايات القبائل فيحرضهم على قتال ابن زياد ويقول: هذا قاتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم الله به وأمكنكم الله منه اليوم، فعليكم به، فإنه قد فعل في ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل! هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده أو يأتي يزيد بن

معاوية حتى قتله! ويحكم، اشفوا صدوركم منه، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه، هذا الذي فعل في آل نبيكم ما فعل، قد جاءكم الله به. ثم أكثر من هذا القول وأمثاله، ثم نزل تحت رايته.

وأقبل ابن زياد في جيش كثيف قد جعل على ميمنته حصين بن نمير وعلى الميسرة عمير بن الحباب السلمي، وكان قد اجتمع بابن الأشتر ووعده أنه معه وأنه سينهزم بالناس غدا وعلى خيل ابن زياد شرحبيل بن ذي الكلاع، وابن زياد في الرجالة يمشي معهم، فما كان إلا أن تواقف الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل العراق فهزمها، وقتل أميرها علي بن مالك الجشمي فأخذ رايته من بعده ولده قرة بن علي فقتل أيضا، واستمرت الميسرة ذاهبة فجعل ابن الأشتر يناديهم: إلي يا شرطة الله، أنا ابن الأشتر. وقد كشف عن رأسه ليعرفوه فالتاثوا به وانعطفوا عليه، واجتمعوا إليه، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة أهل الشام وقيل: بل انهزمت ميسرة أهل الشام وانحازت إلى ابن الأشتر، ثم حمل ابن الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته: ادخل برايتك فيهم. وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالا عظيما، وكان لا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعه، وكثرت القتلى بينهم وقيل: إن

ميسرة أهل الشام ثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا بالرماح ثم بالسيوف، ثم أردف الحملة ابن الأشتر، فانهزم جيش الشام بين يديه، فجعل يقتلهم كما تقتل الحملان، وأتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان، وثبت عبيد الله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله، وهو لا يعرفه، لكن قال لأصحابه: التمسوا في القتلى رجلا ضربته بالسيف فنفحني منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد وإذا هو قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام. وقتل من رءوس أهل الشام أيضا حصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل، واحتازوا ما كان في معسكرهم من الأموال والخيول.

وقد كان المختار بشر أصحابه بالنصر قبل أن يجيء الخبر فما ندري أكان ذلك تفاؤلا منه أو اتفاقا وقع له أو كهانة - وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحي إليه بذلك فلا، فإن من اعتقد ذلك كفر، ومن أقرهم على ذلك كفر - لكن قال: إن الوقعة كانت بنصيبين. فأخطأ مكانها، فإنها إنما كانت بأرض الموصل، وهذا مما انتقده عامر الشعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر بالفتح، وقد خرج المختار من الكوفة ليتلقى البشارة، فأتى المدائن فصعد

منبرها، فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك. قال الشعبي: فقال لي بعض أصحابه: أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا؟ فقلت له: إنه زعم أن الوقعة كانت بنصيبين من أرض الجزيرة وإنما قال البشير: إنهم كانوا بالخازر من أرض الموصل. فقال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم.

ثم رجع المختار إلى الكوفة وفى غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبانة السبيع والكناسة من الخروج إلى البصرة ; ليجتمعوا بمصعب بن الزبير، وكان منهم شبث بن ربعي، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة ورأس عبيد الله إلى المختار، واستقل هو في تلك البلاد فبعث أخاه لأمه عبد الرحمن بن عبد الله على نيابة نصيبين، وبعث عمالا إلى الموصل، وأخذ سنجار ودارا وما والاها من الجزيرة.

وقال أبو أحمد الحاكم: كان مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين والصواب سنة سبع وستين.

