Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ست وتسعين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 159 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
وفيها فتح قتيبة بن مسلم، رحمه الله تعالى، كاشغر من أرض الصين، وبعث إلى ملك الصين رسلا يتهدده ويتوعده، ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده، ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم، أو يدخلوا في الإسلام، فدخل الرسل على الملك الأعظم فيها وهو في مدينة عظيمة يقال: إن عليها تسعين بابا في سورها المحيط بها يقال لها: خان بالق. من أعظم المدن، وأكثرها ريعا، ومعاملات وأموالا، حتى قيل: إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين. والصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم; لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم; لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج; لقهره وكثرة جنده وعدده.
والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة، وجندا كثيرا، ومدينة حصينة ذات أنهار وأسواق، وحسن وبهاء، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم
تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب. فغضب الملك، وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم، فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف. فلما كان من الغد أرسل إليهم، فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف، ودخلوا على الملك فقال لهم: ارجعوا. فرجعوا فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك.
فلما كان اليوم الثالث، أرسل إليهم، فقال لهم: كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض، وتقلدوا السيوف، وتنكبوا القسي، وأخذوا الرماح، وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم، ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم فانصرفوا فركبوا خيولهم، واختلجوا رماحهم، ثم ساقوا خيولهم، كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا مثل هؤلاء قط.
فلما أمسوا بعث إليهم الملك; أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم. فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر فإن لم تصدقني قتلتك. فقال: سل. فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا، وطيبنا عندهم،
وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا، فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم! انصرفوا إلى صاحبكم يعني قتيبة وقولوا له: ينصرف راجعا عن بلادي; فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟ فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟! وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها، وغزاك في بلادك؟! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلا إذا حضر، فأكرمها عندنا القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه. فقال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك، ويختم ملوكك، ويجبي الجزية من بلادك. فقال الملك: أنا أبر يمينه وأخرجه منها; أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهبا كثيرا، وحريرا وثيابا صينية لا تقوم، ولا يدري أحد قدرها، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم شرع يتهددهم فتهددوه، ويتوعدهم فتوعدوه، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافا من ذهب متسعة، فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة، وقيل: إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك.
فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه; وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على عدم مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه; لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم، فلم
يمكنه ذلك، ثم قتل في آخر هذه السنة، رحمه الله تعالى، فإنه يقال: إنه ما كسرت له راية. وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم.
وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء، وكان أصل موضع هذا الجامع قديما معبدا بنته اليونان الكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق، وهم الذين وضعوها وعمروها أولا; فهم أول من بناها، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة; وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة. وكانوا قد صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة، وضعوها قصدا لذلك، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل، وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد، وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق، واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين
الجبلين، وصرفوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها لما فيها من التصاريف العجيبة.
وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم إلى جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبه تجاه الشمال، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شاهدنا ذلك عيانا، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب، وهو باب حسن، مبني بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف جدا، تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك الذي كان ملكهم وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما منهم.
ويقال: إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة; وهن دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية.
قال الحافظ ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق، وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى وافاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن المسجد
لا يخرب أبدا ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة. قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة. قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة.
وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره فبادت وصارت مساكن ضعفاء الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا، وبالله المستعان.
والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى إنه يقال: إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود، عليه الصلاة والسلام، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدة طويلة.
وقد ورد إبراهيم الخليل عليه السلام، دمشق ونزل شماليها عند برزة، وقاتل هناك قوما من أعدائه فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة. فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابرا عن كابر، وإلى زماننا. والله أعلم.
وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان، وكانوا خلقا لا يحصيهم إلا الله; وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة
إبراهيم الخليل عليه السلام، من كتابنا هذا " البداية والنهاية "، ولله الحمد، وبالله المستعان.
والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الذي بنى المدينة المشهورة في بلاد الروم التي تنسب إليه، وهي القسطنطينية، وهو الذي وضع لهم القوانين، وقد كان أولا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانا، ووضعت له بطاركة النصارى دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية ممزوجا بشيء من عبادة الأوثان، وصلوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلوا الخنزير، وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة حقيرة نقيرة، وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه. فبنى لهم هذا الملك، الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى كنائس كثيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال: إنه بني في زمانه ثنتي عشرة ألف كنيسة، وأوقف عليها أوقافا دارة، من ذلك كنيسة
بيت لحم وقمامة بالقدس، بنتها أم هيلانة الفندقانية، وغير ذلك.
والمقصود أنهم يعني النصارى حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظما عند اليونان، فجعلوه كنيسة، وبنوا له المذابح في شرقيه، وسموه كنيسة مريحنا. ومنهم من يقول: كنيسة يوحنا. وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة.
واستمر النصارى على دينهم هذا بدمشق وغيرها نحوا من ثلاثمائة سنة، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فكان من شأنه صلوات الله وسلامه عليه ما ذكرنا بعضه في كتاب السيرة، من هذا الكتاب. وقد بعث صلوات الله وسلامه عليه إلى ملك الروم في زمانه وهو قيصر ذلك الوقت واسمه هرقل يدعوه إلى الله عز وجل، وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم.
ثم بعث عليه السلام أمراءه الثلاثة; زيد بن حارثة مولاه، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام فبعث الروم إليهم جيشا كثيرا، فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عليه السلام عام ذلك لشدة الحر وضعف الحال وضيقه على الناس.
ثم لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الصديق الجيوش إلى الشام وإلى العراق كما تقدم تفصيل ذلك في كتابنا هذا، ولله الحمد ففتح الله على المسلمين الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها. فلما استقرت اليد الإسلامية عليها، وأنزل الله رحمته فيها، وساق بره إليها، وكتب أمير الحرب إذ ذاك، وهو أبو عبيدة وقيل: خالد بن الوليد لأهل دمشق كتاب أمان، وأقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا، ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا، ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي، فجعله أبو عبيدة مسجدا وكان قد صارت إليه إمرة الشام; لعزل عمر خالدا وتولية أبي عبيدة وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة، رضي الله عنه، ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه; التي يقال لها: محراب الصحابة. ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محني، وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي. وقد كره كثير من السلف الصلاة في مثل هذه المحاريب،
وجعلوه من البدع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الأصلي الذي كان من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير الذي في المقصورة اليوم، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم; إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا.
