Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 188 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا رزق الله بن موسى، ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ثنا عبد الملك بن زيد، عن مصعب بن مصعب، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة» وكذا رواه أبو يعلى في " مسنده " عن أبي كريب عن ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد بن سعيد بن نفيل، عن مصعب بن مصعب عن الزهري به. قلت: وهذا حديث غريب منكر ومصعب بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري تكلم فيه، وضعفه علي بن الحسين بن الجنيد وكذا تكلم في الراوي عنه أيضا. والله أعلم.
وفيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة من بلاد الروم وفي ربيع الآخر منها توفي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان.
** [ذكر وفاته وترجمته رحمه الله] **
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي، أمير المؤمنين. وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي وكانت داره بدمشق عند باب الخواصين وبعضها اليوم مدرسة نور الدين الشهيد التي يقال لها: النورية الكبيرة. وتعرف بدار القبابين يعني الذين يبيعون القباب. وهي الخيام، والله أعلم. وقد بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه إليه، وذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وكان له من العمر يومئذ أربع وثلاثون سنة، وكان جميلا أبيض أحول، يخضب بالسواد، وهو الرابع من ولد عبد الملك لصلبه الذين ولوا الخلافة، وقد كان عبد الملك رأى في المنام كأنه بال في المحراب أربع مرات، فدس إلى سعيد بن المسيب من سأله عنها، ففسرها له بأنه يلي الخلافة من ولده أربعة، فوقع ذلك، فكان هشام آخرهم، وكان في خلافته حازم الرأي، جماعا للأموال يبخل، وكان ذكيا مدبرا، له بصر بالأمور جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وأناة، شتم مرة رجلا من الأشراف، فقال: أتشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيا وقال: اقتص مني بدلها. أو قال: بمثلها. فقال: إذن أكون سفيها مثلك. قال: فخذ عوضا منها. قال: لا أفعل. قال: فاتركها لله.
قال: هي لله، ثم لك. فقال هشام عند ذلك: والله لا أعود إلى مثلها.
وقال الأصمعي: أسمع رجل هشاما كلاما، فقال له: أتقول لي مثل هذا وأنا خليفتك؟
وغضب مرة على رجل، فقال له: اسكت وإلا ضربتك سوطا.
وكان علي بن الحسين قد اقترض من مروان بن الحكم مالا ; أربعة آلاف دينار، فلم يتعرض له أحد من بني مروان حتى استخلف هشام فقال: ما فعل حقنا قبلك؟ قال: موفور مشكور. فقال: هو لك.
وكان هشام من أكره الناس لسفك الدماء، ولقد دخل عليه من مقتل زيد بن علي وابنه يحيى أمر شديد، وقال: وددت أني افتديتهما بجميع ما أملك.
وقال المدائني عن رجل من غني، عن بشر مولى هشام قال: أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط. فقال: اكسرو الطنبور على رأسه
وقرنه. فبكى الشيخ. قال بشر: فضربه، فقلت له وأنا أعزيه: عليك بالصبر.
فقال: أتراني أبكي للضرب، إنما أبكي لاحتقاره البربط حتى سماه طنبورا.
قال: وأغلظ لهشام رجل يوما في الكلام فقال: ليس لك أن تقول هذا لإمامك.
قال: وتفقد أحد ولده يوم الجمعة، فبعث إليه: ما لك لم تشهد الجمعة؟ فقال: إن بغلتي عجزت عني. فبعث إليه: أما كان يمكنك المشي. ومنعه أن يركب سنة.
وذكر المدائني أن رجلا أهدى إلى هشام طيرين، فأوردهما السفير إلى هشام وهو جالس على سرير في وسط داره، فقال له: أرسلهما في الدار. فأرسلهما، ثم قال: جائزتي يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك! وما جائزتك على هدية طيرين؟ خذ أحدهما. فجعل الرجل يسعى خلف أحدهما، فقال: ويحك! ما لك؟ فقال: أختار أجودهما. قال: وتختار أيضا الجيد وتترك الرديء؟ ثم أمر له بأربعين أو خمسين درهما.
