Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 135 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
ففيها كانت وقعة عظيمة بين المهلب بن أبي صفرة وبين الأزارقة من الخوارج بمكان يقال له: سولاف، مكثوا نحوا من ثمانية أشهر متواقفين، وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير، وقتل في أثناء ذلك من هذه المدة مصعب بن الزبير، وبايع الناس عبد الملك بن مروان، وأمر عبد الملك المهلب بن أبي صفرة على الأهواز وما معها، وشكر سعيه، وأثنى عليه ثناء كثيرا، ثم تواقع الناس في دولة عبد الملك بالأهواز، فكسر الناس الخوارج كسرة عظيمة، وهربوا في البلاد لا يلوون بل يولولون، واتبعهم خالد بن عبد الله أمير الناس، وداود بن قحذم ليطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف، عليهم عتاب بن ورقاء، فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدا عظيما، وماتت
خيولهم، ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلى أهليهم.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة كان خروج أبي فديك الحارثي، وهو من بني قيس بن ثعلبة، وغلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحارثي، فبعث إليه خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله في جيش كثيف، فهزمهم أبو فديك، وأخذ جارية لأمية، واصطفاها لنفسه، وكتب خالد بن عبد الله أمير البصرة إلى عبد الملك يعلمه بما وقع، واجتمع على خالد حرب أبي فديك وحرب الأزارقة أصحاب قطري بن الفجاءة بالأهواز.
قال ابن جرير: وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الله بن الزبير ; ليحاصره بمكة، قال: وكان السبب في بعثه له دون غيره أن عبد الملك بن مروان لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتله مصعبا وأخذه العراق، ندب الناس إلى قتال عبد الله بن الزبير بمكة، فلم يجبه أحد إلى ذلك، فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين، أنا له. وقص الحجاج على عبد الملك مناما زعم أنه رآه ; قال: رأيت يا أمير المؤمنين كأني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعث بي إليه فإني قاتله. فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، وكتب معه أمانا لأهل مكة إن هم أطاعوا.
قالوا: فخرج الحجاج في جمادى من هذه السنة ومعه ألفا فارس من أهل الشام، فسلك طريق العراق، ولم يعرض للمدينة حتى نزل الطائف، وجعل يبعث البعوث إلى عرفة، ويرسل ابن الزبير الخيول فيلتقيان، فتهزم خيل ابن الزبير، وتظفر خيل الحجاج، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم، ومحاصرة ابن الزبير ; فإنه قد كلت شوكته، وتفرق عنه عامة أصحابه، وسأله أن يمده برجال أيضا، فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه بالحجاج، وكان طارق يتولى المدينة لعبد الملك، وكان قد أمره عبد الملك أن يكون مقيما بوادي القرى بمن معه من جيش المدينة وغيرها، وكان في نحو خمسة آلاف، من الشام منهم ثلاثة آلاف، وارتحل الحجاج من الطائف، فنزل بئر ميمون، وحصر ابن الزبير بالمسجد، فلما دخل ذو الحجة حج بالناس الحجاج في هذه السنة، وعليه وعلى أصحابه السلاح، وهم وقوف بعرفات، وكذا فيما بعدها من المشاعر، وابن الزبير محصور لم يتمكن من الحج هذه السنة، بل نحر بدنا يوم النحر، وهكذا لم يتمكن كثير ممن معه من الحج، وكذا لم يتمكن كثير ممن مع الحجاج وطارق بن عمرو أن يطوفوا بالبيت، فبقوا على إحرامهم لم يحصل لهم التحلل الثاني، والحجاج وأصحابه نزول بين الحجون وبئر ميمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم أمير خراسان يدعوه إلى بيعته، ويقطعه خراسان سبع سنين، فلما وصل إليه الكتاب قال للرسول: بعثك أبو الذبان؟ والله لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، ولكن كل كتابه. فأكله، وبعث عبد الملك إلى بكير بن وشاح نائب ابن خازم على مرو يعده بإمرة خراسان إن هو خلع عبد الله بن خازم، فخلعه، فجاءه ابن خازم فقاتله فقتل في المعركة عبد الله بن خازم، قتله رجل يقال له: وكيع بن عميرة، لكن كان قد ساعده غيره، فجلس وكيع على صدره وفيه رمق، فذهب لينوء فلم يتمكن من ذلك، وجعل وكيع يقول: يا ثارات دويلة - يعني أخاه - وكان دويلة قد قتله ابن خازم، ثم إن ابن خازم تنخم في وجه وكيع، قال وكيع: لم أر أحدا أكثر ريقا منه في تلك الحال. وكان أبو هبيرة إذا ذكر هذا يقول: هذه والله البسالة. وقال له ابن خازم: ويحك، أتقتلني بأخيك؟ لعنك الله، أتقتل كبش مضر بأخيك العلج وكان لا
يساوي كفا من تراب؟ أو قال: من نوى. قالوا: فاحتز رأسه، وأقبل بكير بن وشاح فأراد أخذ الرأس فمنعه منه بحير بن ورقاء، فضربه بكير بن وشاح بعمود وقيده، ثم أخذ الرأس، ثم بعثه إلى عبد الملك بن مروان، وكتب إليه بالنصر والظفر، ومقتل عبد الله بن خازم، فسر بذلك سرورا كثيرا، وكتب إلى بكير بن وشاح فأقره على نيابة خراسان.
