Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 143 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
فيها كان السيل الجحاف بمكة ; لأنه حجف على كل شيء مر به، وحمل الحجاج من بطن مكة والجمال بما عليها، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه، وبلغ الماء إلى الحجون وغرق خلق كثير، وقيل: إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت، والله أعلم.
وحكى ابن جرير عن الواقدي أنه قال: كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون الجارف. فالله أعلم. والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين، كما تقدم.
وفيها قطع المهلب بن أبي صفرة نهر بلخ، وأقام بكش سنتين صابرا مصابرا للأعداء من الأتراك، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها، وقدم عليه في غبون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه، ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من حروب ابن الأشعث.
وفي هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما ; لقتال
رتبيل ملك الترك ; ليقتصوا منه ما كان من قتل جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية، فجهز أربعين ألفا من كل من المصرين عشرين ألفا، وأمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدا، حتى إنه كان يقول: ما رأيته قط إلا هممت بقتله.
ودخل ابن الأشعث يوما على الحجاج وعنده عامر الشعبي، فقال: انظر إلى مشيته، والله لقد هممت أن أضرب عنقه. فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث، فقال ابن الأشعث: وأنا والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء.
والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجيوش، وبذل فيهم العطاء، ثم اختلف رأيه فيمن يؤمر عليهم، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقدمه عليهم، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث، فقال للحجاج: إني أخاف أن تؤمره فلا يرى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات. فقال: ليس هو هنالك، هو لي أهيب، ومني أرهب أن يخالف أمري، أو يخرج عن طاعتي، فأمضاه عليهم، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل، فلما بلغ رتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية، وأنه كان لذلك كارها،
وأنهم ألجئوه إلى قتالهم، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه، وأن يبذل للمسلمين الخراج، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك، وصمم على دخول بلاده، وجمع رتبيل جنوده، وتهيأ له ولحربه، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدا أو مدينة، أو أخذ قلعة من بلاد رتبيل استعمل عليها نائبا من جهته، وجعل معه من يحفظها، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف، فاستحوذ على بلاد ومدن كثيرة من بلاد رتبيل، وغنم أموالا كثيرة جزيلة، وسبى خلقا كثيرة، ثم حبس الناس عن التوغل في بلاد رتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل، ثم يتقدموا في العام المقبل إلى أعدائهم، فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروهم في مدينتهم - مدينة العظماء - على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها، ثم يقتلون مقاتلتهم، وعزموا على ذلك، وكان هذا هو الرأي.
وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح، وما صنع الله لهم، وبهذا الرأي الذي رآه لهم، وقال بعضهم: كان الحجاج قد وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان مسلحة لأهلها ; ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى ذلك، فعصى هميان ومن معه، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث، فهزمه وأقام بمن معه.
ومات عبيد الله بن أبي بكرة، فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة، وجهز إلى ابن الأشعث جيشا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رتبيل، فكان من أمره معه ما تقدم.
قال الواقدي، وأبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان. وقال غيرهما: بل حج بهم سليمان بن عبد الملك. وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، وعلى المشرق بكماله الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: ### $ أسلم مولى عمر بن الخطاب:
وهو أبو زيد بن أسلم، أصله من سبي عين التمر، اشتراه عمر بمكة لما حج سنة إحدى عشرة، وتوفي وعمره مائة وأربع عشرة سنة، وروى عن عمر عدة أحاديث، وروى عن غيره من أصحابه أيضا، وله مناقب كثيرة، رحمه الله. ### $ جبير بن نفير بن مالك الحضرمي
له صحبة ورواية، وكان من علماء
أهل الشام، وكان مشهورا بالعبادة والعلم، توفي بالشام وعمره مائة وعشرون سنة، وقيل أكثر، وقيل أقل. ### $ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
ولد بأرض الحبشة وأمه أسماء بنت عميس وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وفاة، سكن المدينة، «ولما استشهد أبوه جعفر بمؤتة أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمهم فقال: ائتوني ببني أخي. فأتي بهم كأنهم أفرخ، فدعا بالحلاق فحلق رءوسهم، ثم قال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته فجاءت أمهم فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس لهم شيء، فقال: أنا لهم عوضا من أبيهم» . وقد «بايع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمرهما سبع سنين» ، وهذا لم يتفق لغيرهما.
وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس، يعطي الجزيل الكثير ويستقله، وقد تصدق مرة بألفي ألف، وأعطى مرة رجلا ستين ألفا، ومرة أعطى رجلا أربعة آلاف دينار، وقيل: إن رجلا جلب مرة سكرا إلى المدينة فكسد عليه، فلم يشتره أحد، فأمر ابن جعفر قيمه أن يشتريه، وأن يهبه للناس. وقيل: إن معاوية لما حج ونزل المدينة في دار مروان قال يوما لحاجبه: انظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانا - وعد جماعة - فخرج فلم ير
أحدا، فقيل له: هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون. فأتى معاوية فأخبره فقال: ما أنا إلا كأحدهم. ثم أخذ عصا فتوكأ عليها، ثم أتى باب ابن جعفر، فاستأذن عليه، ودخل فأجلسه في صدر فراشه، فقال له معاوية: أين غداؤك يا ابن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شيء فادع به. فقال معاوية: أطعمنا مخا. فقال: يا غلام هات مخا. فجاء بصحفة فأكل معاوية، ثم قال ابن جعفر لغلامه: هات مخا. فجاء بصحفة أخرى ملآنة مخا، إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات، فتعجب معاوية وقال: يا ابن جعفر ما يسعك إلا الكثير من العطاء. فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار. وكان ابن جعفر صديقا لمعاوية، وكان يفد عليه كل سنة فيعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مائة حاجة، ولما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيد به. فلما قدم ابن جعفر على يزيد قال له: كم كان أمير المؤمنين يعطيك كل سنة؟ قال: ألف ألف. فقال له: قد أضعفناها لك. وكان يعطيه ألفي ألف كل سنة، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي، ما قلتها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحد بعدك. فقال يزيد: ولا أعطاكها أحد قبلي، ولا يعطيكها أحد بعدي.
وقيل: إنه كان عند ابن جعفر جارية تغنيه تسمى عمارة، وكان يحبها محبة عظيمة، فحضر عنده يزيد بن معاوية يوما، فغنت الجارية، فلما سمعها يزيد
افتتن بها ولم يجسر على ابن جعفر أن يطلبها منه، خوفا أن يمنعه إياها، فلم يزل في نفس يزيد منها حتى مات أبوه معاوية، فبعث يزيد رجلا من أهل العراق، ودفع إليه تجارة، وأمره أن يتلطف في أمر هذه الجارية، فقدم الرجل المدينة، ونزل جوار ابن جعفر، وأهدى إليه هدايا وتحفا كثيرة، وأنس به، ولا زال حتى أخذ الجارية، وأتى بها يزيد، وكان الحسن البصري يذم عبد الله بن جعفر على سماعه الغناء واللهو، وشرائه المولدات، ويقول: أما يكفيه هذا الأمر القبيح الذي هو متلبس به من هذه الأشياء وغيرها؟ حتى زوج الحجاج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحجاج يقول: إنما تزوجتها لأذل بها آل أبي طالب. وقيل: إنه لم يصل إليها. وقد كتب عبد الملك إليه أن يطلقها فطلقها. أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثا ### $ . أبو إدريس الخولاني
اسمه عائذ الله بن عبد الله، له أحوال ومناقب، كان يقول: قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية. وقد تولى القضاء بدمشق، وقد ذكرنا ترجمته في كتابنا " التكميل ". ### $ معبد الجهني القدري
يقال: إنه معبد بن عبد الله بن عكيم راوي
حديث «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وقيل غير ذلك في نسبه. سمع الحديث من ابن عباس، وابن عمر، ومعاوية، وعمران بن حصين، وغيرهم، وشهد يوم التحكيم، وسأل أبا موسى في ذلك، ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك، فقال له: إيها يا تيس جهينة، ما أنت من أهل السر ولا العلانية، وإنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل. وهذا توسم فيه من عمرو بن العاص ; ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال: إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له: سوسن. وأخذ غيلان القدر من معبد.
وقد كانت لمعبد عبادة، وفيه زهادة، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه.
وقال الحسن البصري: إياكم ومعبدا ; فإنه ضال مضل. وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب، ثم قتله، وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق، ثم قتله. وقال
خليفة بن خياط: مات قبل التسعين. فالله أعلم.