وقد قال سراقة بن مرداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن زياد:

أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جريء على الأعداء غير نكول

فيا ابن زياد بؤ بأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل

ضربناك بالعضب الحسام بحده ... إذا ما أبأنا قاتلا بقتيل

جزى الله خيرا شرطة الله إنهم ... شفوا من عبيد الله أمس غليلي

** [ترجمة ابن زياد] **

وهذه ترجمة ابن زياد

هو عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سمية. أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له: عبيد الله ابن مرجانة - وهي أمه. وقال غيره: وكانت مجوسية. وكنيته أبو حفص وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند

الديماس تعرف بعده بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبي.

قال ابن عساكر: وروى الحديث عن معاوية، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري، وأبو المليح بن أسامة، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قتل الحسين كان عمره ثمانيا وعشرين سنة. قلت: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين. والله أعلم.

وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد أن أوفد إلي ابنك. فلما قدم عليه لم يسأله معاوية عن شيء إلا نفذ منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئا، فقال له ما منعك من تعلم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام الرحمن كلام الشيطان. فقال: اغرب، فوالله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول:

أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وإعطائي على الإعدام مالي ... وإقدامي على البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تعذري أو تستريحي

لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن أنف صحيح

ثم كتب إلى أبيه: أن روه من الشعر، فرواه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء.

ومن شعره بعد ذلك:

سيعلم مروان ابن نسوة أنني ... إذا التقت الخيلان أطعنها شزرا

وإني إذا حل الضيوف ولم أجد ... سوى فرسي أوسعته لهم نحرا

وقد سأل معاوية يوما أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف ولكنه يلحن. فقال: أوليس اللحن أظرف له؟ قال ابن قتيبة وغيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز. وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر:

منطق رائع وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا

وقيل: إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنا وهو ضد الإعراب. وقيل: أرادوا اللحن الذي هو ضد الصواب. وهو الأشبه، والله أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتغنى في كلامه ويفخمه، ويتشدق فيه، وقيل: أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم ; فإن أمه مرجانة كانت سرية، وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم ; يزدجرد أو غيره. قالوا: وكان في كلامه شيء من كلام العجم ; قال يوما لبعض الخوارج: أهروري أنت؟ يعني: أحروري أنت؟ وقال يوما: من كاتلنا كاتلناه. أي: من قاتلنا قاتلناه، وقول معاوية: ذاك أظرف له؛ أي أجود له حيث نزع إلى أخواله، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم.

ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولى معاوية على البصرة سمرة بن جندب سنة ونصفا ثم عزله وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله وولى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، وجعل باب القصر الأبيض الذي كان لكسرى عليها، وبنى الحمراء وهي على سكة المربد، فكان يشتو في الحمراء ويصيف في البيضاء.

قالوا: وجاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح الله الأمير، إن امرأتي ماتت،

وإني أريد أن أتزوج أمها. فقال له: كم عطاؤك في الديوان؟ فقال: سبعمائة، فقال: يا غلام، حطه من عطائه أربعمائة. ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمائة!

قالوا: وتخاصمت أم الفجيع وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيع: أصلح الله الأمير، إن خير شطري الرجل آخره، وإن شر شطري المرأة آخرها. فقال له: وكيف ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله، واستحكم رأيه، وذهب جهله، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها، وقل عقلها، وعقم رحمها، واحتد لسانها. فقال: صدقت خذ بيدها وانصرف.

وقال يحيى بن معين: أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت، فقال: عسى أن يكون خيرا. فقال أهله: كيف يكون هذا خيرا؟ فبلغ ذلك ابن زياد، فأمر له بألفين آخرين، ثم وجد الألفين فصارت أربعة آلاف، فكان خيرا.

وقيل: لهند بنت أسماء بن خارجة - وكانت قد تزوجت بعدة أزواج من نواب العراق -: من أعز أزواجك عندك وأكرمهم عليك؟ فقالت: ما أكرم النساء إكرام بشر بن مروان ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف،

ووددت أن القيامة قد قامت، فأرى عبيد الله بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه. وكان أبا عذرها وقد تزوجت بالآخرين أيضا.