وفي هذه السنة أخذت المدينة من نواب ابن الزبير، واستناب فيها عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو الذي كان بعثه مددا للحجاج على ابن الزبير.
** وهذه ترجمة ابن خازم **
هو عبد الله بن خازم بن أسماء السلمي، أبو صالح البصري، أمير خراسان، أحد الشجعان المذكورين، والفرسان المشكورين. قال شيخنا الحافظ أبو
الحجاج المزي في " تهذيبه ": يقال: له صحبة. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في العمامة السوداء، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي، لكن لم يسموه.
روى عنه سعد بن عثمان الرازي، وسعيد بن الأزرق. روى أبو بشر الدولابي أنه قتل في سنة إحدى وسبعين، وقيل: في سنة سبع وثمانين. وليس هذا القول بشيء. انتهى ما ذكره شيخنا في التهذيب.
وقد ذكره الحافظ أبو الحسن ابن الأثير في " الغابة في أسماء الصحابة "، فقال: عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور، أبو صالح السلمي، أمير خراسان، شجاع مشهور، وبطل مذكور، روى عنه سعيد بن الأزرق، وسعد بن عثمان، قيل: إن له صحبة، وفتح سرخس، وكان أميرا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأول ما وليها سنة أربع وستين، بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة، حتى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب " الكامل في التاريخ "، وقتل سنة إحدى وسبعين بخراسان، هكذا قال: إنه قتل سنة إحدى وسبعين. وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي،
وكذا رأيت في " التاريخ " لشيخنا أبي عبد الله الذهبي، والذي ذكره ابن جرير في سياق " تاريخه " أنه قتل سنة ثنتين وسبعين.
قال ابن جرير: وزعم بعضهم أنه إنما قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك بعث برأس ابن الزبير إلى ابن خازم، ويدعوه إلى طاعته وله خراسان عشر سنين، وأن ابن خازم لما رأى رأس ابن الزبير حلف لا يعطيه طاعة أبدا، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير - والله أعلم - وأطعم الكتاب للرسول الذي جاء به، وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك. وقال بعضهم: بل قطع يديه ورجليه، وضرب عنقه.
** [وممن توفي فيها من الأعيان] **
### $ الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، التميمي السعدي، أبو بحر البصري
ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب له، وإنما اسمه الضحاك، وقيل: صخر، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وجاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له.
وكان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا، عليم اللسان، وكان يضرب بحلمه المثل، وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان، قال عنه عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان. وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو بصري تابعي ثقة، وكان سيد قومه، وكان أعور أحنف الرجلين، دميما قصيرا كوسجا، له بيضة واحدة، احتبسه عمر سنة يختبره، ثم قال: هذا والله السيد. وقيل: إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه، قيل: ذهبت عينه بالجدري، وقيل: في فتح سمرقند. وقال يعقوب بن سفيان: كان الأحنف جوادا حليما، وكان رجلا صالحا، أدرك الجاهلية ثم أسلم، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا قليل الحديث، وكان كثير
الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح، وكان يضع إصبعه فيه، ثم يقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح، فكيف تصبر على نار جهنم؟ وقيل له: بأي شيء سودك قومك؟ قال: لو عاب الماء الناس ما شربته. وكان الأحنف لا يحسد، ولا يجهل، ولا يدفع الحق، وقال: إن من السؤدد الصبر على الذل، وكفى بالحلم ناصرا. وقال: ما نازعني أحد إلا أخذت من أمري إحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت. وقال: ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي، ولا سمعت كلمة تسوءني إلا طأطأت رأسي ; لما هو أعظم منها. وأغلظ له رجل في الكلام، فلما وصل إلى نادي قومه وقف، وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل ; لئلا يسمعك قومي فيؤذوك.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان كتب إليه يدعوه لنفسه، ويعده بولاية الشام، فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية الشام، والله وددت أن بيني وبينهم جبلا من نار. وكان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية، ولا يضره عزل، وإنه ليفر من الشرف وهو يتبعه.