وقد بنى معاوية رضي الله عنه، في أيام ولايته على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا.
ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى، من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، وجعل الجميع مسجدا واحدا; وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيكبر به المسجد الجامع، فطلب النصارى، وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، وعرضها عليهم، وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد; وهي كنيسة مريم،
وكنيسة المصلبة داخل الباب الشرقي، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقيل، فأبوا ذلك أشد الإباء، فقال: ائتوني بعهدكم. فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم من زمن الصحابة، فقرئ بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها وأجعلها مسجدا. فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس، ونحن نرضى بأخذ بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة. هذا قول.
ويقال: إن الوليد لما أهمه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله، دخل عليه بعض الناس، فأرشده إلى أن يقيس من باب الشرقي ومن باب الجابية، فوجد منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبا; فإذا الكنيسة المنازع فيها قد دخلت في العنوة، فأخذها.
وحكي عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهموما، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين مهموما؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون، وقد ضاق
بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة; لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا. فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين، عندي ما يزيل همك. قال: وما هو؟ قلت: إن الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من باب الشرقي بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عني، فتول أنت ذلك بنفسك. فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان; فوجد السيف لم يزل عمالا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربعة أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد. فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم، وقال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم. فقالوا: إنك أولا دفعت إلينا الأموال وأقطعتنا الإقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقي لنا هذه الكنائس الأربعة بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة. فصالحهم على إبقاء هذه الأربع كنائس بأيديهم. والله أعلم.
وقيل: إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم عند باب الفراديس، فسموها مريحنا باسم تلك الكنيسة التي أخذت منهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها. فالله أعلم.
ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم، واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤساء الناس، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن. فقال: أنا أحب أن أجن في الله عز وجل، ووالله لا يهدم فيها أحد شيئا قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات وكانت صومعة هائلة فيها راهب معظم عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها، فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه، فلم يزل يدفعه حتى أحدره منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة; فوق المذبح الأكبر منها الذي يسمونه الشاهد; وهو تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان: احذر الشاهد. فقال: أنا أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد. ثم كبر وضربه فهدمه، وكان على الوليد قباء لونه أصفر سفرجلي، قد غرز أذياله في المنطقة، ثم أخذ فأسا في يده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو ناتل رياح الغساني أن يضربهم حتى يذهبوا من
هنالك، ففعل ذلك، فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المكان; من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها، على ما سنذكره ونشير إليه.
وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال: إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام وغير ذلك; ليستعين بهم على عمارة هذا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده; لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعا كثيرة جدا; مائتي صانع، وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه، فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت، فإنه لوصمة عليه.
فلما وصل ذلك الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، واجتمع
الناس عنده لذلك، وكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله تعالى. قال الوليد: وما هو ويحك؟ فقال: قال الله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ، وسليمان هو ابن داود، ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه. فأعجب ذلك الوليد، فأرسل به جوابا إلى ملك الروم. وقد قال الفرزدق في ذلك:
فرقت بين النصارى في كنائسهم ... والعابدين مع الأسحار والعتم
وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم ... شتى إذا سجدوا لله والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه ... أهل الصليب مع القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنهم كما فهما ... إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم
داود والملك المهدي إذ جزا ... أولادها واجتزاز الصوف بالجلم
فهمك الله تحويلا لبيعتهم ... عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم
ما من أب حملته الأرض نعلمه ... خير بنين ولا خير من الحكم
قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد، وزاد في سمك الحيطان.
وقال الحسن بن يحيى الخشني: إن هودا، عليه السلام، هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق.
وقال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات وهي قبة النسر، وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله; لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها حفروا لأركانها، حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه جرار الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين: أريد أن تبني لي أنت هذه القبة. فقال: على أن تعطيني عهد الله وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري. ففعل، فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهم به الوليد، فأخذه ومعه رءوس الناس، فكشف البواري عن الأركان; فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: من هذا أتيت. ثم
بناها فانعقدت.
وقال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص; ليعظم بذلك شأن المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك؟ فضربه خمسين سوطا وقال له: ويلك أنا لا أقدر على ذلك، وتزعم أني أعجز عنه، وخراج الأرض وأموالها تجبى إلي؟ قال: نعم، أنا أبين لك ذلك. قال: فبين ذلك. قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك. فأمر الوليد، فأحضر من الذهب ما سبك به لبنة; فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا نريد من هذه كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه. فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارا، ثم عقدها على ما أشار به المعمار.
ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحا مقرنصا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تطيين أسطحة هذا المسجد في كل عام. فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص; ليجعله
عوض الطين، ويكون أخف على السقوف، فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا، فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة، فكتبوا إلى الوليد فقال: اشتروه منها، ولو بوزنه فضة. فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا فعلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذا المسجد. فكتبوا على ألواحها بطابع: " لله ". ويقال: إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية.
وقال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل من القومة يعنون الفعلة الفأس ورأس المسمار، فيجيء حتى يضعه في الخزانة.
وقال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس، والباقي كله مرمر. وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر،
من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.
وقال دحيم، عن الوليد بن مسلم، ثنا مروان بن جناح، عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم.
وقال أبو قصي، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة التي في قبلة المسجد; فإذا هو سبعون ألف دينار.
وقال أبو قصي، أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وفي رواية: في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. قلت: فعلى الأول يكون ذلك خمسة آلاف ألف دينار، وستمائة ألف دينار، وعلى الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار. والله أعلم.
