Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 156 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصونا كثيرة من بلاد الروم; منها حصن الحديد، وغزالة، وماسة، وغير ذلك، وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سبسطية، وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ خنجرة.
وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح، وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالا ورقيقا كثيرا على أن يقاتل أخاه، ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس، وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالا أو نساء أو صبيانا أو دواب أو غيره، فأقبل قتيبة نصره الله في الجيوش فسلم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشا، فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير، فدفع أخاه إليه وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته; قتل ألفا بين يديه، وألفا عن يمينه، وألفا عن شماله، وألفا من وراء ظهره; ليرهب بذلك الأعداء من الأتراك وغيرهم.
** [فتح سمرقند] **
وذلك أن قتيبة لما فرغ من هذا كله، وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء: إن أهل الصغد قد أمنوك عامك هذا، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوما من الدهر. فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لأحد؟ قال: لا. قال: فلئن يسمعه منك أحد أضرب عنقك، ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفا، فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السطوة من أبناء الملوك والأمراء، وأمروهم أن يسيروا إلى قتيبة في الليل، فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك، فجرد أخاه صالحا في ستمائة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، وقال: خذوا عليهم الطريق. فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق، وتفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم في الليل وهم لا يشعرون بأمرهم ثاروا عليهم، فاقتتلوا هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير، واحتزوا رءوسهم، وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلاة بالذهب والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك، أو بطلا من الأبطال المعدودين بمائة فارس، أو بألف فارس، فنفلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح.
واقترب قتيبة من المدينة العظمى التي بالصغد، وهي سمرقند، فنصب عليها المجانيق، فرماها بها، وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه من أهل بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالا شديدا، فأرسل إليه غوزك ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي، فأخرج إلي العرب. فغضب عند ذلك قتيبة، وميز العرب من العجم وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب، وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة، ورماها بالمجانيق فثلم فيها ثلمة، فسدها الترك بغرائر الدخن، وقام رجل منهم فوقها، فجعل يشتم قتيبة، فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه، فلم يلبث أن مات قبحه الله فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضا ثلمة، وصعد المسلمون فوقها، وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا، ونحن نصالحك غدا. فرجع عنهم، وصالحوه من الغد على ألفي ألف ومائة ألف يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب، وفي رواية: مائة ألف من رقيق، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام، وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجدا، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج، فأجابوه
إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال، وذلك بعد أن بني المسجد، ووضع فيه المنبر، فصلى في المسجد وخطب وتغدى، وأتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، وقال المجوس: إن فيها أصناما قديمة من أحرقها هلك. وجاء الملك غوزك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة: إني لك ناصح. فقال: أنا أحرقها بيدي، ثم أخذ شعلة من نار، ثم قام إليها، وهو يكبر الله عز وجل، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسين ألف مثقال من ذهب.
وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد، فأهداها إلى الحجاج، فأهداها إلى الوليد، فولدت له يزيد بن الوليد، ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه، ولكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا، فانتقل عنها ملكها غوزك خان فتلا قتيبة: {وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى} [النجم: 50] (النجم: 50، 51) الآيات، ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له: لا تدعن مشركا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فإن جفت وهو بها فاقتله، ومن رأيته منهم ومعه حديدة أو سكينة فاقتله بها، وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدا منهم فاقتله.
فقال في ذلك كعب الأشقري، ويقال: هي لرجل من جعفي:
كل يوم يحوي قتيبة ... نهبا ويزيد الأموال مالا جديدا
باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا
دوخ الصغد بالكتائب ... حتى ترك الصغد بالعراء قعودا
فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا
كلما حل بلدة أو أتاها ... تركت خيله بها أخدودا
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها، فوجد فيها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جدا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات فيما قيل فقدم بها على سليمان بن عبد الملك على ما سيأتي بيانه في موضعه.
وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبا شديدا، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقي بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا الموضع موضع ذاك. فسقاهم الله مطرا غزيرا.
وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له بذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماء بارد في يوم شات، وأقامه على باب المسجد يومه ذلك فمات رحمه الله، فكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بشر بشيء من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول: هذا إذا لم يكن خبيب بالطريق، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، وكان إذا أثني عليه يقول: خبيب وما خبيب! إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبا فمات، فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلة، ولكن حصل له بسببها خير كثير; من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك.
وفيها افتتح محمد بن القاسم وهو ابن عم الحجاج بن يوسف مدينة الديبل وغيرها من بلاد الهند، وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند، وعمره
سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر وهو ملك الهند في جمع عظيم، ومعه سبعة وعشرون فيلا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله، وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدا، فأحاطوا بالمسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه، ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكيرج وبرها، ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة; من الجواهر والذهب وغير ذلك.
وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة، وإن جماعة من أهل الشر من أهل العراق قد لجأوا إلى المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولاية، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فول على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، ففعل ما أمره به الحجاج، فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة.
وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان ### $ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة
ويقال: أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث جمة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم، وحدث عنه خلق من التابعين. قال أنس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي. قلت: الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي. والله أعلم.
وقد ثبت أن أمه أتت به وفي رواية: عمه زوج أمه أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هذا أنس خادم لبيب يخدمك. فوهبته له، فقبله، وسألته أن يدعو له فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة» وثبت عنه أنه قال: كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجتنيها. وقد استعمله أبو بكر، ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك.
وقد ثبت عنه أنه قال: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ضربني، ولا سبني، ولا عبس في وجهي، ولا قال لي لشيء: لم لا فعلت كذا؟» وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، فقال: «اللهم كثر ماله وولده، وطول حياته» وكان أنس رضي الله عنه كثير الصلاة والصيام والعبادة.