وقال عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: أول من جهر بالمعوذتين في المكتوبة ابن زياد. قلت: يعني - والله أعلم - في الكوفة، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وكان فقهاء الكوفة عن كبراء أصحاب ابن مسعود يأخذون. والله أعلم.

وقد كانت في ابن زياد جرأة وإقدام ومبادرة إلى ما لا يجوز، وما لا حاجة له به. ثبت في الحديث الذي رواه أبو يعلى، ومسلم، كلاهما عن شيبان بن فروخ، عن جرير، عن الحسن، أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم» . فقال له: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم. فقال: وهل كان فيهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. وقد روى غير واحد، عن الحسن أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال: إني محدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى عليه وسلم

أنه قال «ما من رجل استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة» . وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد الله بن زياد ولم يشهد دفنه، واعتذر بما ليس يجدي شيئا، وركب إلى قصره.

ومن جراءته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون ذلك. وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد، أو إلى مكة، أو إلى أحد الثغور، فلما أشار عليه شمر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها، فوافق شمرا على ما أشار به من إحضاره بين يديه، فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضي فيه بما يراه ابن مرجانة، وقد تعس وخاب وخسر، فليس لابن بنت رسول الله صلى عليه وسلم أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث.

وقد قال محمد بن سعد: أنا الفضل بن دكين، ومالك بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قتل الحسين، قال: فاضطرم في وجهه نارا - أو كلمة نحوها - فقال بكمه هكذا على وجهه، وقال: لا تحدثن بهذا أحدا.

وقال شريك، عن مغيرة قال: قالت مرجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث، قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ترى الجنة أبدا.

وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد الله حتى يجتمع الناس على إمام، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان، وحسن له أن يتولى الخلافة ويدعو إلى نفسه، ففعل ذلك، فكان من أمره ما تقدم مع الضحاك بن قيس. ثم سيره مروان في جيش إلى العراق، فالتقى بعين الوردة مع سليمان بن صرد ومن كان معه من الجيش الذين يسمونه جيش التوابين فكسرهم، واستمر قاصدا الكوفة في ذلك الجيش، فتعوق في الطريق بسبب من كان يمانعه في أرض الجزيرة من الأعداء ممن بايع لابن الزبير، ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك، ولكن ظفر به ابن الأشتر، فقتله شر قتلة، على شاطئ نهر الخازر قريبا من الموصل بخمس مراحل.

قال أبو أحمد الحاكم: وكان ذلك يوم عاشوراء. قلت: وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين.

ثم بعث ابن الأشتر برأسه إلى المختار ومعه رأس حصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم، فسر بذلك المختار.

وقال يعقوب بن سفيان: حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن

يزيد بن أبي زياد قال: لما جيء برأس ابن مرجانة وأصحابه، طرحت بين يدي المختار، فجاءت حية دقيقة تخللت الرءوس حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فمه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه من بين الرءوس، ورواه الترمذي من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، قال: لما جيء برأس عبيد الله وأصحابه نضدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت. فإذا حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت. ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.

وقال أبو سليمان بن زبر: وفي سنة ست وستين قالوا: فيها قتل عبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير، ولي قتلهما إبراهيم بن الأشتر، وبعث برءوسهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير، فنصبت بمكة والمدينة. وهكذا حكى ابن عساكر، عن أبي أحمد الحاكم وغيره، أن ذلك كان في سنة ست وستين - زاد أبو أحمد: في يوم عاشوراء - وسكت ابن عساكر عن ذلك، والمشهور أن

ذلك كان في سنة سبع وستين كما ذكره ابن جرير وغيره. ولكن بعث الرءوس إلى ابن الزبير في هذه السنة متعذر ; لأن العداوة كانت قد قويت وتحققت بين المختار، وابن الزبير في هذه السنة كما ذكرنا، وعما قليل أمر ابن الزبير أخاه مصعبا أن يسير من البصرة إلى الكوفة لحصار المختار وقتاله. والله أعلم.

