John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

ثم دخلت سنة ثنتين ومائة

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 165 of 840

ففيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، وذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط واستخلف عليها ابنه معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب حتى بلغ مكانا يقال له: العقر. وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، وقد التقت المقدمتان أولا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فكشفوهم، فهزموهم، وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، وكان شجاعا مشهورا، وكان من موالي بكر بن وائل: فقال في ذلك الفرزدق:

تبكي على المنتوف بكر بن وائل ... وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما

فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، وهذا الرجل هو أول الجهمية، وهو الذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى، فقال الجعد:

نبكي على المنتوف في نصر قومه ... ولسنا نبكي الشائدين أباهما

أراد فناء الحي بكر بن وائل ... فعز تميم لو أصيب فناهما

فلا لقيا روحا من الله ساعة ... ولا رقأت عينا شجي بكاهما

أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما ... وقد لقيا بالغش فينا رداهما

ولما اقترب مسلمة، وابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب خطب يزيد بن المهلب الناس، وحرضهم على القتال يعني على قتال أهل الشام وكان مع يزيد نحو من مائة ألف وعشرين ألفا قد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن لا تطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفنا قاتلناه.

وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشد النهي، وذلك لما وقع من الشر الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب ذلك من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطب الناس، ويعظهم في ذلك، ويحرضهم على الكف، فبلغ

ذلك نائب البصرة مروان بن المهلب، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد والجهاد والنفير إلى القتال، ثم قال: ولقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي ولم يسمه يثبط الناس عنا، أما والله ليكفن عن ذلك، أو لأفعلن ولأفعلن، وتوعد الحسن، فلما بلغ الحسن قوله، قال: أما والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه. فسلمه الله منه حتى زالت دولتهم، وذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا، ولم تنشب الحرب شديدا، فلم يثبت أهل العراق حتى فروا سريعا، وبلغهم أن الجسر الذي جاءوا عليه قد حرق فانهزموا، فقال يزيد بن المهلب ما بال الناس؟ ولم يكن من الأمر ما يفر من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر قد حرق. فقال: قبحهم الله.

ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه ذلك، فثبت في عصابة من أصحابه، وجعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة منهم قليلة، وهو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم، وأهل الشام ينحازون عنه يمينا وشمالا، وقد قتل قبله أخوه حبيب بن المهلب فازداد حنقا وغضبا، وهو على فرس له أشهب، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلب، وقتلوا

السميدع، وكان من الشجعان، وكان الذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له: القحل بن عياش. فقتل إلى جانب يزيد بن المهلب، وجاءوا برأس يزيد بن المهلب إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، واستحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب، وأسر منهم نحوا من ثلاثمائة، فبعث بهم إلى الكوفة، وبعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتاب يزيد أمير المؤمنين بقتلهم، وسار مسلمة فنزل الحيرة.

ولما انتهت هزيمة يزيد بن المهلب إلى ابنه معاوية، وهو بواسط، عمد إلى نحو من ثلاثين أسيرا في يده فقتلهم ; منهم عدي بن أرطاة رحمه الله، وابنه، ومالك، وعبد الملك ابنا مسمع، وجماعة من الأشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائن من الأموال، وجاء عمه المفضل بن المهلب، فاجتمع آل المهلب بالبصرة، فأعدوا السفن، وتجهزوا أتم الجهاز، واستعدوا للهرب، فساروا بعيالهم وأثقالهم، فلم يزالوا سائرين، حتى أتوا جبال كرمان فنزلوها، واجتمع عليهم جماعة ممن فل ممن كان مع يزيد بن المهلب،

وقد أمروا عليهم المفضل بن المهلب، فأرسل مسلمة بن عبد الملك جيشا، عليهم هلال بن أحوز المازني في طلب آل المهلب، ويقال: إنهم أمروا عليهم رجلا يقال له: مدرك بن ضب الكلبي. فلحقهم بجبال كرمان فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، فقتل جماعة من أصحاب المفضل، وأسر جماعة من أشرافهم، وانهزم بقيتهم، ثم لحقوا المفضل فقتلوه، وحمل رأسه إلى مسلمة بن عبد الملك وأقبل جماعة من أصحاب يزيد بن المهلب فأخذوا لهم أمانا من أمير الشام ; منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم أرسلوا بالأثقال والأموال والنساء والذرية فوردت على مسلمة بن عبد الملك ومعهم رأس المفضل، ورأس عبد الملك ابني المهلب، فبعث مسلمة بالرءوس، وتسعة من الصبيان الأحداث الحسان إلى أخيه يزيد، فأمر بضرب أعناق أولئك، ونصبت رءوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنصبت بها، وحلف مسلمة بن عبد الملك ليبيعن ذراري آل المهلب، فاشتراهم بعض الأمراء إبرارا لقسمه بمائة ألف، فأعتقهم وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئا.

وقد رثا الشعراء يزيد بن المهلب بقصائد ذكرها ابن جرير.

** [ولاية مسلمة على بلاد العراق وخراسان] **

وذلك أنه لما فرغ من حرب آل المهلب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك بولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فاستناب على الكوفة وعلى البصرة، وبعث على خراسان ختنه زوج ابنته سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، الملقب بخذينة، فسار إليها فحرض أهلها على الصبر والشجاعة، وعاقب عمالا ممن كان ينوب ليزيد بن المهلب، وأخذ منهم أموالا جزيلة، ومات بعضهم تحت العقوبة.

