Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 145 of 840
** [وقعة الزاوية بين ابن الأشعث والحجاج] **
ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية بين ابن الأشعث والحجاج في آخره، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم تواقعوا يوما آخر، فحمل سفيان بن الأبرد - أحد أمراء أهل الشام - على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، وقتل خلقا كثيرا من القراء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم، وخر الحجاج لله ساجدا بعدما كان جثا على ركبتيه، وسل شيئا من سيفه، وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول: ما كان أكرمه حين صبر نفسه للقتل.
وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث: أبو الطفيل بن عامر بن واثلة الليثي. ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه، ومن اتبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة، فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل الحجاج خمس ليال أشد القتال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البصرة، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل،
ودخل ابن الأشعث الكوفة، فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان، وتفاقم الأمر، وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك، واشتد الحال، وتفرقت الكلمة جدا، وعظم الخطب، واتسع الخرق.
قال الواقدي: لما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية، جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء - وكان عليهم جبلة بن زحر -: أيها الناس، ليس الفرار من أحد بأقبح منه منكم، فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال الشعبي: قاتلوهم على جورهم، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة. ثم حملت القراء - وهم العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة، فبدعوا فيهم، ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جبلة بن زحر صريعا، فهدهم ذلك، فناداهم جيش الحجاج: يا أعداء الله، قد قتلنا طاغيتكم. ثم حمل سفيان بن الأبرد - وهو على خيل الحجاج - على ميسرة ابن الأشعث - وعليها الأبرد بن قرة التميمي - فانهزموا، ولم يقاتلوا كثير قتال، فأنكر الناس منهم ذلك، وكان أمير ميسرة ابن الأشعث - الأبرد - شجاعا لا يفر، وظنوا أنه قد خامر، فنقضت الصفوف، وركب الناس
بعضهم بعضا، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة، فبايعه أهلها.
** [وقعة دير الجماجم] **
ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة. قاله الواقدي.
وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج إليه أهلها، فتلقوه، وحفوا به، ودخلوا بين يديه، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج، فلم يمكنهم من ذلك، فعدلوا إلى القصر، فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة أمر بالسلاليم فنصبت على قصر الإمارة، فأخذه، واستنزل مطر بن ناجية، وأراد قتله، فقال له: استبقني; فإني خير من فرسانك. فحبسه، ثم استدعاه فأطلقه وبايعه، واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة، وانضم إليه من جاء من أهل البصرة، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب، وأمر بالمسالح من كل جانب، وحفظت الثغور والطرق والمسالك.
ثم إن الحجاج ركب فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر، حتى مر بين القادسية والعذيب، وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصرين، فمنعوا الحجاج من نزول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم، ومعه جنود كثيرة، وفيهم القراء من المصرين، وخلق من
الصالحين، وكان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة، ونزل هو بدير الجماجم. وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل، ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، وقدم على الحجاج في غبون ذلك أمداد كثيرة من الشام، وخندق كل من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقا، يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا في كل يوم، حتى أصيب من رءوس الناس خلق من قريش وغيرهم، واستمر هذا الحال مدة طويلة، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان، فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان، وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومعهما جنود كثيرة جدا، وكتب معهما كتابا إلى أهل العراق يقول لهم: إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته، وأبقيت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرا ما عاش وعشت، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان. وقال في عهده هذا: فإن لم يجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه، وإليه إمرة الحرب، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره، لا يخرجون
عن رأيه في الحرب وغيره.
ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به، شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدا، وعظم شأن هذا الرأي عنده، وكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان فلما سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يفلح، كان الله لك فيما ارتأيت، والسلام عليك.
قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد، فنادى عبد الله: يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وإنه يعرض عليكم كيت وكيت، فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال. وقال محمد بن مروان: وأنا رسول أخي أمير المؤمنين إليكم بذلك. فقالوا: ننظر في أمرنا غدا، ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا، فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث، فقام فيهم خطيبا،
وندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم، وبيعة عبد الملك، وإبقاء الأعطيات، وإمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج. فنفر الناس من كل جانب، وقالوا: لا والله لا نقبل ذلك; نحن أكثر عددا وعددا، وهم في ضيق من الحال، وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب إلى ذلك أبدا. ثم جددوا خلع عبد الملك بن مروان ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم.
فلما بلغ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان الخبر قالا للحجاج: شأنك بهم إذا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين. فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة، ويسلم هو أيضا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها، كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى الخيل سفيان بن الأبرد، وعلى الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي، وعلى الميسرة الأبرد بن قرة التميمي، وعلى الخيالة عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان في القراء سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكميل بن زياد - وكان شجاعا فاتكا على
كبر سنه - وأبو البختري الطائي وغيرهم.
وجعلوا يقتتلون في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم، من العلف والطعام وغيره، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج ففي ضيق من العيش، وقلة من الطعام، وقد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها، حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم، أو يوم بعد يوم، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام، وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم، واستقتلوا، وكانوا من أصحاب ابن الأشعث.
** [وفاة المهلب بن أبي صفرة] **
### $ وفي هذه السنة كانت وفاة المهلب بن أبي صفرة
وهو المهلب بن أبي صفرة ظالم، أبو سعيد الأزدي، أحد أشراف أهل البصرة، ووجوههم ودهاتهم وأجوادهم وكرمائهم، ولد عام الفتح، وكانوا ينزلون فيما بين عمان والبحرين، وقد ارتد قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم، وبعث بهم إلى
الصديق، وفيهم أبو صفرة، وابنه المهلب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين، وولي الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين، ثم ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف وثمانمائة، فعظمت منزلته عند الحجاج. وكان فاضلا شجاعا كريما، يحب المدح، وله كلام حسن، فمنه: نعم الخصلة السخاء، تستر عورة الشريف، وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهود فيه. وقال: يعجبني في الرجل خصلتان: أن أرى عقله زائدا على لسانه، ولا أرى لسانه زائدا على عقله.
توفي المهلب غازيا بمرو الروذ، وعمره ستة وسبعون سنة رحمه الله، وكان له عشرة من الولد وهم: يزيد، وزياد، والمفضل، ومدرك، وحبيب، والمغيرة، وقبيصة، ومحمد، وهند، وفاطمة.
توفي المهلب في ذي الحجة منها، وكان من الشجعان، وله مواقف حميدة، وغزوات مشهورة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج، وجعل الأمر من بعده لولده يزيد بن المهلب على إمرة خراسان، فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان.
وفي جمادى الآخرة منها عزل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عن
إمرة المدينة أبان بن عثمان، وولى عليها هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما، وكان على إمرة بلاد المشرق بكماله الحجاج بن يوسف، والنواب في الأقاليم من تحت يده، وهو مشغول عن تدبير الممالك بحرب ابن الأشعث في هذه المدة كلها.
قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان الذي كان نائب المدينة. ### $ وفيها توفي أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي
كان جوادا ممدحا، حكي عنه أنه رأى يوما شابا على باب داره جالسا، فسأله عن قعوده على بابه، فقال: حاجة لا أستطيع ذكرها. فألح عليه، فقال: جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها، وقد خطفت قلبي معها، فأخذ بيده، وأدخله داره، وعرض عليه كل جارية عنده، حتى مرت تلك الجارية، فقال: هذه. فقال له: اخرج فاجلس على الباب مكانك. فخرج الشاب فجلس مكانه، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه، قد ألبسها أنواع الحلي، وقال له: ما منعني أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختي، وكانت ضنينة بها، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف، وألبستها هذا الحلي، فهي لك بما عليها، فأخذها الشاب وانصرف.