** [مقتل المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب على يدي مصعب بن الزبير وأهل البصرة] **

كان عبد الله بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المعروف بالقباع، وولاها لأخيه مصعب بن الزبير ; ليكون ردءا وقرنا وكفؤا للمختار، فلما قدم مصعب البصرة دخلها متلثما فيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير. فلما كشف اللثام عرفه الناس فأقبلوا إليه، وجاء القباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيبا، فاستفتح (القصص) حتى بلغ {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] وأشار بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال:

{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} [القصص: 5] وأشار إلى الحجاز، وقال: يا أهل البصرة، إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار. فاجتمع عليه الناس وفرحوا به. ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة، ثم لما خرج المختار لتلقي ابن الأشتر حين بلغه أنه قتل ابن زياد، اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبته، فذهبوا إلى البصرة فرارا من المختار ; لقلة دينه وكفره ودعواه أنه يأتيه الوحي، وأنه قدم الموالي على الأشراف. واتفق أن ابن الأشتر حين قتل ابن زياد اشتغل بتلك النواحي، فأحرز بلادا وأقاليم ورساتيق لنفسه، واستهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على البريد إلى المهلب بن أبي صفرة، وهو نائبهم على خراسان، فقدم في تجمل عظيم ومال ورجال وعدد وعدد وجيش كثيف، ففرح به أهل البصرة وتقوى به مصعب، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة.

وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين، وجعل على ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبي صفرة، ورتب الأمراء

على راياتها وقبائلها كمالك بن مسمع، والأحنف بن قيس، وزياد بن عمر، وقيس بن الهيثم وغيرهم. وخرج المختار بعسكره فنزل المذار، وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشاكري، وعلى ميمنته عبد الله بن كامل، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب الجشمي، وعلى الخيل وزير بن عبد الله السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته. ثم خطب الناس وحثهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه وهو يبشرهم بالنصر. فلما انتهى مصعب إلى قريب الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية، فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثت المختارية إلا يسيرا حتى هربوا على حمية، وقد قتل منهم جماعة من الأمراء، وخلق من القراء، وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، ثم انتهت الهزيمة إلى المختار.

وقال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه، جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن المختار القصر واستعمل عليه عبد الله بن شداد، وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حروراء، فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، وإلى عبد القيس مالك

بن المنذر، وإلى العالية عبد الله بن جعدة، وإلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل ; فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب.

وتفرق عن المختار باقي أصحابه فقيل له: القصر القصر. فقال: والله ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه، ولكن هذا حكم الله. ثم سار إلى القصر فدخله، وجاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، واقتسموا المحال، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر. ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إن الحصار لا يزيدنا إلا ضعفا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراما. فوهنوا، فقال: أما أنا فوالله لا أعطي بيدي. ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج، فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا.

وقيل: بل أشار عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه، حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم،

وضيق عليهم المسالك والمقاصد وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويته في الأمر الذي قد حل به، واستشار من عنده من الموالي والعبيد ولسان القدر والشرع يناديه {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} [سبأ: 49] ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه على أن أخرجته من بين أظهر من كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبا، وشجاعة وكلبا، وهو مع ذلك لا يجد مناصا ولا مفرا ولا مهربا، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر. ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر. ولما خرج من القصر قال لأصحاب مصعب: أتؤمنوني؟ قالوا: لا، إلا على حكم الأمير. فقال: إلا حكم نفسي أبدا. ثم قاتل قتالا شديدا، وتقدم إليه رجلان شقيقان أخوان، وهما طرفة، وطراف ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة، فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير، وقد دخل قصر الإمارة، فوضع بين يديه كما وضع رأس ابن زياد بين يدي المختار، وكما وضع

رأس الحسين بين يدي ابن زياد - وكما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان - فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفا.

وقد قتل مصعب جماعة من المختارية وأسر منهم خمسمائة أسير، فضربت أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس.

وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له: هي كف المختار، فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك ; لأن المختار كان من قبيلة الحجاج - فالمختار هو الكذاب والمبير الحجاج - ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه شهورا.

وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه؟ فتركها واستدعى بزوجته الأخرى، وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها ما تقولين فيه؟ فقالت: رحمه الله، لقد كان عبدا من عباد الله الصالحين. فسجنها وكتب إلى أخيه: إنها تقول إنه نبي. فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها. فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول

قتلت هكذا على غير جرم ... إن لله درها من قتيل

كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول

وقال أبو مخنف: حدثني محمد بن يوسف أن مصعبا لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب فسلم عليه، فقال ابن عمر من أنت؟ فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير. فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة؟ عش ما استطعت! فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة. فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا.

** وهذه ترجمة المختار بن أبي عبيد الكذاب **

هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما ذكره ابن الأثير في الغابة،

وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدا، وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين - كما قدمنا - وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة، فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات، وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان عبد الله لها مكرما ومحبا وماتت في حياته. وأما أخوها المختار هذا فإنه كان أولا ناصبيا يبغض عليا بغضا شديدا، وكان عند عمه بالمدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن علي يوم خذله أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه علي، فلما أحس الحسن منهم بالغدر، فر منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده بذلك اليد البيضاء أبدا. فقال له عمه: بئس ما تأمرني به يابن أخي.

فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بالكوفة ما كان، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعدما ضربه مائة جلدة، فأرسل ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد فأطلقه وسيره إلى

الحجاز في عباءة، فضوى إلى ابن الزبير بمكة، فقاتل معه حين حصره أهل الشام قتالا شديدا، ثم بلغ المختار ما أهل العراق فيه من التخبيط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال: إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها.

وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد ابن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع وإظهار الأخذ بثأر الحسين، وبسبب ذلك التفت عليه جماعات كثيرة من الشيعة حتى قاوم نواب ابن الزبير على الكوفة، وأخرج عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير ; لأنه كان يدعو له على المنبر يوم الجمعة على رءوس الناس، ويظهر طاعته.

ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وظفر برءوس كبار منهم كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين، وشمر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين ولوا قتل الحسين، وسنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي، وخلقا غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر النخعي في عشرين ألفا

إلى ابن زياد، وهو في جيش أعظم من جيش المختار بأضعاف، كانوا ستين ألفا، وقيل: ثمانين ألفا، فقتل ابن الأشتر بن زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره، - واتفق ذلك في يوم عاشوراء سنة سبع وستين -، ثم بعث برأس ابن زياد ورءوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحا شديدا. ثم إن المختار بعث برأس عبيد الله بن زياد ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة فأمر ابن الزبير بها فنصبت على عقبة الحجون، وقد كانوا نصبوها بالمدينة.

وطابت نفس المختار بالملك وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، ثم إن ابن الزبير تبين خداعه ومكره وسوء مذهبه، فبعث أخاه مصعبا أميرا على العراق، فسار إلى البصرة فاجتمع إليه أهلها، ووفد إليه جماعات من الكوفة فلم يتم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فحاصره بالكوفة، وضيق عليه، وما زال حتى أمكن الله منه، فقتله واحتز رأسه، وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد إلى أخيه عبد الله بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد الله يتنفل، فما زال يصلي حتى أسحر، ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين، معي الرأس. فقال: ألقه على باب

المسجد. فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين. فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق.

ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقا، بل كان كاذبا وكاهنا، وكان يزعم أن الوحي ينزل عليه على يد جبريل يأتي إليه.

قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا عيسى القارئ أبو عمر بن عمر، حدثنا السدي، عن رفاعة القتباني قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه. قال: فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله، فأنا من القاتل بريء»

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حماد بن سلمة، حدثني عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد، قال: كنت أقوم على رأس المختار، فلما عرفت كذبه هممت أن أسل سيفي فأضرب عنقه، فذكرت حديثا حدثناه عمر بن الحمق قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء غدر يوم القيامة» ورواه النسائي، وابن ماجه

من غير وجه، عن عبد الملك بن عمير به. وفي لفظ لهما: «من أمن رجلا على دم فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا» وفي سند هذا الحديث اختلاف. وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه. فقال: صدق، قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كان يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج فحدث الناس. قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: 3] . وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم وذاك، إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني. وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه.

وروى الطبراني، من طريق أنيسة بنت زيد بن أرقم، أن أباها دخل

على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو سبقت رأيت جبريل وميكائيل. فقال له زيد: حقرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، ثنا ابن عوف، عن أبي الصديق الناجي، أن الحجاج بن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق، بعدما قتل ابنها عبد الله بن الزبير، فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل، فقالت: كذبت، كان برا بالوالدين، صواما قواما، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير» . هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ.

وقد أخرجه مسلم في " صحيحه " في كتاب الفضائل، عن عقبة بن مكرم العمي البصري، عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل عن أبي عقرب - واسمه معاوية بن مسلم - عن

أسماء بنت أبي بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن في ثقيف كذابا ومبيرا» . وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد الله بن الزبير في سنة ثلاث وسبعين، كما سيأتي. وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في دلائل النبوة.

وذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، ويسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدعي النبوة أم لا؟ وكان قد وضع له كرسي يعظم، ويحف بالرجال ويستر بالحرير، ويحمل على البغال، وكان يضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شك أنه كان ضالا مضلا، أراح الله المسلمين منه بعدما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] . وأما المبير فهو القتال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، نائب العراق لعبد الملك بن مروان، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبا.

وذكر الواقدي أن المختار لم يزل مظهرا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين، وأظهر مخالفته، فسار إليه مصعب فقاتله، وكان المختار في نحو من عشرين ألفا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار،

وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكذب. فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة، فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في رابع عشر رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل.

** [فصل استقرار الأمر لمصعب بن الزبير بالكوفة] **

ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، وبعث عبد الملك بن مروان ليقدم عليه، فحار ابن الأشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه واحترمه كثيرا، وبعث مصعب المهلب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية - وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد الله بن عبد الله بن معمر - وأقام هو بالكوفة. ثم لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد الله بن الزبير عن البصرة وولى عليها ابنه حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان شجاعا جوادا مخلطا، يعطي أحيانا حتى لا يدع شيئا، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، وظهرت خفته وطيش في عقله وسرعة في أمره، فبعث الأحنف إلى عبد الله بن الزبير فعزله وأعاد إلى ولايتها أخاه مصعبا مضافا إلى ما بيده من ولاية الكوفة، قالوا: وخرج حمزة بن عبد الله بن الزبير من البصرة بمال كثير من بيت مالها فعرض له مالك بن مسمع، فقال: لا ندعك تذهب بأعطياتنا. فضمن له

عبيد الله بن عبد الله بن معمر العطاء، فكف عنه، فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة بل عدل إلى المدينة، فأودع ذلك المال رجالا، فكلهم غل ما أودعه وجحده، سوى رجل من أهل الكتاب، فأدى إليه أمانته، فلما بلغ أباه ما صنع، قال: أبعده الله، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص.

وذكر أبو مخنف أن حمزة بن عبد الله بن الزبير ولي البصرة سنة كاملة، فالله أعلم.

قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله على الكوفة أخاه مصعبا، وعلى البصرة ابنه حمزة، وقيل: بل كان رجع إليها أخوه. وعلى خراسان وتلك البلاد عبد الله بن خازم السلمي من جهة ابن الزبير. والله سبحانه أعلم.

وممن توفي فيها من الأعيان: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأبو الجهم، وهو صاحب الأنبجانية المذكورة في الحديث الصحيح وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com