وقال أبو قصي: وأتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير
المؤمنين، إن الناس يقولون: أنفق الوليد أموال بيت المال في غير حقها. فنودي في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس، فصعد الوليد المنبر، وقال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم: أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها. ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال. فحملت على البغال إلى الجامع، وبسطت لها الأنطاع تحت القبة، ثم أفرغ عليها المال ذهبا صبيبا، وفضة خالصة حتى صارت كوما، حتى كان الرجل لا يرى الرجل من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال; فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة وفي رواية: ست عشرة سنة مستقبلة لو لم يدخل للناس شيء بالكلية ففرح الناس وكبرو ا، وحمدوا الله عز وجل على ذلك، ثم قال الوليد: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع; بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة، وهي هذا الجامع، فاحمدوا الله تعالى. وانصرفوا شاكرين داعين.
وقال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلازورد، في كل منها: بسم الله الرحمن الرحيم {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أمر ببنيان هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه، عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست وثمانين. وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} [الفاتحة: 2]
[التكوير: 1] .
قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق. وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة: الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة، وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيه جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة.
قال: وكان في محراب الصحابة برنية; حجر من بلور ويقال: بل كانت حجرا من جوهر، وهي الدرة، وكانت تسمى القليلة، وكانت إذا طفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد وكان يحب البلور، وقيل: الجوهر بعث إلى سليمان وإلى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها، وسيرها إلى الأمين، فلما ولي المأمون ردها إلى دمشق; ليشنع بذلك على الأمين.
قال ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك، فجعل مكانها برنية من زجاج. قال: وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك، فلم يجعل مكانها شيء. قالوا: وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورءوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها: مئذنة العروس. فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا، بنتها اليونان للرصد، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد
الأربعين وسبعمائة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال بيضاء بذاتها وهي، والله أعلم، المنارة الشرقية التي ينزل عليها عيسى ابن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في " صحيح مسلم "، عن النواس بن سمعان.
قلت: ثم أحرق أعلى هذه المنارة وجددت، وكان أعلاها من خشب، فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين وسبعمائة، فصارت كلها مبنية بالحجارة.
والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر إليه، أو إلى أي جهة منه أو إلى أي بقعة أو مكان منه، تحير فيما ينظر إليه; لحسنه جميعه، ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر، بانت له أعجوبة ليست كالأخرى.
وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان، فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية; لا من الحيات، ولا من العقارب، ولا الخنافس، ولا العناكيب، ويقال: ولا العصافير أيضا تعشش فيه، ولا الحمام، ولا شيء مما يتأذى به الناس.
وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع، مما يلي السبع، فأحرقت لما وقع فيه الحريق، وكان ذلك ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربعمائة، في دولة الفاطميين، كما سيأتي ذلك في موضعه.
وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان، بعضها باق إلى يومنا هذا. والله أعلم.
فمن ذلك، العمود الذي في رأسه مثل الكرة بسوق الشعير عند قنطرة أم حكيم، وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر مشايخ دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق بوله، وذلك مجرب عند اليونان.
وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه مدة ولايته، وجددت له فيه المقصورة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز، عزم
على أن يجرد ما فيه من الذهب، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء، ويرد ذلك كله إلى بيت المال، ويطينه مكان ذلك كله، فشق ذلك على أهل البلد، واجتمع أشرافهم إليه، وقال خالد بن عبد الله القسري: أنا أكلمه لكم. فلما اجتمعوا قال خالد: يا أمير المؤمنين، بلغنا أنك تريد أن تصنع كذا وكذا. قال: نعم. فقال خالد: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ولم يا ابن الكافرة؟ وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت كافرة، فقد ولدت رجلا مؤمنا. فقال: صدقت. واستحيا عمر ثم قال له: فلم قلت ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين; لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال. فأطرق عمر رحمه الله.
قالوا: واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد، وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن ذلك الجامع الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها صعق كبيرهم، وخر مغشيا عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقي أياما مدنفا، فلما تماثل سألوه عما عرض له، فقال: ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا. فلما بلغ ذلك عمر بن
عبد العزيز قال: أوإن هذا لغيظ الكفار؟ دعوه.
وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم وكان عمر عادلا، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، ثم حقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة; مثل كنيسة دير مران، وكنيسة الراهب، وكنيسة توما، خارج باب توما، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز، فخيرهم بين رد ما سألوه، وتخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطيبوا نفسا بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان بها.
والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا نظير في حسنه وبهجته.
قال الفرزدق: أهل دمشق في بلدهم قصر من قصور الجنة، يعني به الجامع الأموي.
وقال أحمد بن أبي الحواري، عن الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان: ما
ينبغي أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق; لما يرون من حسن مسجدها.
قالوا: ولما دخل المهدي أمير المؤمنين العباسي دمشق يريد زيارة بيت المقدس، نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري: سبقنا بنو أمية بثلاث; بهذا المسجد، لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها قال لكاتبه: وهذه رابعة.
ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها، وكان معه أخوه المعتصم، وقاضيه يحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الأذهاب التي فيه. وقال يحيى بن أكثم: هذا الرخام، وهذه العقد. فقال المأمون: إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم. ثم قال المأمون لقاسم
التمار: أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه. فقال: سمها مسجد دمشق; فإنه أحسن شيء.
وقال عبد الرحمن، بن عبد الله بن عبد الحكم، عن الشافعي قال: عجائب الدنيا خمسة; أحدها منارتكم هذه يعني منارة ذي القرنين التي بإسكندرية والثانية أصحاب الرقيم; وهم بالروم اثنا عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها، فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه، والخامس الرخام والفسيفساء; فإنه لا يدرى لهما موضع، ويقال: إن الرخام معجون، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار.
قال ابن عساكر: وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة في رسالة له قال: ثم أمرنا بالانتقال إلى البلد، فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، ووافق ظاهره باطنه، أزقته
أرجة، وشوارعه فرجة، فحيث ما شئت شممت طيبا، وأين سعيت رأيت منظرا عجيبا، وأفضيت إلى جامعه، فشاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، ولا الرائي أن يعرفه، وجملته أنه بكر الدهر، ونادرة الوقت، وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات، ولقد أثبت الله، عز وجل، به ذكرا يدرس، وخلف به أمرا لا يخفى ولا يدرس.