### $ المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة
كان جوادا ممدحا شجاعا، له مواقف مشهورة. ### $ الحارث بن عبد الله بن ربيعة المخزومي
المعروف بقباع، ولي إمرة البصرة لابن الزبير. ### $ محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة
كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم، توفي بالمدينة، ودفن بالبقيع. ### $ عبد الله بن أبي طلحة بن الأسود
والد الفقيه إسحاق، حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها، فأصبح أبو طلحة فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «أعرستم؟ بارك الله لكما في ليلتكما» ولما ولد حنكه بتمرات. ### $ عبد الله بن كعب بن مالك
كان قائد كعب حين عمي، له روايات، توفي بالمدينة هذه السنة.
### $ سفيان بن وهب أبو أيمن، الخولاني المصري
له صحبة ورواية، وغزا المغرب، وسكن مصر، وبها مات. ### $ جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن الحسن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أبو عمرو الشاعر
صاحب بثينة، كان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل فيها واشتهر بها، وكان أحد عشاق العرب، كانت إقامته بوادي القرى، وكان عفيفا صينا،
دينا شاعرا إسلاميا، من أفصح الشعراء في زمانه.
وكان كثير عزة راويته، وهو يروي عن هدبة بن خشرم، عن الحطيئة، عن زهير بن أبي سلمى، وابنه كعب. قال كثير عزة: كان جميل أشعر العرب، حيث يقول:
وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى ... إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا
ومنها قوله:
وما زلت بي يا بثن حتى لو انني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا
وما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول الليالي تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا
ومما أورده له القاضي ابن خلكان في الوفيات قوله:
إني لأحفظ غيبكم ويسرني ... لو تعلمين بصالح أن تذكري
إلى أن قال:
ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر
وقوله - وروي لعمر بن أبي ربيعة فيما نقله ابن عساكر -:
ما زلت أبغي الحي أتبع فلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج
فدنوت مختفيا ألم ببيتها ... حتى ولجت إلى خفي المولج
قالت وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج
فتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
قال كثير عزة: لقيني جميل بثينة، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند هذه الحبيبة. فقال: وإلى أين؟ فقلت: إلى هذه الحبيبة - يعني عزة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي; فإن لي من أول الصيف ما رأيتها، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى، وهي تغسل هي وأمها ثوبا، فتحادثنا إلى الغروب. قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم، فقال أبو بثينة: ما ردك يا ابن أخي؟ فقلت: أبيات قلتها، فرجعت لأعرضها عليك، فقال: وما هي؟ فأنشدته، وبثينة تسمع من وراء الحجاب:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولا والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
قال: فضربت بثينة جانب خدرها، وقالت: اخسأ، اخسأ. فقال أبوها: مهيم؟ فقالت: كلب يأتينا إذا نام الناس، من وراء الرابية. ثم قالت لجاريتها: ابغينا من الدومات حطبا ليشوى به لكثير شاة. فقلت: أنا أعجل من ذلك. وانطلقت إلى جميل، فقلت: موعدك الدومات. قال: فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الذي واعدته إليه، وجاء جميل، وكنت معهم، فما رأيت ليلة أعجب منها، ولا أحسن منادمات، وانفض ذلك المجلس وما أدري أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له: ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن قط، ولم يسرق، ولم يقتل النفس، وهو يشهد أن لا إله إلا الله. قال: أظنه قد نجا، وأرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا. فقلت: والله ما أظنك سلمت، وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت
وضعت يدي عليها بريبة. قال: فما برحنا حتى مات.
قلت: كانت وفاته بمصر; لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان، فأكرمه وسأله عن حبه بثينة، فقال: شديد، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده، فوعده أن يجمع بينه وبينها، فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين، رحمه الله آمين.