وقال الحاكم: وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في
جيشه. وقيل: إنه مات سنة سبع وستين - وقيل غير ذلك - عن سبعين سنة. وقيل: عن أكثر من ذلك.
ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ما هو؟ فقال: الذل مع الصبر. وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: والله إني لأجد ما تجدون ولكني صبور. وقال: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد، وقال: أحي معروفك بإماتة ذكره. وقال: عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ ! وقال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما. وقال له رجل: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وأغلظ له رجل في الكلام، وقال: والله يا أحنف، لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا. فقال له: إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة. وكان يقول في دعائه: اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك.
وقد كان زياد بن أبيه يقربه ويعظمه ويدنيه، فلما مات زياد وولي ابنه عبيد الله لم يرفع به رأسا، فتأخرت عنده منزلته ; لقبح منظره، وصار يقدم عليه من هو دونه، فلما وفد برؤساء أهل العراق على معاوية، أدخلهم
عليه على مراتبهم عنده، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجله وعظمه، وأدناه وكرمه، وأجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شرع الحاضرون في الثناء على عبيد الله بن زياد، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم. فقال معاوية: اشهدوا علي أني قد عزلت عبيد الله عن العراق. ثم قال لهم: انظروا لكم نائبا عليكم. وأجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد الله، ولا طلبه أحد منهم، ولم يتكلم الأحنف في هذه الأيام في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك، وكثر اللغط وارتفعت الأصوات، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم. فقال له: إن كنت تريد أن تولي فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد الله فإنه رجل حازم، ولا يسد أحد منهم مسده، وإن كنت تريد غيره فأنت أعلم بنوابك. فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه وبينه: كيف جهلت مثل الأحنف؟ إنه عزلك وولاك وهو ساكت. فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد.
توفي الأحنف بالكوفة، وصلى عليه مصعب بن الزبير، ومشى في
جنازته. ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، وأنه أصلح بينهما بكلام، قال: فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل، وقماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للأحنف. والله سبحانه أعلم. ### $ البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري، الحارثي الأوسي
صحابي جليل، وأبوه أيضا صحابي، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين، وبعض الصحابة، وقيل: إنه مات بالكوفة في أيام مصعب على العراق. ### $ عبيدة السلماني القاضي
وهو عبيدة بن عمرو - ويقال: ابن قيس بن عمرو - السلماني، المرادي، أبو عمرو الكوفي، وسلمان بطن من مراد، أسلم عبيدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير، وحدث عنه جماعة من التابعين، وقال الشعبي: كان يوازي شريحا في القضاء. وقال ابن
نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عبيدة فيه، وانتهى إلى قوله. وقد أثنى عليه غير واحد، وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين، فالله أعلم.
وقد قيل: إن مصعب بن الزبير قتل في هذه السنة، فالله أعلم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: ### $ عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي، قارئ أهل مكة، له صحبة ورواية، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد وغيره. ### $ عطية بن بسر المازني
له صحبة ورواية، توفي بالمدينة. ### $ عبيد بن نضلة، أبو معاوية، الخزاعي الكوفي
مقرئ أهل الكوفة، مشهور بالخير والعبادة، توفي بالكوفة في هذه السنة. ### $ عبيد الله بن قيس الرقيات، القرشي العامري
أحد الشعراء، مدح
مصعب بن الزبير، وعبد الله بن جعفر. ### $ عبد الله بن همام، أبو عبد الرحمن الشاعر، السلولي
أحد الشعراء الفصحاء، مدح يزيد بن معاوية بعد أن هجاه بقوله:
شربنا الغيض حتى لو سقينا ... دماء بني أمية ما روينا
ولو جاءوا برملة أو بهند ... لبايعنا أمير المؤمنينا