قال ابن عساكر: وأنشدني بعض أهل الأدب لبعض المحدثين في جامع دمشق، عمره الله بذكره:
دمشق قد شاع حسن جامعها ... وما حوته ربى مرابعها
بديعة الحسن في الكمال لما ... يدركه الطرف من بدائعها
طيبة أرضها مباركة ... باليمن والسعد أخذ طالعها
جامعها جامع المحاسن قد ... فاقت به المدن في جوامعها
بنية بالإتقان قد وضعت ... لا ضيع الله سعي واضعها
تذكر في فضله ورفعته ... أخبار صدق راقت لسامعها
قد كان قبل الحريق مدهشة ... فغيرته نار بلافعها
فأذهبت بالحريق بهجته ... فليس يرجى إياب راجعها
إذا تفكرت في الفصوص وما ... فيها تيقنت حذق راصعها
أشجارها لا تزال مثمرة ... لا تذهب الريح من مدافعها
كأنها من زمرد غرست ... في أرض تبر تغشى بفاقعها
فيها ثمار تخالها ينعت ... وليس يخشى فساد يانعها
تقطف باللحظ لا بجارحة ال ... أيدي ولا تجتنى لبائعها
وتحتها من رخامه قطع ... لا قطع الله كف قاطعها
أحكم ترخيمها المرخم قد ... بان عليها إحكام صانعها
وإن تفكرت في قناطره ... وسقفه بان حذق رافعها
وإن تبينت حسن قبته ... تحير اللب في أضالعها
تخترق الريح في مخارمها ... عصفا فتقوى على زعازعها
وأرضه بالرخام قد فرشت ... ينفسح الطرف في مواضعها
مجالس العلم فيه متقنة ... ينشرح الصدر في مجامعها
وكل باب عليه مطهرة ... قد أمن الناس دفع مانعها
يرتفق الخلق من مرافقها ... ولا يصدون عن منافعها
ولا تزال المياه جارية ... فيها لما شق من مشارعها
وسوقها لا تزال آهلة ... ليزدحم الناس في شوارعها
لما يشاءون من فواكهها ... وما يريدون من بضائعها
كأنها جنة معجلة ... في الأرض لولا سرى فجائعها
دامت برغم العدى مسلمة ... وحاطها الله من قوارعها
** [فصل فيما روي في جامع دمشق من الآثار] وما ورد في فضله من الأخبار، عن جماعة من السادة الأخيار **
روي عن قتادة أنه قال في قوله تعالى: {والتين} [التين: 1] قال: هو مسجد دمشق. {والزيتون} [التين: 1] قال: هو مسجد بيت المقدس. {وطور سنين} [التين: 2] حيث كلم الله موسى {وهذا البلد الأمين} [التين: 3] وهو مكة.
ونقل عثمان بن أبي العاتكة، عن أهل العلم، أنهم قالوا في قوله تعالى: {والتين} [التين: 1] هو مسجد دمشق. رواه ابن عساكر.
وقال صفوان بن صالح، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، عن عطية بن قيس الكلابي، قال: قال كعب الأحبار: ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عاما.
وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، قال: أوحى الله تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك إلى جبل بيت المقدس. قال: ففعل، فأوحى الله إليه: أما إذ فعلت فإني سأبني لي في حضنك بيتا أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك. قال: فهو عند الله بمنزلة الرجل الضعيف المتضرع.
وقال دحيم: حيطان المسجد الأربعة من بناء هود، عليه السلام، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو من بناء الوليد بن عبد الملك يعني أنه رفع الجدار فعلاه من حد الرخام والكرمة إلى فوق. وقال غيره: إنما بنى هود الجدار القبلي فقط.
وقال أبو بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج، المعروف بابن البرامي،
الدمشقي: ثنا إبراهيم بن مروان، سمعت أحمد بن إبراهيم بن ملاس يقول: سمعت عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار فأكلته، وما لم يتقبل منه بقي على حاله.
قلت: وهذه الصخرة نقلت إلى داخل باب الساعات، وهي موجودة إلى الآن، وبعض العامة يزعم أنها الصخرة التي وضع عليها ابنا آدم قربانهما، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. فالله أعلم.
وقال هشام بن عمار: ثنا الحسن بن يحيى الخشني، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق» . قال ابن عساكر: وهذا منقطع. قلت: ومنكر جدا، ولا يثبت أيضا لا من هذا الوجه، ولا من غيره.
وقال أبو بكر البرامي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقرئ، حدثني أبي، عن أبيه، أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال: إني أريد أن أصلي الليلة في المسجد، فلا تتركوا فيه أحدا حتى أصلي الليلة. ثم إنه أتى باب الساعات، فاستفتح الباب ففتح له، فإذا رجل
قائم بين باب الساعات، وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدا الليلة يصلي في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين، هذا الخضر عليه السلام، يصلي كل ليلة في المسجد. في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر، ولا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية، ولا صلاته في هذا المكان المذكور. والله أعلم.
وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المئذنة الغربية تسمى زاوية الخضر، وما أدري ما سبب ذلك، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه، وأول من صلى فيه إماما أبو عبيدة بن الجراح، وهو أمير الأمراء بالشام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة، وصلى فيه خلق من الصحابة، لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن مالك، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني في هذا الجامع، فصلى فيه أنس وراء الوليد، وأنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، كما قدمنا ذلك في ترجمة أنس عند ذكر وفاته سنة ثلاث وتسعين.
وسيصلي فيه عيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان، إذا خرج الدجال
وعمت البلوى به، وانحصر الناس منه بدمشق، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر، فيأتي وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام الناس: تقدم يا روح الله. فيقول: إنما أقيمت لك. فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة. يقال إنه المهدي. فالله أعلم.
ثم يخرج عيسى بالناس، فيدرك الدجال عند عقبة أفيق، وقيل: بباب لد. فيقتله بيده هنالك. وقد ذكرنا ذلك مبسوطا عند قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} [النساء: 159] (النساء: 159) ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، وإماما عادلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام» .
