John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام] — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 15 of 840

ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف، وإنما عمدتهم شيئان؛ أحدهما أنه قال: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب} [الشعراء: 176] . ولم يقل: أخوهم كما قال: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} [هود: 84] . والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة، أو الصيحة. والجواب عن الأول أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} [الشعراء: 176] ؛ لأنه وصفهم بعبادة الأيكة فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم. وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة. وأما احتجاجهم بيوم الظلة، فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة، والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام،

عن هشام بن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «. إن مدين، وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام» . فإنه حديث غريب، وفي رجاله من تكلم فيه، والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم.

ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب، وذكر في كل موضع ما يناسب ذلك الخطاب.

وقوله: {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] . ذكروا أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله عليهم ترميهم بشرر وشهب من نار، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح وخربت الأشباح {فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} [الأعراف: 91] . ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين:

{ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} [هود: 94] . وقال تعالى: {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} [الأعراف: 90] . وهذا في مقابلة قولهم: {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} [الأعراف: 90] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين} [الأعراف: 93] . أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلاكهم قائلا: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} [الأعراف: 93] . أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه، وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك؛ لأن الله لا يهدي من يضل، وما لهم من ناصرين، فلست أتأسف بعد هذا عليكم لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة؛ ولهذا قال: {فكيف آسى} [الأعراف: 93] أي أحزن {على قوم كافرين} [الأعراف: 93] . أي لا تقبلون الحق، ولا ترجعون إليه، ولا تلتفتون إليه، فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع، ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص منه، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام. وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com