** [ذكر وقعة جرت بين الترك والمسلمين] **

وذلك أن خاقان الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشا إلى الصغد لقتال المسلمين، عليهم رجل منهم يقال له: كورصول. فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي فحصره وفيه خلق من المسلمين، فصالحهم نائب سمرقند وهو عثمان بن عبد الله بن مطرف على أربعين ألفا، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان ببعض الطريق خطب الناس، فحثهم على القتال، وأخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم، ويرجع عنه بعضهم، حتى

بقي في سبعمائة مقاتل، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك، وهم محاصرو ذلك القصر، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبح أولادهم أمامهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان - وقت السحر كبر وكبر أصحابه، وقد جعلوا شعارهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعقروا دواب كثيرة، ونهض إليهم الترك، فقاتلوهم قتالا شديدا، حتى فر أكثر المسلمين، وضربت دابة المسيب في عجزها فترجل عنها، وترجل معه الشجعان، فقاتلوا، وهم كذلك قتالا عظيما، والتفت الجماعة بالمسيب، وصبروا حتى فتح الله عليهم، وفر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شيء، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادى منادي المسيب: أن لا تتبعوا أحدا منهم، وعليكم بالقصر وأهله. فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة، وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين، وجاءت الترك من الغد إلى القصر فلم يجدوا به داعيا ولا مجيبا، فقالوا فيما بينهم: هؤلاء الذين لقونا بالأمس لم يكونوا إنسا، إنما كانوا جنا. ثم غزا سعيد الملقب خذينة أمير خراسان بلاد الصغد وذلك لأنهم أعانوا الكفار على المسلمين في هذه

الغزوة التي ذكرناها، فسار إليهم فقاتلهم قتالا شديدا حتى نصره الله عليهم، وولوا مدبرين، وأخذ منهم أموالا جزيلة، وقبض ما وجد لهم من الأموال والحواصل.

وفيها عزل أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة عن إمرة العراق وخراسان، وذلك لأنه كان يصرف أموال الغنيمة فيما يريد، ولم يصرف إلى أخيه يزيد شيئا في هذه المدة، وطمع في أخيه فعزله عنها، وولى عليها بدله عمر بن هبيرة على العراق وخراسان.

وحج بالناس فيها أمير المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

### $ وفيها توفي:

عدي بن أرطاة

الفزاري، نائب عمر بن عبد العزيز على البصرة وهو الذي قبض على يزيد بن المهلب وبعث به مقيدا إلى عمر بن عبد العزيز فلما قدم عليه أمر بسجنه، فلما مرض عمر هرب من السجن، فلما توفي عمر ظهر يزيد بن المهلب ونصب رايات سودا، وطلب البصرة وملكها، وجرت له فصول قد ذكرها ابن جرير ثم إن معاوية بن يزيد بن المهلب لما بلغه قتل أبيه أخرج عدي بن أرطاة هذا من الحبس وقتله، وقتل معه جماعة نحو ثلاثين إنسانا. ### $ يزيد بن المهلب

كان من الشجعان المشهورين، وله فتوحات كثيرة،

وكان جوادا ممدحا، له أخبار في الكرم والشجاعة، وآخر أمره أنه قتل، وقتل من إخوته وأولاده جماعة، وأخذت أمواله ونساؤه وأولاده، وزال ما كان فيه، وقد كانوا نحو ثمانين نفسا آل المهلب بن أبي صفرة، وقد جمعوا شيئا كثيرا من الأموال والجواهر، فما أفادهم ذلك شيئا بل سلبوا ذلك جميعه.

قال: وممن توفي فيها من الأعيان والسادة ### $ الضحاك بن مزاحم الهلالي

أبو القاسم ويقال: أبو محمد الخراساني، كان يكون ببلخ وسمرقند ونيسابور، وهو تابعي جليل، روى عن أنس، وابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة، وجماعة من التابعين، وقيل: إنه لم يصح له سماع من الصحابة حتى ولا من ابن عباس، وإن كان قد روي عنه أنه جاوره سبع سنين.

وكان الضحاك إماما في التفسير، قال الثوري: خذوا التفسير عن أربعة ; مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك. وقال الإمام أحمد: هو ثقة مأمون. وقال ابن معين، وأبو زرعة: وهو ثقة. وأنكر شعبة

سماعه من ابن عباس، وقال: إنما أخذ عن سعيد عنه. وقال ابن سعيد القطان: كان ضعيفا.

وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: لم يشافه أحدا من الصحابة، ومن قال: إنه لقي ابن عباس فقد وهم.

وحملت به أمه سنتين، ووضعته وله أسنان، وكان يعلم الصبيان حسبة، وقيل: إنه كان في مكتبه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارا، ويدور من العلياء عليهم. وقيل: إنه مات سنة خمس - وقيل: سنة ست - ومائة. وقد بلغ الثمانين. والله أعلم. ### $ أبو المتوكل علي بن داود الناجي

تابعي جليل، ثقة، رفيع القدر.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com