Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة مائة من الهجرة النبوية]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 163 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، أنبأ ورقاء، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن نعيم بن دجاجة قال: دخل أبو مسعود على علي فقال: أنت القائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة» ؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ممن هو حي» وإن رخاء هذه الأمة بعد المائة. تفرد به أحمد.
وفي رواية لابنه عبد الله أن عليا قال له: يا فروخ، أنت القائل: لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف؟ أخطأت استك الحفرة، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو اليوم حي» وإنما رخاء هذه الأمة وفرجها بعد المائة. تفرد به.
وهكذا جاء في " الصحيحين " عن ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، وإنما أراد انخرام قرنه.
وفيها خرجت خارجة من الحرورية بالعراق، فبعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
إلى عبد الحميد نائب الكوفة يأمره بأن يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشا فكسرهم الحرورية، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج وكان يقال له: بسطام يقول له: ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبا لله فأنا أحق بذلك منك، ولست أولى بذلك مني، وهلم أناظرك; فإن رأيت حقا اتبعته، وإن أبديت حقا نظرنا فيه.
فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين فسألهما: ماذا تنقمون؟ فقالا: جعلك يزيد بن عبد الملك من بعدك. فقال: إني لم أجعله أبدا، وإنما جعله غيري. قالا: فكيف ترضى به أمينا للأمة من بعدك؟ فقال: أنظرني ثلاثة. فيقال: إن بني أمية دست إليه سما فقتلوه; خشية أن يخرج الأمر من أيديهم، ويمنعهم الأموال. والله أعلم.
وفي هذه السنة غزا عمر بن الوليد بن هشام المعيطي، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة.
وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الجزيرة، فسار إليها.
وفيها حمل يزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز من العراق; أرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة وقد كان أظهر الامتناع مع موسى بن وجيه، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا
أحب مثلهم.
فلما دخل على عمر طالبه بما قبله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده، فقال إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك، ولم يكن بيني وبين سليمان شيء، وقد عرفت مكانتي عنده. فقال له عمر: لا أسمع منك هذا، ولست أطلقك حتى تؤدي أموال المسلمين. وأمر بسجنه.
وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي عوضه وقدم ولد يزيد بن المهلب مخلد بن يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد من على هذه الأمة بولايتك عليها فلا نكونن أشقى الناس بك، فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم بما تصالحني عنه؟ فقال عمر: لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة عليه بما تقول وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه. فقال: لا آخذ منه إلا جميع ما عنده، فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر، فلم يلبث أن مات مخلد، فكان عمر يقول: هو خير من أبيه.
ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلب جبة من صوف، ويركب على بعير ويذهبوا إلى جزيرة دهلك التي كان ينفى إليها الفساق، فشفعوا فيه، فرده إلى السجن، فلم يزل به حتى مرض عمر مرضه الذي مات فيه، فهرب
من السجن وهو مريض، وعلم أنه يموت في مرضه ذلك، وبذلك كتب إليه، كما سيأتي، وأظنه كان عالما أن عمر قد سقي سما.
وفي هذه السنة، في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان بعد سنة وخمسة أشهر; وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارا منها. فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية.
فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ولم يبعثه جابيا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج.
وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ويبين لهم الحق، ويوضحه لهم، ويعظهم فيما بينه وبينهم ويخوفهم بأس الله وانتقامه فكان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري:
أما بعد، فكن عبدا لله ناصحا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس وحقه عليك أعظم، ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعي، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق; فإن الله لا تخفى عليه خافية ولا تذهبن عن الله مذهبا; فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال.
وقال البخاري في " صحيحه ": وكتب عمر إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص.
** [بدو دعوة بني العباس] **
وفي هذه السنة كان بدو دعوة بني العباس
وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وكان مقيما بأرض الشراة بعث من جهته رجلا يقال له: ميسرة. إلى العراق وأرسل طائفة أخرى وهم; محمد بن خنيس وأبو عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال إبراهيم بن سلمة إلى خراسان وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي قبل أن يعزل في رمضان وأمرهم بالدعاء إليه، وإلى أهل بيته فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب منهم إلى ميسرة، الذي بالعراق فبعث بها إلى محمد بن علي ففرح بها واستبشر وسره وكان مبادئ أمر قد كتب الله إتمامه وأول رأي قد أحكم الله إبرامه،
وذلك أن دولة بني أمية قد بان عليها مخايل الوهن والضعف، ولا سيما بعد موت عمر بن عبد العزيز كما سيأتي بيانه. وقد اختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيبا وهم; سليمان بن كثير الخزاعي ولاهز بن قريظ التميمي وقحطبة بن شبيب الطائي وموسى بن كعب التميمي وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني عمرو بن شيبان بن ذهب والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى لآل أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي وطلحة بن زريق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة وعيسى ابن أعين مولى خزاعة أيضا. واختار منهم سبعين رجلا أيضا. وكتب إليهم محمد بن علي كتابا يكون مثالا وسيرة يقتدون بها ويسيرون بها.
وقد حج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم نائب المدينة. والنواب على الأمصار هم المذكورون في التي قبلها سوى من ذكرنا ممن عزل وتولى غيره. والله أعلم.