والمقصود أن عيسى عليه السلام ينزل والبلد محصن من الدجال، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى; حيث أحرقوها فجددت من أموالهم ثم يكون نزول عيسى حتفا لهم، وهلاكا ودمارا عليهم، ينزل بين ملكين واضعا يديه على
مناكبهما، وعليه مهرودتان وفي رواية: ممصرتان يقطر رأسه ماء، كأنما خرج من ديماس، وذلك وقت الفجر، فينزل من المنارة وقد أقيمت الصلاة وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق، وهو هذا الجامع.
وما وقع في " صحيح مسلم " من رواية النواس بن سمعان الكلابي: «فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق» كأنه والله أعلم مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، وقد أخبرت - ولم أقف عليه إلا الآن - أنه كذلك في بعض ألفاظ هذا الحديث في بعض المصنفات، والله المسئول المأمول أن يوفقني، فيوقفني على هذه اللفظة.
وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه، وهي بيضاء بنفسها، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، ولا أبهى ولا أعلى منها، ولله الحمد والمنة.
** [الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام] **
وروى ابن عساكر، عن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك، فلما كان الليل وافانا وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام، مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكريا. فأمر به الوليد فرد إلى المكان. وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من بين الأعمدة. فجعل عليه عمود مسفط الرأس.
وفي رواية، عن زيد بن واقد: أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة يعني قبل أن تبنى قال: وكان على الرأس شعر وبشر.
وقال الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد، قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا، وقد أخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود السبط السكاسك.
قال الأوزاعي، والوليد بن مسلم: هو العمود الرابع المسفط.
وروى أبو بكر بن البرامي، عن أحمد بن أنس بن مالك، عن حبيب المؤذن، عن أبي زياد، وأبي أمية الشعبانيين، عن سفيان الثوري أنه قال: صلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. وهذا غريب جدا.
وروى ابن عساكر، من طريق أبي مسهر، عن المنذر بن نافع مولى أم عمرو بنت مروان عن أبيه وفي رواية: عن رجل قد سماه أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقيه كعب الأحبار، فقال: أين تريد؟ قال واثلة: أريد بيت المقدس. فقال: تعال حتى أريك موضعا في هذا المسجد، من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس. فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر الذي يخرج منه الوالي إلى الحنية يعني القنطرة الغربية فقال: من صلى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدس. فقال واثلة: إنه لمجلسي ومجلس قومي. قال كعب: هو ذاك. وهذا أيضا غريب جدا ومنكر، ولا يعتمد على مثله.
وعن الوليد بن مسلم قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق
وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر فيه كتاب نقش، فأتوا به الوليد، فبعث إلى الروم، فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى العبرانيين، فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى من كان بدمشق من بقية الأشبان، فلم يستخرجوه. فدل على وهب بن منبه، فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللوح، فوجدوه في ذلك الحائط ويقال: إن ذلك الحائط بناه هود عليه السلام فلما نظر إليه وهب حرك رأسه وقرأه فإذا هو:
بسم الله الرحمن الرحيم، ابن آدم، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك. لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، قبل أن يحل بك أجلك، وتنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى، ومجاورة الموتى، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين
العمل. وكتب في زمن سليمان بن داود، عليهما السلام.
وقال ابن عساكر: قرأت على أبي محمد السلمي، عن عبد العزيز التميمي، أنبأنا تمام الرازي، أنبأنا ابن البرامي، سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني، يقول: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعا، فوجدوا بابا من حجارة مغلقا، فلم يفتحوه، وأعلموا به الوليد، فخرج من داره حتى وقف عليه، وفتح بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة على فرس من حجارة في يد التمثال الواحدة الدرة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا فيها حبتان; حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك فقيل له: لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح ولا شعير.
وقال الحافظ أحمد الوراق، وكان قد عمر مائة سنة: سمعت بعض الشيوخ يقول: لما دخل المسلمون دمشق وجدوا على العمود الذي على المقسلاط على السفود الحديد الذي في أعلاه صنما مادا يده بكف مطبقة، فكسروه، فإذا في يده حبة قمح، فسألوا عن ذلك، فقيل لهم: هذه الحبة القمح جعلها حكماء اليونان في كف هذا الصنم طلسما، حتى لا يسوس القمح،
ولو أقام سنين كثيرة.
قال ابن عساكر: وقد رأيت أنا هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط، فلما هدمت القناطر ذهب. قلت: كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر التي في السوق الكبير، عند الصابونيين والعطارين اليوم، وعندها اجتمعت جيوش الإسلام يوم فتح دمشق، دخل أبو عبيدة من باب الجابية، وخالد من الباب الشرقي، ويزيد بن أبي سفيان من باب الجابية الصغير، كما قدمنا، ولله الحمد والمنة.
وقال عبد العزيز التميمي، عن أبي نصر عبد الوهاب بن عبد الله المزني: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق يقولون: إن في سقف مسجد الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف، مما يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنونيات، لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها، ولا يدخله غراب، وطلسم للفأر والحيات والعقارب ما أبصر الناس من هذا شيئا إلا الفأر، ويشك أن يكون قد عدم طلسمها وطلسم للعنكبوت
حتى لا ينسج في زواياه، فيركبه الغبار والوسخ.
قال الحافظ ابن عساكر: وسمعت جدي أبا الفضل يحيى بن علي القاضي، يذكر أنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، معلقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وأنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق، فلما احترقت الطلسمات وجدت، وكان حريق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وقد كانت بدمشق طلسمات كثيرة، ولم يبق منها سوى العمود الذي بسوق العلبيين اليوم الذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، وهو لعسر بول الدواب إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق.
وقد كان شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله يقول: إنما هذا قبر مشرك متمرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صياحه فزعت فانطلق طبعها. قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود والنصارى إذا مغلت فينطلق طباعها وتروث، وما ذاك إلا أنها تسمع أصواتهم وهم يعذبون. والله أعلم.