وذكر المدائني، عن قحذم كاتب يوسف بن عمر قال: بعثني يوسف إلى هشام بياقوتة حمراء ولؤلؤة كانتا لرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري
مشترى الياقوتة ثلاثة وسبعون ألف دينار. قال: فدخلت عليه وهو على سرير فوقه فرش لم أر رأس هشام من علو تلك الفرش، فأوردتها له، فقال: كم زنتهما؟ فقلت: إن مثل هذه لا مثل لها. فسكت.
قالوا: ورأى قوما يفرطون الزيتون، فقال: القطوه لقطا، ولا تنفضوه نفضا، فتفقأ عيونه وتنكسر غصونه.
وكان يقول: ثلاثة لا يضعن الشريف ; تعاهد الصنيعة، وإصلاح المعيشة، وطلب الحق وإن قل.
وقال أبو بكر الخرائطي: يقال: إن هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كل ما فيه عليك مقال
وقد روي له شعر غير هذا.
وقال المدائني، عن وسنان الأعرجي حدثني ابن أبي نحيلة، عن عقال بن شبة قال: دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى
خراسان 72، ثم جعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قباء فنك أخضر قبل أن تلي الخلافة، فجعلت أتأمل هذا ; أهو ذاك أم غيره؟ قال: هو والله الذي لا إله غيره ذاك، ما لي قباء غيره، وأما ما ترون من جمعي لهذا المال وصونه فإنه لكم. قال عقال: وكان هشام محشوا عقلا.
وقال عبد الله بن علي عم السفاح: جمعت دواوين بني أمية فلم أر أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام.
وقال المدائني، عن غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد نظرا في أمر أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام.
وهو الذي قتل غيلان القدري ولما أحضر بين يديه قال له: ويحك! قل ما عندك، إن كان حقا اتبعناه، وإن كان باطلا رجعت عنه. فناظره ميمون بن مهران فقال لميمون: أشاء الله أن يعصى؟ فقال له ميمون: أيعصى الله كارها؟ فسكت غيلان، فقيده حينئذ هشام وقتله.
وقال الأصمعي، عن أبي الزناد، عن منذر بن أبي ثور قال: أصبنا في خزائن هشام اثني عشر ألف قميص، كلها قد أثر بها.
وشكى هشام إلى أبيه ثلاثا ; إحداها أنه يهاب الصعود على المنبر، والثانية، قلة تناول الطعام، والثالثة، أن عنده في القصر مائة جارية لا يكاد يصل إلى واحدة منهن. فكتب إليه أبوه: أما صعودك على المنبر فإذا علوت فوقه فارم ببصرك إلى مؤخر الناس فإنه أهون عليك، وأما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الألوان، فلعلك أن تتناول من كل لون لقمة، وعليك بكل بيضاء بضة ذات جمال وحسن.
وقال أبو عبد الله الشافعي: لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال: أحب أن أخلو بها يوما لا يأتيني فيه خبر غم. فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور فقال: ولا يوما واحدا؟ ورويت هذه الحكاية من وجه آخر، وأنه لم يمكث بعد ذلك إلا شهرا واحدا.
وقال سفيان بن عيينة: كان هشام لا يكتب إليه بكتاب فيه ذكر الموت.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا حسين بن
زيد، عن شهاب بن عبد ربه، عن عمر بن علي قال: مشيت مع محمد بن علي - يعني ابن الحسين بن علي بن أبي طالب - إلى داره عند الحمام، فقلت له: إنه قد طال ملك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين سنة، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون. فقال: ما أدري ما أحاديث الناس، ولكن أبي حدثني، عن أبيه، عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يعمر الله ملكا في أمة نبي مضى قبله ما بلغ ذلك النبي من العمر في أمته» فإن الله عمر نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ليس حديث فيه توقيت غير هذا، قرأه يحيى بن معين على كتابي فقال: من حدثك به؟ فقلت: إبراهيم. فتلهف؟ أن لا يكون سمعه. وقد رواه ابن جرير في " تاريخه " عن أحمد بن زهير، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي.