وقد ذكر الأصمعي، عن رجل، أن جميلا قال له: هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة، ولك ما عندي؟ قال: نعم. قال: إذا أنا مت فاركب ناقتي، والبس حلتي هذه. وأمره أن يقول أبياتا منها قوله:
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابك خليلا دون كل خليل
فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات، قال: فخرجت بثينة كأنها بدر بدا في دجنة، وهي تتثنى في مرطها، فقالت له: ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني. فقلت: بلى، والله صادق، وهذه حلته وناقته. فلما تحققت ذلك صاحت بأعلى صوتها، وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي إليها يبكين معها، ثم صعقت مغشيا عليها، ثم أفاقت، وهي تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ.
وروى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟ فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من الشعر لحكمة» . ### $ عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان، أبو حفص القرشي التميمي
أحد الأجواد، والأمراء الأمجاد، فتحت على يديه بلدان كثيرة، وكان نائبا لابن الزبير على البصرة، وقد فتح كابل مع عبد الله بن خازم، وهو الذي قتل قطري بن الفجاءة.
روى عن ابن عمر وجابر وغيرهما، وعنه عطاء بن أبي رباح، وابن عون. ووفد على عبد الملك، فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين، قاله المدائني.
وحكي أن رجلا اشترى جارية كانت تحسن القرآن والشعر وغيره، فأحبها حبا شديدا، وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس، ولم يبق له شيء سوى هذه الجارية، فقالت له الجارية: قد أرى ما بك من قلة الشيء، فلو بعتني وانتفعت بثمني صلح حالك، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمائة ألف درهم، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فأنشأت تخاطب مولاها الذي باعها:
هنيئا لك المال الذي قد أخذته ... ولم يبق في كفي إلا تفكري
أقول لنفسي وهي في كرب غشية ... أقلي فقد بان الخليط أو أكثري
إذا لم يكن في الأمر عندك حيلة ... ولم تجدي بدا من الصبر فاصبري
فأجابها سيدها، فقال:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري
أءوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التذكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فلما سمعهما ابن معمر قد شببت، قال: والله لا فرقت بين محبين أبدا.
ثم أعطاه المال - وهو مائة ألف - والجارية; لما رأى من توجعهما على فراق كل منهما صاحبه، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق.
توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، ومشى في جنازته، وحضر دفنه، وأثنى عليه بعد موته، وكان له من الولد طلحة، وهو من سادات قريش، تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار، فأولدها إبراهيم ورملة، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس على صداق مائة ألف دينار، رحمهم الله. ### $ كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم، النخعي الكوفي
روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة، وشهد مع علي صفين، وكان شجاعا فاتكا، وزاهدا عابدا، قتله الحجاج في هذه السنة، - وقد عاش مائة سنة - قتله صبرا بين يديه، وإنما نقم عليه; لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه، فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج: أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟ ثم أمر فضربت عنقه. قالوا:
وذكر الحجاج عليا في غبون ذلك فنال منه، وصلى عليه كميل، فقال له الحجاج: والله لأبعثن إليك من يبغض عليا أكثر مما تحبه أنت. فأرسل إليه ابن أدهم، وكان من أهل حمص، ويقال: أبا الجهم بن كنانة، فضرب عنقه.
وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين، وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله: القلوب أوعية، فخيرها أوعاها. وهو طويل، قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات، وفيه مواعظ وكلام حسن، رضي الله عن قائله. ### $ زاذان أبو عمرو الكندي
أحد التابعين، كان أولا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود، وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق، وخشية شديدة، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة.
وقال مرة: إني جائع. فنزل عليه من الروزنة رغيف مثل الرحا. وهو ثقة عند ابن معين وغيره. قال خليفة: توفي سنة ثنتين وثمانين.
قال خليفة: وفيها توفي زر بن حبيش، أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة،
وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة. وقال أبو عبيد: مات سنة إحدى وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة. ### $ وشقيق بن سلمة أبو وائل
أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ### $$ أم الدرداء الصغرى
اسمها هجيمة، ويقال: جهيمة، تابعية عابدة عالمة فقيهة، كان الرجال يقرءون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة، يشتغل عليها وهو خليفة، رضي الله عنها.