** [ذكر الساعات التي على باب جامع دمشق] **
ذكر الساعات التي على بابه
قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زبر: إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات; لأنه عمل هناك بركار الساعات; يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير من نحاس، وحية من نحاس، وغراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطست فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، وكذلك في سائرها.
قلت: هذا يحتمل أحد شيئين; إما أن الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع، وهو الذي يسمى باب الزيادة، ولكن قد قيل: إنه محدث بعد بناء الجامع، ولا ينفي ذلك أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زبر. وإما أنه قد كان في الجانب الشرقي من الجامع، في حائطه القبلي باب آخر في محاذاة باب الزيادة، وعنده الساعات، ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الوراقين اليوم; وهو باب الجامع من الشرق. والله أعلم.
قلت: فأما القبة التي في وسط صحن الجامع التي فيها الماء الجاري، وتقول
العامة لها: قبة أبي نواس. فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمائة، أرخ ذلك ابن عساكر عن خط بعض الدماشقة، وأما القبة الغربية العالية التي في صحن الجامع، التي يقال لها: قبة عائشة. فسمعت شيخنا الذهبي يقول: إنها إنما بنيت في حدود سنة ستين ومائة، في أيام المهدي بن المنصور العباسي، وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه. وأما القبة الشرقية التي على باب مشهد علي فيقال: إنها بنيت في زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربعمائة.
وأما الفوارة التي تحت درج جيرون فعملها الشريف فخر الدولة أبو يعلى حمزة بن الحسن بن العباس الحسيني، وكأنه كان ناظر الجامع، وجر إليها قطعة من حجر كبير من قصر حجاج، وأجرى فيها الماء ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة وأربعمائة، وعملت حولها قناطر، وعقد عليها قبة، ثم سقطت القبة بسبب جمال تحاكت عندها وازدحمت، وذلك في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فأعيدت، ثم سقطت أعمدتها وما عليها من حريق اللبادين ودار الحجارة في شوال سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر.
قلت: وأما القصعة التي كانت في الفوارة، فما زالت وسطها، وقد أدركتها
كذلك، ثم رفعت بعد ذلك.
وكان بطهارة جيرون قصعة أخرى مثلها، فلم تزل بها، ثم لما انهدمت اللبادين بسبب حريق النصارى في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر أحسن مما كانت، وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر، ثم عمل الشاذروان الذي هو شرقي فوارة جيرون بعد الخمسمائة، أظنه سنة أربع عشرة وخمسمائة. والله أعلم.
** [ذكر ابتداء أمر السبع بالجامع الأموي] **
قال أبو بكر بن أبي داود: ثنا أبو عامر موسى بن عامر المري، ثنا الوليد هو ابن مسلم قال: قال أبو عمرو الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: الدراسة محدثة، أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك، فحجبه عبد الملك، فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع قراءة، فقال: ما هذا؟ فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء، فقرأ هشام بن إسماعيل، فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد، فقرءوا بقراءته.
وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: ثنا أيوب بن حسان، ثنا الأوزاعي،
ثنا خالد بن دهقان، قال: أول من أحدث القراءة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث القراءة بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجرشي.
قلت: هشام بن إسماعيل هذا كان نائبا على المدينة النبوية، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب لما امتنع من البيعة للوليد بن عبد الملك، قبل أن يموت أبوه، ثم عزله عنها الوليد، وولى عليها عمر بن عبد العزيز كما ذكرنا.
وقد حضر هذا السبع جماعات من سادات السلف من التابعين بدمشق; منهم هشام بن إسماعيل المخزومي، ومولاه رافع، وإسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر وكان مكتبا لأولاد عبد الملك بن مروان، وقد ولي إمرة إفريقية لهشام بن عبد الملك وابناه عبد الرحمن ومروان.
وحضره من القضاة أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني، ونمير بن أوس الأشعري، ويزيد بن أبي الهمداني، وسالم بن عبد الله المحاربي، ومحمد بن عبد الله بن لبيد الأسدي.
ومن الفقهاء والمحدثين والحفاظ المقرئين، أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى آل معاوية، ومكحول، وسليمان بن موسى الأشدق، وعبد الله بن العلاء بن زبر، وأبو إدريس الأصغر عبد الرحمن بن عراك،
وعبد الرحمن بن عامر اليحصبي أخو عبد الله بن عامر ويحيى بن الحارث الذماري، وعبد الملك بن النعمان المزني، وأنس بن أنيس العذري، وسليمان بن بزيع القارئ، وسليمان بن داود الخشني، ونمران أو هزان بن حكيم القرشي، ومحمد بن خالد بن أبي ظبيان الأزدي، ويزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، وعياش بن دينار وغيرهم، هكذا أوردهم ابن عساكر. قال: وقد روي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره، ولا وجه لإنكاره.
ثم ساق من طريق أبي بكر بن أبي داود، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا الوليد هو ابن مسلم عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ينكر الدراسة، ويقول: ما رأيت ولا سمعت، وقد أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عساكر: وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميرا على دمشق، في خلافة عمر بن عبد العزيز
** [فصل في ابتداء عمارة جامع دمشق] **
كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين; هدمت الكنيسة التي كانت موضعه في ذي القعدة منها، فلما فرغوا من الهدم، شرعوا في البناء، وتكامل في عشر سنين، فكان الفراغ منه في هذه السنة، أعني سنة ست وتسعين.
وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك، وقد بقيت فيه بقايا، فكملها أخوه سليمان، كما ذكرنا.