وروى مسلم بن إبراهيم، ثنا القاسم بن الفضل، حدثني عياذ بن المغراء العتكي، عن عاصم بن المنذر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، أنه سمع عليا يقول: هلاك ملك بني أمية على يد رجل أحول. يعني هشاما.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، عن عمر بن أبي معاذ النميري عن أبيه،
عن عمرو بن كليع، عن سالم كاتب هشام بن عبد الملك قال: خرج علينا يوما هشام وعليه كآبة، وقد ظهر عليه الحزن، فاستدعى الأبرش بن الوليد فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك هكذا؟ فقال: ما لي لا أكون وقد زعم أهل العلم بالنجوم أني أموت إلى ثلاث وثلاثين من يومي هذا. قال: فكتبنا ذلك، فلما كان آخر ليلة من ذلك جاءني رسوله في الليل يقول: أحضر معك دواء للذبحة، وكانت قد أصابته قبل ذلك فاستعمل منه فعوفي، فذهبت إليه ومعي ذلك الدواء، فتناوله وهو في وجع شديد، واستمر فيه عامة الليل، ثم قال: يا سالم اذهب إلى منزلك فقد وجدت خفة، وذر الدواء عندي. فذهبت، فما هو إلا أن وصلت إلى منزلي حتى سمعت الصياح عليه، فإذا هو قد مات.
وذكر غيره أن هشاما نظر إلى أولاده وهم يبكون حوله، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
ولما مات جاءت الخزنة فختموا على حواصله، وأرادوا تسخين الماء، فلم يقدروا له على قمقم، حتى استعاروا له. وكان نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم.
وكانت وفاته بالرصافة يوم الأربعاء لست بقين من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن بضع وخمسين سنة، وقيل: إنه جاوز الستين. وصلى
عليه الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي ولي الخلافة بعده، وكانت خلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يوما. وقيل: وثمانية أشهر وأيام. فالله أعلم.
وقال ابن أبي فديك: ثنا عبد الملك بن زيد، عن مصعب عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة» قال ابن أبي فديك: زينتها نور الإسلام وبهجته. وقال غيره: يعني الرجال. والله أعلم.
قلت: لما مات هشام تولى ملك بني أمية واضطرب أمرهم جدا، وإن كان قد تأخرت أيامهم بعده نحوا من سبع سنين، ولكن في اختلاف وهيج، وما زالوا حتى خرجت عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم وملكهم، وقتلوا منهم خلقا، وسلبوهم الخلافة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذلك مبسوطا مقررا في مواضعه.
** [خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك] **
الفاسق، قبحه الله وأبعده.
قال الواقدي، والمدائني: بويع له بالخلافة يوم مات عمه هشام بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومائة.
وقال هشام بن الكلبي: بويع له يوم السبت في ربيع الآخر. وكان عمره إذ ذاك أربعا وثلاثين سنة. وكان سبب ولايته أن أباه يزيد بن عبد الملك كان قد جعل الأمر من بعده لأخيه هشام ثم من بعده لولده الوليد هذا، فلما ولي هشام أكرم ابن أخيه الوليد حتى ظهر عليه أمر الشراب وخلطاء السوء ومجالس اللهو، فأراد هشام أن يقطع ذلك عنه، فأمره على الحج سنة ست عشرة ومائة، فأخذ معه كلاب الصيد خفية من عمه، فيقال: إنه جعلها في صناديق، فسقط منها صندوق فيه كلب، فسمع صوته، فأحالوا ذلك على الجمال، فضرب على ذلك.
قالوا: واصطنع الوليد قبة على قدر الكعبة ومن عزمه أن ينصب تلك القبة فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك، واستصحب معه الخمور وغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه من الجلوس فوق ظهر الكعبة ; خوفا من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك، فلما تحقق عمه ذلك منه نهاه مرارا، فلم ينته، واستمر على حاله القبيح، وعلى فعله الرديء، فعزم عمه على خلعه من الخلافة - وليته فعل - وأن يولي بعده مسلمة بن هشام وأجابه إلى ذلك جماعة من الأمراء، ومن أخواله، ومن أهل المدينة ومن غيرهم، وليت ذلك تم، ولكن لم ينتظم حتى قال هشام يوما للوليد: ويحك! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا، فإنك ما تدع شيئا من المنكرات إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر. فكتب إليه الوليد:
يا أيها السائل عن ديننا ... ديني على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد بن يزيد وأنا أريد أن أرقيك إلى الخلافة؟ وبعثه على الموسم سنه تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة
يا أيها السائل عن ديننا ... ديني على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر
ووقعت بين هشام وبين الوليد بن يزيد وحشة عظيمة بسبب تعاطي الوليد ما كان يتعاطاه من الفواحش والمنكرات، فتنكر له هشام وعزم على خلعه وتولية ولده مسلمة ولاية العهد، ففر منه الوليد إلى الصحراء، وجعلا يتراسلان بأقبح المراسلات، وجعل هشام يتوعده وعيدا شديدا ويتهدده، ولم يزل كذلك حتى مات هشام، والوليد في البرية، فلما كانت الليلة التي قدم في صبيحتها عليه البرد بالخلافة ; قلق الوليد تلك الليلة قلقا شديدا، وقال لبعض أصحابه: ويحك! قد أخذني الليلة قلق عظيم، فاركب لعلنا ننبسط، فسارا ميلين يتكلمان في هشام وما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد والوعيد، ثم رأيا من بعد رهجا وأصواتا وغبارا، ثم انكشف ذلك عن برد يقصدونه بالولاية، فقال لصاحبه: ويحك! إن هذه رسل هشام اللهم أعطنا خيرها. فلما اقتربت البرد منه وتبينوه ترجلوا إلى الأرض، وجاءوا فسلموا عليه بالخلافة، فبهت وقال: ويحكم! أمات هشام؟ قالوا: نعم. قال: فمن بعثكم؟ قالوا: سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. وأعطوه الكتاب فقرأه، ثم سألهم عن أحوال الناس، وكيف مات عمه هشام فأخبروه، فكتب من فوره بالاحتياط على أموال هشام وحواصله بالرصافة وقال:
ليت هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبعا
كلناه بالصاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا
وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحله الفرقان لي أجمعا
ثم سار إلى دمشق، واستعمل العمال، وجاءته البيعة من الآفاق، وجاءته الوفود، وكتب إليه مروان بن محمد - وهو إذ ذاك نائب إرمينية وأذربيجان - يبارك له في خلافة الله له على عباده والتمكين في بلاده، ويهنئه بموت هشام وظفره به، والتحكم في أمواله وحواصله، ويذكر له أنه جدد البيعة له في بلاده، وأنهم فرحوا واستبشروا بذلك، ولولا خوفه من الثغر لاستناب عليه وركب بنفسه إليه، شوقا إلى رؤيته، ورغبة في مشافهته، ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادي الرأي، وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان، لكل إنسان خادما، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف لعيالات المسلمين، وزاد في أعطيات الناس، ولا سيما أهل الشام والوفود، وكان كريما ممدحا شاعرا مجيدا، لا يسأل شيئا قط فيقول: لا. ومن شعره في ذلك قوله يمدح نفسه بالكرم:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة ... وأعطية مني إليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به تكتب الكتاب شهرا وتطبع
وفي هذه السنة عقد الوليد البيعة لابنه الحكم ثم عثمان على أن يكونا وليي العهد من بعده، وبعث البيعة إلى يوسف بن عمر أمير العراق وخراسان فأرسلها إلى نائب خراسان نصر بن سيار، فخطب بذلك نصر خطبة عظيمة بليغة طويلة ساقها ابن جرير بكمالها. واستوسق للوليد الممالك في المشارق والمغارب، وأخذت البيعة لولديه من بعده في الآفاق، وكتب الوليد إلى نصر بن سيار بالاستقلال بولاية خراسان، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فسأله أن يرد إليه ولاية خراسان، فردها إليه كما كانت في أيام هشام وأن يكون نصر بن سيار ونوابه من تحت يده، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يستوفده إلى أمير المؤمنين بأهله وعياله، وأن يكثر من استصحاب الهدايا والتحف، فحمل نصر بن سيار ألف مملوك على الخيل، وألف وصيفة، وشيئا كثيرا من أباريق الفضة والذهب، وغير ذلك من التحف، وكتب إليه الوليد يستحثه سريعا، ويطلب منه أن يحمل معه طنابير وبرابط ومغنيات وبازات وبراذين فرها، وغير ذلك من آلات الطرب والفسق، فكره الناس ذلك منه وكرهوه، وقال المنجمون لنصر بن سيار: إن الفتنة قريبا ستقع بالشام. فجعل يتثاقل في سيره، فلما أن كان ببعض الطريق جاءته البرد، فأخبروه بأن الخليفة الوليد قد قتل، وهاجت الفتنة العظيمة في الناس بالشام فعدل بما معه إلى بعض المدن، فأقام بها، وبلغه أن يوسف بن عمر قد هرب من العراق واضطربت الأمور، وذلك بسبب قتل الخليفة على ما سنذكره، وبالله المستعان.
وفي هذه السنة ولى الوليد يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ولاية المدينة ومكة والطائف وأمره أن يقيم إبراهيم، ومحمدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مهانين لكونهما خالي هشام ثم يبعث بهما إلى يوسف بن عمر نائب العراق فبعثهما إليه، فما زال يعذبهما حتى ماتا، وأخذ منهما أموالا كثيرة.
وفي هذه السنة ولى يوسف بن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري قضاء المدينة.
وفيها بعث الوليد بن يزيد إلى أهل قبرس جيشا مع أخيه، وقال: خيرهم فمن شاء أن يتحول إلى الشام، ومن شاء أن يتحول إلى الروم. فكان منهم من اختار جوار المسلمين بالشام ومنهم من انتقل إلى بلاد الروم.
قال ابن جرير: وفيها قدم سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قريظ، وقحطبة بن شبيب مكة فلقوا - في قول أهل السير - محمد بن علي فأخبروه بقصة أبي مسلم فقال: أحر هو أم عبد؟ فقالوا: أما هو فيزعم أنه حر، وأما مولاه فيزعم أنه عبد. فاشتروه فأعتقوه، ودفعوا إلى محمد بن
علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألفا، وقال لهم: لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا، فإن مت فإن صاحبكم إبراهيم بن محمد - يعني ابنه - فإنه ابني، فأوصيكم به. ومات محمد بن علي في مستهل ذي القعدة في هذه السنة بعد أبيه علي بسبع سنين.
وفيها قتل يحيى بن يزيد بن علي بخراسان. وحج بالناس فيها يوسف بن محمد الثقفي أمير مكة والمدينة والطائف، وأمير العراق يوسف بن عمر، وأمير خراسان نصر بن سيار، وهو في همة الوفود إلى الوليد بن يزيد أمير المؤمنين بما معه من الهدايا والتحف، فقتل الوليد قبل أن يجتمع به.
** [ممن توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ محمد بن علي
بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو عبد الله المدني، وهو أبو السفاح والمنصور روى عن أبيه وجده وسعيد بن جبير وجماعة، وحدث عنه جماعة، منهم ابناه الخليفتان أبو العباس عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وقد كان عبد الله بن محمد ابن الحنفية أوصى إليه بالأمر من بعده، وكان عنده علم بالأخبار، فبشره بأن الخلافة ستكون في ولده، فدعا إلى نفسه في سنة سبع وثمانين، ولم يزل أمره يتزايد حتى توفي في هذه السنة، وقيل: في التي قبلها. وقيل: في التي بعدها. عن ثلاث وستين سنة، وكان من أحسن الناس شكلا، فأوصى بالأمر من بعده لولده
إبراهيم فما أبرم الأمر إلا لولده السفاح، فاستلب من بني أمية الأمر في سنة ثنتين وثلاثين، كما سيأتي تفصيل ذلك. ### $ وأما يحيى بن زيد
بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فإنه لما قتل أبوه زيد في سنة إحدى وعشرين ومائة، لم يزل يحيى مختفيا في خراسان عند الحريش بن عمرو بن داود ببلخ حتى مات هشام بن عبد الملك فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يخبره بأمر يحيى بن زيد فكتب نصر بن سيار إلى نائب بلخ عقيل بن معقل العجلي فأحضر الحريش فعاقبه ستمائة سوط، فلم يدل عليه، وجاء ولد الحريش فدلهم عليه، فحبس، فكتب نصر بن سيار إلى يوسف بذلك، فبعث إلى الوليد بن يزيد يخبره بذلك، فكتب الوليد إلى نصر بن سيار يأمره بإطلاقه من السجن، وإرساله إليه صحبة أصحابه، ويجهزهم إليه فأطلقهم وأطلق لهم وجهزهم، فساروا إلى دمشق، فلما كانوا ببعض الطريق توسم نصر منه غدرا، فبعث إليه جيشا عشرة آلاف، فكسرهم يحيى بن زيد وإن ما معه سبعون رجلا، وقتل أميرهم، واستلب منهم أموالا كثيرة، ثم جاء جيش آخر، فقتلوه واحتزوا رأسه، وقتلوا جميع أصحابه، رحمهم الله.