ولم يحج عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته لشغله بالأمور، ولكنه كان يبرد البريد إلى المدينة فيقول له: سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عني. وسيأتي بإسناده إن شاء الله.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان
### $ سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي أخو زياد وعبد الله وعبيد الله وعمران ومسلم، وهو تابعي جليل روى عن ثوبان وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير وغيرهم، وعنه قتادة والأعمش وآخرون وكان ثقة نبيلا جليلا، توفي في هذه السنة على المشهور. ### $ أبو أمامة بن سهل بن حنيف
الأنصاري الأوسي المدني ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وحدث عن أبيه وعمر وعثمان وزيد بن ثابت ومعاوية وابن عباس. وعنه الزهري وأبو حازم وجماعة. قال الزهري: كان من علية الأنصار وعلمائهم ومن أبناء الذين شهدوا بدرا. وقال يوسف بن الماجشون عن عتبة بن مسلم قال: آخر خرجة خرجها عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الجمعة، حصبه الناس وحالوا بينه وبين الصلاة فصلى بالناس يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف. قالوا: توفي سنة مائة. والله أعلم.
### $ أبو الزاهرية حدير بن كريب الحمصي
تابعي جليل سمع أبا أمامة صدى بن عجلان وعبد الله بن بسر ويقال أنه أدرك أبا الدرداء. والصحيح أن روايته عنه وعن حذيفة مرسلة، وقد حدث عنه جماعة من أهل بلده وقد وثقه ابن معين وغيره. ومن أغرب ما روي عنه قول قتيبة: ثنا شهاب بن خراش عن حميد بن أبي الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس فجاءت السدنة، فأغلقوا علي الباب، فما انتبهت إلا بتسبيح الملائكة فوثبت مذعورا، فإذا الملائكة صفوف; فدخلت معهم في الصف. قال أبو عبيد، وغيره: مات سنة مائة. ### $ أبو الطفيل عامر بن واثلة
ابن عبد الله بن عمرو الليثي الكناني صحابي وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وفاة بالإجماع روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه يستلم الركن بمحجنه وذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وحدث عنه الزهري وقتادة وعمرو بن دينار وأبو الزبير وجماعة من التابعين. وكان من أنصار
علي بن أبي طالب شهد معه حروبه كلها لكن نقم بعضهم عليه كونه كان مع المختار بن أبي عبيد ويقال: إنه كان حامل رايته. وقد روي أنه دخل على معاوية فقال له: ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليا؟ فقال: ثكل العجوز المقلات والشيخ الرقوب. قال: كيف حبك له؟ قال: حب أم موسى لموسى وإلى الله أشكو التقصير. قيل: إنه أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين ومات سنة مائة. وقيل: سنة سبع ومائة. وقيل: سنة عشر ومائة. فالله أعلم. قال مسلم بن الحجاج: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقا ومات سنة مائة. ### $ أبو عثمان النهدي
واسمه عبد الرحمن بن مل البصري، أدرك الجاهلية وحج في زمن الجاهلية مرتين، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأدى في زمانه الزكاة ثلاث سنين إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم; ومثل هذا يسميه أئمة الحديث مخضرما. وهاجر إلى المدينة في زمان عمر بن الخطاب فسمع منه ومن علي وابن مسعود وخلق من الصحابة وصحب سلمان الفارسي ثنتي عشرة سنة حتى دفنه. وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، منهم أيوب وحميد الطويل وسليمان بن طرخان التيمي. وقال عاصم الأحول: سمعته يقول: أدركت في الجاهلية يغوث; صنما من رصاص يحمل على جمل أجرد،
فإذا بلغ واديا برك فيه فيقولون: قد رضى ربكم لكم هذا الوادي فينزلون فيه. قال: وسمعته وقد قيل له: أدركت النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم أسلمت على عهده وأديت إليه الزكاة ثلاث مرات ولم ألقه وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء ونهاوند وتستر وأذربيجان ورستم. وقال غيره: كان البشير إلى عمر في فتح نهاوند. قالوا: وكان أبو عثمان صواما قواما; يسرد الصوم ويقوم الليل لا يتركه وكان يصلي حتى يغشى عليه. وحج ستين مرة ما بين حجة وعمرة. قال سليمان التيمي: إني لأحسبه لا يصيب ذنبا; لأنه كان ليله قائما ونهاره صائما. وقال بعضهم: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: أتت علي ثلاثون ومائة سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي فإني أجده كما هو. وقال ثابت البناني عن أبي عثمان قال: إني لأعلم حين يذكرني الله عز وجل. قال: فنقول له: من أين تعلم ذلك؟ فيقول: قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] فإذا ذكرت الله ذكرني. قال: وكنا إذا دعونا الله قال: والله لقد استجاب الله لنا قال الله تعالى:
{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] قالوا: وعاش مائة وثلاثين سنة. وقيل: وأربعين سنة. قاله هشيم وغيره. قال المدائني وغيره: توفي سنة مائة. وقال الفلاس: توفي سنة خمس وتسعين. والصحيح سنة مائة. والله أعلم.
وفيها توفي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وكان يفضل على والده في العبادة والانقطاع عن الناس، وله كلمات حسان مع أبيه ووعظه إياه.