فأما قول يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهذه الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى من أهل دمشق: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحا، فأنا أهدم كنيسة توما؟ قال هشام: وتلك أكبر من هذه الداخلة، قال: فرضوا أن أهدم كنيسة الداخلة، وأدخلها في المسجد. قال: وكان بابها قبلة المسجد اليوم، وهو المحراب الذي يصلى فيه قال: وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، ومكثوا في بنائه سبع سنين، حتى مات الوليد، ولم يتم بناءه، فأتمه هشام من بعده. ففيه فوائد، وفيه غلط، وهو قوله: إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين. والصواب: عشر سنين، فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في
هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وقد حكى أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير. وقوله: لم يتم بناؤه في زمن الوليد. بل قد تم، ولكن بقيت بقيات من الزخرفة، فأكملها أخوه سليمان لا هشام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ترجمة الوليد بن عبد الملك وذكر وفاته]
** وهذه ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، وذكر وفاته في هذا العام **
هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العباس الأموي، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهد منه في شوال سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولده والولي من بعده، وأمه ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير العبسي. وكان مولده سنة خمسين، وكان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب، وكان لا يحسن العربية، وكان طويلا أسمر، به أثر جدري، أفطس الأنف سائله، وكان إذا مشى يتوكف في المشية أي يتبختر وكان جميلا، وقيل: بل كان دميما، قد شاب في مقدم لحيته، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك; لما قدم
عليه سأله ماذا سمع في أشراط الساعة؟ كما تقدم في ترجمة أنس، وسمع سعيد بن المسيب، وحكى عن الزهري وغيره.
وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف; لأنه لا يحسن العربية، فجمع الوليد جماعة من أهل النحو عنده فأقاموا سنة، وقيل: ستة أشهر. فخرج يوم خرج أجهل مما كان، فقال عبد الملك: قد أجهد وأعذر.
وقيل: إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته، فقال له: لا ألفينك إذا مت، تجلس تعصر عينيك، وتحن حنين الأمة، ولكن شمر وائتزر ودلني في حفرتي وخلني وشأني، وادع الناس إلى البيعة; فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.
وقال الليث: وفي سنة ثمان وسبعين غزا الوليد بلاد الروم، وفيها حج بالناس أيضا. وقال غيره: غزا في التي قبلها، وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها. وكان نقش خاتمه: أؤمن بالله مخلصا. وقيل: كان نقشه: يا وليد إنك ميت. ويقال: إن آخر ما تكلم به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.
وقال إبراهيم بن أبي عبلة: قال لي الوليد بن عبد الملك يوما: في كم تختم القرآن؟ قلت: في كذا وكذا. فقال: أمير المؤمنين على شغله يختمه في
كل ثلاث. وقيل: في كل سبع. قال: وكان يقرأ في شهر رمضان سبع عشرة ختمة. قال إبراهيم، رحمه الله: الوليد! وأين مثله؟ بنى مسجد دمشق وكان يعطيني قصاع الفضة، فأقسمها على قراء بيت المقدس.
وروى ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه، قال: خرج الوليد يوما من الباب الأصغر، فرأى رجلا عند المئذنة الشرقية يأكل شيئا، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزا وترابا، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: القنوع يا أمير المؤمنين. فذهب إلى مجلسه، ثم استدعى به، فقال: إن لك لشأنا، فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، كنت رجلا جمالا، فبينما أنا أسير من مرج الصفر قاصدا إلى الكسوة إذ زرتني البول، فعدلت إلى خربة لأبول، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب، فملأت منه غرائري، ثم انطلقت أقود برواحلي، وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها، وقلت: إني سآتي الكسوة، ورجعت إلى الخربة، لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال، فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزا وترابا. قال: فهل لك عيال؟ قال:
نعم. ففرض له في بيت المال.
قال ابن جابر: وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال، فتسلمها خازنه فوضعها في بيت المال.
وقال نمير بن عبد الله السمعاني، عن أبيه، قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا.
قالوا: وكان الوليد لحانا. كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوما، فقرأ في خطبته: {يا ليتها كانت القاضية} [الحاقة: 27] فضم التاء من ليتها فقال عمر بن عبد العزيز يا ليتها كانت عليك وأراحنا الله منك. وكان يقول: يا أهل المدينة.
وقال عبد الملك يوما لرجل من قريش: إنك لرجل لولا أنك تلحن. فقال: وهذا ابنك الوليد يلحن. فقال: لكن ابني سليمان لا يلحن. فقال الرجل: وأخي أبو فلان لا يلحن.
قال ابن جرير حدثني عمر، ثنا علي يعني ابن محمد المدائني قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد بدمشق، ووضع المنار، وأعطى الناس وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاما، ففتح الهند والسند والأندلس، وغير ذلك. قال: وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده، ويقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول: زد فيها فإنك تربح.
وذكروا أنه كان يبر حملة القرآن ويكرمهم، ويقضي عنهم ديونهم.
قالوا: وكانت همة الوليد في البناء وكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل، فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، فكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل، فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، والصلاة والعبادة، فكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ .
وقال الواقدي: كان الوليد جبارا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب،
لجوجا، كثير الأكل والجماع، مطلاقا، يقال: إنه تزوج ثلاثا وستين امرأة غير الإماء.
قلت: وقد يراد بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع. والله أعلم.
قلت: بنى الوليد الجامع على الوجه الذي ذكرنا، فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، وبنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ووسعه، حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه، وله آثار حسان كثيرة جدا، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. قال ابن جرير وهذا قول جميع أهل السير. وقال عمرو بن علي الفلاس وجماعة: كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة عن ست - وقيل: ثلاث، وقيل: تسع، وقيل: أربع - وأربعين سنة.
وكانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، وقيل: بمقابر باب الفراديس. حكاه ابن عساكر.
وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز; لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، وقيل: صلى عليه ابنه عبد العزيز، وقيل: بل صلى عليه أخوه سليمان. والصحيح عمر بن عبد العزيز، والله أعلم.
وهو الذي أنزله إلى قبره، وقال حين أنزله: لتنزلنه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسباب، وفارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، فقيرا إلى ما تقدم عليه، غنيا عما تخلف.
وجاء من غير وجه، عن عمر بن عبد العزيز، أنه أخبر أنه لما وضع الوليد في لحده ارتكض في أكفانه، وجمعت رجلاه إلى عنقه.
وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور، والله أعلم.
قال المدائني: وكان له من الولد تسعة عشر ولدا ذكرا; وهم عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر، وروح، وبشر، ويزيد، ويحيى، فأم عبد العزيز ومحمد; أم البنين بنت عمه عبد العزيز بن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم من أمهات أولاد شتى.