وقد انتقل بعد النبي صلى الله عليه وسلم فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث; توهم الحجاج منه أنه داخل في الأمر، وأنه أفتى فيه، فختمه الحجاج في عنقه: هذا عتيق الحجاج.
وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا. وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل: في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني جامع دمشق.
قال مكحول: رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق، فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة، فقال: لا وضوء. وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال: قدم أنس على الوليد، فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنتم والساعة كهاتين» ورواه عبد الرزاق بن عمر، عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين، فذكره.
وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية: وهذه الصلاة قد
ضيعت. يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع; كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته، كما سيأتي.
وقال عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله، أنيس فادع الله له. فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة» . قال: فقد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة. وفي رواية: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة. وفي رواية: وإن ولدي لصلبي مائة وستة. ولهذا الحديث طرق كثيرة، وألفاظ منتشرة جدا، وفي رواية: قال أنس: وأخبرتني ابنتي أمينة: أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة. وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده، وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة، ولله الحمد.
وقال ثابت لأنس: هل مست يدك كف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فأعطنيها أقبلها. وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، قال: كان أنس صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإداوته. وقال محمد بن سعد: عن مسلم بن إبراهيم، عن المثنى بن سعيد الذارع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي صلى الله عليه وسلم. ثم يبكي.
وقال أبو داود: ثنا الحكم بن عطية، عن ثابت عن أنس قال: إني لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول: يا رسول الله، خويدمك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، قال: أنا فاعل قلت: فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإذا لم ألقك؟ قال: فأنا عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فأنا عند الحوض، لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة» . ورواه الترمذي وغيره، من حديث حرب بن ميمون أبي
الخطاب الأنصاري به، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال شعبة، عن ثابت قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم، يعني أنس بن مالك. وقال أنس بن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر. وقال أنس: يا ثابت خذ مني; فإني أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، ولست تجد أوثق مني.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: سمعت أنسا يقول: ما بقي أحد صلى القبلتين غيري.
وقال محمد بن سعد: حدثنا عفان، حدثني شيخ لنا يكنى أبا حباب، سمعت الجريري يقول: أحرم أنس من ذات عرق، فما سمعناه متكلما إلا
بذكر الله عز وجل حتى أحل. فقال لي: يا ابن أخي، هكذا الإحرام.
وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس يوم الجمعة، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نتحدث فقال: مه. فلما أقيمت الصلاة قال: إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم: مه.
وقال ابن أبي الدنيا ثنا بشار بن موسى الخفاف، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة، عطشت أرضنا. قال: فقام أنس، فتوضأ وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، ثم مطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن معاذ، ثنا ابن عون، عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الأنصاري، عن ابن عون، عن محمد قال: بعث
أمير من الأمراء إلى أنس شيئا من الفيء، فقال: أخمس؟ قال: لا. فلم يقبله.
وقال النضر بن شداد، عن أبيه: مرض أنس، فقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني.
وقال حنبل بن إسحاق: ثنا أبو عبد الله الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا علي بن يزيد، قال: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما يجرد الضب. قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك. قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج، فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخفته عليهم لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستحييني بعده أبدا.
وقد ذكر أبو بكر بن عياش أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج، ويقول في كتابه: إني خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله لو أن
اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه. وذكر له أذية الحجاج له، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم، فكتب إليه يقول: ويلك، لقد خشيت أن لا يصلح على يدي أحد. وذكر له كلاما فيه غلظة، ويقول فيه: إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس، واعتذر له. فجاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة في ذلك، فهم أن ينهض إلى أنس، فأشار إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة وكان إسماعيل صديق الحجاج فجاء أنس، فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال: إنما مثلي ومثلك، كما قيل: إياك أعني واسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لأحد علي منطق.
وقال ابن قتيبة: كتب عبد الملك إلى الحجاج لما قال لأنس ما قال: يا ابن المستفرمة بحب الزبيب، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار
جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أقيبل الرجلين، أسود الجاعرتين. ومعنى قوله: المستفرمة بحب الزبيب، أي: تضيق فرجها عند الجماع به. ومعنى: أركلك، أي: أرفسك برجلي. وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين.
وقال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين; معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك; كان به وضح. وقال الحميدي: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: رأيت أنسا يأكل، فرأيته يلقم لقما عظاما، ورأيت به وضحا شديدا.
وقال أبو يعلى: ثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثنا أبي، ثنا عمران، عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد،
ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم، وذكره البخاري تعليقا. وقال شعبة، عن موسى السنبلاني، قلت لأنس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي.
وقيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: الطبيب أمرضني. وجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله. وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض، وكانت عنده عصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فدفنت معه.
قال عمر بن شبة وغير واحد: مات وله مائة وسبع سنين. وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا معتمر بن سليمان، عن حميد، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة.
قال الواقدي: وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد.
وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته; فقيل: سنة تسعين. وقيل: إحدى وتسعين. وقيل: ثنتين وتسعين. وقيل: ثلاث وتسعين. وهذا هو المشهور، وعليه الجمهور، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثني أبو نعيم قال: توفي أنس بن مالك، وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين. وقال قتادة: لما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل له: وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء، إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه. ### $ عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور
يقال: إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل علي. فالله أعلم. وكان مشهورا بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها: الثريا بنت علي بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان:
حي طيفا من الأحبة زارا ... بعد ما صرع الكرى السمارا
طارقا في المنام تحت دجى اللي ... ل ضنينا بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال إنا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي أهله أن يعارا