قال المدائني: وقد رثاه جرير فقال:
يا عين جودي بدمع هاجه الذكر ... فما لدمعك بعد اليوم مدخر
إن الخليفة قد وارت شمائله ... غبراء ملحدة في جولها زور
أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
كانوا جميعا فلم يدفع منيته ... عبد العزيز ولا روح ولا عمر
** [وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك] **
### $ زياد بن جارية التميمي الدمشقي
كانت داره غربي قصر الثقفيين. روى عن حبيب بن مسلمة الفهري في النهي عن المسألة لمن له ما يغديه ويعشيه، وفي النفل. ومنهم من زعم أن له صحبة، والصحيح أنه تابعي. روى عنه عطية بن قيس، ومكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، ومع هذا قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول. ووثقه النسائي وابن حبان.
روى الحافظ ابن عساكر أنه دخل يوم الجمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة فقال: والله ما بعث الله نبيا بعد محمد صلى الله عليه وسلم أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت. قال: فأخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك.
### $ عبد الله بن عمرو بن عثمان
أبو محمد، كان قاضي المدينة وكان شريفا، كثير المعروف، جوادا، ممدحا، والله أعلم.
** [خلافة سليمان بن عبد الملك] **
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات، وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكان سليمان بالرملة، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك.
وقد كان الوليد قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده عبد العزيز بن الوليد، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك، وكذلك قتيبة بن مسلم، وجماعة من أهل الشام وقد أنشد في ذلك جرير وغيره من الشعراء قصائد فلم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان، وولى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلب; فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان.
ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان، وولى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان أحد العلماء.
وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان الخلافة كتب إليه كتابا يعزيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناءه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من قبله من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلب، ثم كتب كتابا ثانيا يذكر فيه ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلب أيضا، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتابا ثالثا فيه خلع سليمان بالكلية، وبعث بها مع البريد، وقال له: ادفع إليه الكتاب الأول فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول واتفق حضور يزيد عند سليمان دفعه إلى يزيد، فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني، فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه ثم ختمه وأمسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من الليل بعث إلى البريد فأحضره، ودفع إليه ذهبا وكتابا فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريدا آخر من جهته ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة،
فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان.
** [ذكر سبب مقتل قتيبة بن مسلم] **
وذلك أنه جمع الجند والجيوش، وعزم على خلع سليمان وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته، لم يجبه أحد منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرقوا، وعملوا على مخالفته وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له: وكيع بن أبي سود، فجمع جموعا كثيرة ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحجة من هذه السنة، وقتل معه أحد عشر رجلا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زرارة، فحمته أخواله وعمرو بن مسلم، وكان عامل الجوزجان. وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله وصالح وبشار، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم فقتلهم كلهم وكيع بن سود.
وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي
الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى الله على يديه خلقا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله عز وجل، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئا كثيرا، كما تقدم ذلك مفصلا مبينا، والله سبحانه لا يضيع سعيه، ولا يخيب تعبه وجهاده.
ولكن زل زلة كان فيها حتفه، وفعل فعلة رغم فيها أنفه، وخلع الطاعة فبادرت إليه المنية، وفارق الجماعة، فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله بها عنه من سيئاته، ويمحو بها عنه من خطياته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء.
وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح ممن قتل مع مصعب بن الزبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، واستفاد وأفاد فيها خيرا كثيرا، وقد رثاه عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال:
كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا
ولم تخفق الرايات والقوم حوله ... وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا
دعته المنايا فاستجاب لربه ... وراح إلى الجنات عفا مطهرا
فما رزئ الإسلام بعد محمد ... بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا
ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير، وعبهر أم ولد له. وقال الطرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها قتيبة على يد وكيع بن أبي سود:
لولا فوارس مذحج ابنة مذحج ... والأزد زعزع واستبيح العسكر
وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب ... منهم إلى أهل العراق مخبر
واستضلعت عقد الجماعة وازدرى ... أمر الخليفة واستحل المنكر
قوم همو قتلوا قتيبة عنوة ... والخيل جانحة عليها العثير
بالمرج مرج الصين حيث تبينت ... مضر العراق من الأعز الأكبر
إذ حالفت جزعا ربيعة كلها ... وتفرقت مضر ومن يتمضر
وتقدمت أزد العراق ومذحج ... للموت يجمعها أبوها الأكبر
قحطان تضرب رأس كل مدجج ... تحمي بصائرهن إذ لا تبصر
والأزد تعلم أن تحت لوائها ... ملكا قراسية وموت أحمر
فبعزنا نصر النبي محمد ... وبنا تثبت في دمشق المنبر
وقد بسط ابن جرير هذه القصة بسطا كثيرا وذكر أشعارا كثيرة جدا.
وقال القاضي ابن خلكان: وقال جرير في قتيبة بن مسلم رحمه الله وسامحه:
ندمتم على قتل الأغر ابن مسلم ... وأنتم إذا لاقيتم الله أندم
لقد كنتم من غزوه في غنيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم
على أنه أفضى إلى حور جنة ... وتطبق بالبلوى عليكم جهنم
قال: وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان، فمنهم عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم، وكان جوادا ممدحا، رثاه حين مات أبو عمرو أشجع بن عمرو السلمي الرقي نزيل البصرة بقوله:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح
وأصبح في لحد من الأرض ضيق ... وكانت به حيا تضيق الصحاصح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجن الجوانح
فما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
قال ابن خلكان وهي من أحسن المراثي، وهي في الحماسة. ثم تكلم على باهلة، وأنها قبيلة مرذولة عند العرب، قال: وقد رأيت في بعض المجاميع «أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله، أتتكافأ دماؤنا؟ قال: نعم، ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك به» وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك. وسأل بعض الأعراب رجلا: ممن أنت؟ فقال: من باهلة. فجعل يرثي له. فقال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم. فجعل يقبل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوضك الجنة في الآخرة.
ثم قال ابن جرير وفي هذه السنة توفي قرة بن شريك القيسي أمير مصر من جهة الوليد. وفيها حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان هو الأمير على المدينة وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد
بن أسيد، وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن، وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود.