John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 195 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

في المحرم منها جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود والفرسان، وابن هبيرة مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة في خلق كثير وجم غفير، وقد أمده مروان بجنود كثيرة، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش ابن ضبارة ثم إن قحطبة عدل إلى الكوفة ليأخذها، فاتبعه ابن هبيرة، فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان مضين من المحرم اقتتلوا قتالا شديدا، وكثر القتل في الفريقين، وولى أهل الشام منهزمين، واتبعهم أهل خراسان، وفقد قحطبة من الناس، فأخبرهم رجل أنه قتل، وأنه أوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن، ولم يكن الحسن حاضرا، فبايعوا حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وذهب البريد إلى الحسن ليحضر، وقتل في هذه الليلة جماعة من سادات الأمراء، والذي قتل قحطبة معن بن زائدة، ويحيى بن حصين. وقيل: بل قتله رجل ممن كان معه آخذا بثأر بني نصر بن سيار. فالله أعلم. ووجد قحطبة في القتلى، فدفن هنالك، وسار الحسن بن قحطبة نحو الكوفة، وقد خرج بها محمد بن خالد بن عبد الله القسري، ودعا إلى بني العباس وسود، وكان خروجه ليلة عاشوراء في المحرم من هذه السنة، وأخرج عاملها من جهة ابن هبيرة، وهو زياد بن صالح الحارثي وتحول محمد بن خالد إلى قصر الإمارة، فقصده حوثرة في عشرين ألفا من جهة ابن هبيرة، فلما اقترب حوثرة من الكوفة

جعل أصحابه يذهبون إلى محمد بن خالد فيبايعونه لبني العباس، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط. ويقال: بل دخل الحسن بن قحطبة الكوفة، وكان قحطبة قد جعل في وصيته أن تكون وزارة الخلافة إلى أبي سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع الكوفي الخلال وهو بالكوفة فلما قدموا عليه أشار أن يذهب الحسن بن قحطبة في جماعة من الأمراء إلى قتال ابن هبيرة بواسط، وأن يذهب أخوه حميد إلى المدائن وبعث البعوث إلى كل جانب من تلك النواحي يفتتحونها، وفتحوا البصرة، افتتحها سلم بن قتيبة لابن هبيرة، فلما قتل ابن هبيرة - كما سيأتي تفصيله - جاء أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي فأخذ البصرة لأبي مسلم الخراساني.

وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر منها، أخذت البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الملقب بالسفاح. قاله أبو معشر وهشام بن الكلبي. وقال الواقدي: في جمادى الأولى من هذه السنة كانت خلافة السفاح. فالله أعلم.

** [ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام] **

قد ذكرنا في سنة تسع وعشرين ومائة أن مروان اطلع على كتاب من إبراهيم

الإمام إلى أبي مسلم الخراساني يأمره فيه بأن لا يبقي أحدا بأرض خراسان ممن يتكلم بالعربية إلا أباده، فلما وقف مروان على ذلك سأل عن إبراهيم فقيل له: هو بالبلقاء. فكتب إلى نائب دمشق أن يحضره، وبعث رسولا في ذلك ومعه صفته ونعته، فذهب الرسول، فوجد أخاه أبا العباس السفاح فاعتقد أنه هو، فأخذه فقيل له: إنه ليس به، وإنما هو أخوه. فدل على إبراهيم فأخذه وذهب معه بأم ولد له يحبها، وأوصى إلى أهله أن يكون الخليفة من بعده أخوه أبو العباس السفاح وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، فارتحلوا من فورهم إليها، وكانوا جماعة، منهم أعمامه الستة، وهم عبد الله، وداود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الصمد بنو علي وأخواه أبو العباس عبد الله، ويحيى ابنا محمد بن علي وابناه محمد، وعبد الوهاب ابنا إبراهيم الإمام الممسوك وخلق سواهم، فلما دخلوا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من القواد والأمراء، ثم ارتحل بهم بعد ذلك إلى موضع آخر، حتى فتحت البلاد، ثم بويع للسفاح.

وأما إبراهيم بن محمد الإمام فإنه سير به إلى أمير المؤمنين في ذلك الزمان مروان بن محمد وهو بحران فحبسه كما قدمنا، وما زال في السجن إلى هذه

السنة، فمات في صفر منها في السجن، عن ثمان وأربعين سنة. وقيل: إنه غم بمرفقة وضعت على وجهه حتى مات عن إحدى وخمسين سنة، وصلى عليه رجل يقال له: مهلهل بن صفوان. وقيل: إنه هدم عليه بيت حتى مات. وقيل: بل سقي لبنا مسموما فمات. وقيل: إن إبراهيم الإمام شهد الموسم عام إحدى وثلاثين، واشتهر أمره هنالك ; لأنه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، وحرمة وافرة، فأنهى أمره إلى مروان وقيل له: إن أبا مسلم إنما يدعو الناس إلى هذا، ويسمونه الخليفة. فبعث إليه في المحرم من سنة ثنتين وثلاثين، وقتله في صفر من هذه السنة. وهذا أصح مما تقدم. وقيل: إنه إنما أخذ من الكوفة لا من حميمة البلقاء. فالله أعلم.

وقد كان إبراهيم هذا كريما جوادا ممدحا، له فضائل وفواضل، روى الحديث عن أبيه وجده وأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وعنه أخواه عبد الله أبو العباس السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وأبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، ومالك بن الهيثم ومن كلامه الحسن قوله: الكامل المروءة من أحرز دينه، ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه.

** [خلافة أبي العباس السفاح] **

لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد أراد أبو سلمة الخلال أن يحول الخلافة إلى آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فغلبه بقية النقباء والأمراء على أمره، وأحضروا أبا العباس السفاح وسلموا عليه بالخلافة، وذلك بالكوفة وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة، وكان أول من سلم عليه بالخلافة أبو سلمة الخلال، وذلك ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقت صلاة الجمعة خرج أبو العباس السفاح على برذون أبلق، والجنود ملبسة معه، حتى دخل دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد، فصلى بالناس، ثم صعد المنبر، وبايعه الناس يومئذ وهو على المنبر في أعلاه، وعمه داود بن علي واقف دونه بثلاث درج، وتكلم السفاح وكان أول ما نطق به أن قال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، واشتقنا من نبعته، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، فقال تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] . وقال: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] .

وقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] . وقال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى} [الحشر: 7] . فأعلمهم الله عز وجل فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا ; تكرمة لنا، وفضلة علينا، والله ذو الفضل العظيم، وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم، بم ولم أيها الناس؟ ! وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وأتم النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولي نصرنا والقيام بأمرنا ; ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله، يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا،

وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا، فأنا السفاح الهائج، والثائر المبير.

وكان به وعك، فاشتد عليه حتى جلس على المنبر، ونهض عمه داود فقال: الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا، أيها الناس، الآن انقشعت حنادس الظلمات، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم ; أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم، أيها الناس، إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا لنحفر نهرا، ولا لنبني قصرا، وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، ولسوء سيرة بني أمية فيكم، واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم، فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبا تبا لبني أمية وبني مروان آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد، التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة

المعاصي، وركضوا في ميادين الغي ; جهلا باستدراج الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان وقد غره بالله الغرور، وأرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه، أظن عدو الله أن لن نقدر عليه؟ ! فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا، أيها الناس، إن أمير المؤمنين - نصره الله نصرا عزيزا - إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه، شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها، الشاب المتكهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقى. قال: فعج الناس له بالدعاء، ثم قال: واعلموا يا أهل الكوفة أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد هذا - وأشار بيده إلى السفاح - واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم عليه السلام، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس، وداود حتى دخلا القصر. ثم دخل الناس

يبايعون إلى العصر، ثم من بعد العصر إلى الليل.

ثم إن أبا العباس خرج فعسكر بظاهر الكوفة، واستخلف عليها عمه داود بن علي، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام هو بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية في قصر الإمارة، وقد تنكر لأبي سلمة الخلال وذلك لما كان بلغه عنه من العدول بالخلافة عن بني العباس إلى آل علي بن أبي طالب. والله سبحانه وتعالى أعلم.

** [ذكر مقتل مروان بن محمد بن مروان] **

آخر خلفاء بني أمية وتحول الخلافة إلى بني العباس وذلك من قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} [آل عمران: 26] .

قد ذكرنا أن مروان لما بلغه ما جرى بأرض خراسان من أمر أبي مسلم وأتباعه، تحول من حران، فنزل على نهر قريب من الموصل يقال له: الزاب. من أرض الجزيرة، ثم لما بلغه أن السفاح قد بويع له بالكوفة والتف عليه الجنود، واجتمع له أمره، اشتد عليه ذلك جدا، وجمع جنوده، فتقدم إليه أبو عون بن يزيد في جيش كثيف، فنازله على الزاب، وجاءته الأمداد من جهة السفاح ثم ندب السفاح الناس من يلي القتال من أهل بيته، فانتدب عمه عبد الله بن علي فقال: سر على بركة الله. فسار في جنود كثيرة، فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه له وما فيه، وجعل عبد الله بن علي على شرطته حياش بن حبيب الطائي وعلى حرسه نصير بن المحتفز ووجه أبو العباس، موسى بن كعب في ثلاثين رجلا على البريد إلى عبد الله بن علي يحثه على مناجزة مروان والمبادرة إلى قتاله ونزاله، فتقدم عبد الله بن

علي بمن معه حتى واجه جيش مروان ونهض مروان في جنوده وأصحابه، وتصاف الفريقان في أول النهار، ويقال: إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفا. وقيل: مائة وعشرون ألفا. وكان عبد الله بن علي في عشرين ألفا. فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا، كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقال مروان لأهل الشام: قفوا، لا تبدءوهم بقتال. وجعل ينظر إلى الشمس، فخالفه الوليد بن معاوية بن مروان - وهو ختن مروان على ابنته - فحمل، فغضب مروان وشتمه، فقاتل أهل الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي فقال موسى بن كعب، لعبد الله بن علي: مر الناس فلينزلوا. فنودي: الأرض. فنزل الناس وأشرعوا الرماح، وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون، وجعل عبد الله يمشي قدما وهو يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم، يا محمد، يا منصور. واشتد القتال بين الناس جدا، فأرسل مروان إلى قضاعة يأمرهم بالنزول، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. وأرسل إلى السكاسك أن احملوا. فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السكون أن احملوا. فقالوا: قل لغطفان

فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: لا والله لا أجعل نفسي غرضا. قال: أما والله لأسوءنك. قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك. ويقال: إنه قال ذلك لابن هبيرة.

قالوا: ثم انهزم أهل الشام واتبعهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل، وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وقد أمر عبد الله بن علي بعقد الجسر، واستخراج من هلك من الغرقى، وجعل يتلو قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] . وأقام عبد الله بن علي في موضع المعركة سبعة أيام، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان وفراره يومئذ:

لج الفرار بمروان فقلت له ... عاد الظلوم ظليما همه الهرب

أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت ... عنك الهوينى فلا دين ولا حسب

فراشة الحلم فرعون العقاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب

واحتاز عبد الله ما كان في معسكر مروان من الأموال والأمتعة والحواصل، ولم يجد فيه امرأة سوى جارية كانت لعبد الله بن مروان وكتب إلى أمير المؤمنين أبي العباس السفاح يخبره بما فتح الله عليه من النصر، وما حصل لهم من الأموال ; فصلى السفاح ركعتين شكرا لله عز وجل، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين، وجعل يتلو قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود} [البقرة: 249] الآية [البقرة: 249] .

** [صفة مقتل مروان الحمار] **

لما انهزم مروان من المعركة سار لا يلوي على أحد، فأقام عبد الله بن علي في مكان المعركة سبعة أيام، ثم سار في طلبه بمن معه من الجنود، وذلك عن أمر السفاح له بذلك، فلما مر مروان بحران اجتاز بها، وأخرج أبا محمد السفياني من سجنه، واستخلف عليها أبان بن يزيد وهو ابن أخيه وزوج ابنته أم عثمان، فلما قدم عبد الله بن علي حران خرج إليه أبان بن يزيد مسودا، فأمنه عبد الله بن علي وأقره على عمله، وهدم الدار التي سجن فيها إبراهيم بن محمد الإمام واجتاز مروان بقنسرين قاصدا إلى حمص، فلما جاءها خرج إليه أهلها بالأسواق، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص منها، فلما رأوا قلة من معه اتبعوه ; طمعا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم. فأدركوه بواد عند حمص، فأكمن لهم أميرين، فلما تلاحقوا بمروان عطف عليهم، فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا إلا مقاتلته، فثار القتال بينهم، وثار الكمينان من ورائهم، فانهزم الحمصيون، وجاء مروان إلى دمشق وعلى نيابتها من جهته زوج ابنته أم الوليد، وهو الوليد بن معاوية بن مروان، فتركه بها، واجتاز عنها قاصدا إلى الديار المصرية، وجعل عبد الله بن علي لا يمر ببلد إلا خرجوا وقد سودوا، فيبايعونه ويعطيهم الأمان، ولما وصل إلى قنسرين وصل إليه أخوه عبد الصمد بن علي

في أربعة آلاف، وقد بعثهم السفاح مددا له، ثم سار عبد الله حتى أتى حمص، ثم سار منها إلى بعلبك، وجاء دمشق من ناحية المزة فنزل بها يومين، ثم جاءه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مددا من السفاح فنزل صالح بمرج عذراء، ولما جاء عبد الله بن علي دمشق نزل على الباب الشرقي، ونزل صالح بن علي على باب الجابية، ونزل أبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد، ويحيى بن صفوان، والعباس بن يزيد على باب الفراديس فحاصروها أياما، ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا كثيرا، وأباحها ثلاث ساعات، وهدم سورها، ويقال: إن أهلها لما حاصرهم عبد الله بن علي اختلفوا فيما بينهم، ما بين عباسي وأموي، حتى اقتتلوا، فقتل بعضهم بعضا، وقتلوا نائبهم، ثم سلموا البلد، وكان أول من صعد السور من ناحية الباب الشرقي رجل يقال له: عبد الله الطائي. ومن ناحية الباب الصغير بسام بن إبراهيم، ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل: إنه قتل بها في هذه المدة نحوا من خمسين ألفا.

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبيد الله بن الحسن الأعرج من ولد جعفر بن أبي طالب وكان أميرا على خمسة آلاف مع عبد الله بن علي في حصار دمشق، أنهم أقاموا محاصريها خمسة أشهر، وقيل: مائة يوم. وقيل: شهرا ونصفا. وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصينا

عظيما، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية، وكان ذلك سبب الفتح، حتى إنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين، حتى في المسجد الجامع منبرين وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين، وهذا من عجيب ما وقع، وغريب ما اتفق، وفظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية، نسأل الله السلامة والعافية. وقد بسط ذلك الحافظ في الترجمة المذكورة.

وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال: كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف ثلاث ساعات من النهار، وجعل مسجد جامعها سبعين يوما إصطبلا لدوابه وجماله، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمة، وكان يوجد في القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك، فإنه وجده صحيحا لم يبل منه غير أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وهو ميت، وصلبه أياما، ثم أحرقه بالنار، ودق رماده، ثم ذراه في الريح، وذلك أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن علي - حين كان قد اتهمه بقتل ولد له صغير - سبعمائة سوط، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء. قال: ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين نفسا عند نهر بالرملة وبسط عليهم الأنطاع، ومد عليهم سماطا،

فأكل وهم يختلجون تحته، وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة، فما زالوا يزنون بها، ثم قتلوها.

وقد استدعى بالأوزاعي فأوقف بين يديه، فقال له: يا أبا عمرو ما تقول في هذا الذي صنعنا؟ قال له: لا أدري، غير أنه قد حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» فذكر الحديث. قال الأوزاعي: وانتظرت رأسي يسقط بين رجلي، ثم أخرجت، وبعث إلي بمائة دينار.

وأقام بها عبد الله بن علي خمسة عشر يوما ثم سار وراء مروان فنزل على نهر الكسوة، ووجه يحيى بن جعفر الهاشمي نائبا على دمشق، ثم ارتحل إلى الأردن فأتوه وقد سودوا، ثم سار إلى بيسان، ثم سار فنزل مرج الروم ثم أتى نهر أبي فطرس، فوجد مروان قد هرب فدخل الديار المصرية، وجاءه كتاب

السفاح أن وجه صالح بن علي في طلب مروان ويقيم هو بالشام نائبا عليها، فسار صالح في طلب مروان في ذي القعدة من هذه السنة، ومعه أبو عون، وعامر بن إسماعيل فنزل على ساحل البحر، وجمع ما هناك من السفن، وبلغه أن مروان قد نزل الفرما، فجعل يسير على الساحل والسفن تقاد معه في البحر حتى أتى العريش ثم سار حتى نزل على النيل ثم سار إلى الصعيد، فعبر مروان النيل، وقطع الجسر وحرق ما حوله من العلف والطعام، ومضى صالح في طلبه، فالتقى بخيل لمروان فهزمهم، ثم جعل كلما التقوا مع خيل لمروان يهزمونهم، حتى سألوا بعض من أسروا عن مروان فدلوهم عليه، وإذا به في كنيسة بوصير، فوافوه من آخر الليل، فانهزم من معه من الجند، وخرج إليهم مروان في نفر يسير، فأحاطوا به حتى قتلوه ; طعنه رجل من أهل البصرة يقال له: مغود. ولا يعرفه، حتى قال رجل: صرع أمير المؤمنين. فابتدر إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتز رأسه، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السرية إلى أبي عون فبعث به أبو عون إلى صالح بن علي فبعث به صالح مع رجل يقال له: خزيمة بن يزيد بن هانئ. كان على شرطته، إلى أمير المؤمنين السفاح.

وكان مقتل مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وقيل: يوم الخميس لست بقين منها سنة ثنتين وثلاثين ومائة، فكانت خلافته خمس

سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، على المشهور، واختلفوا في سنه يوم قتل ; فقيل: أربعون سنة. وقيل: ست - وقيل: ثمان - وخمسون سنة. وقيل: ستون. وقيل: اثنتان - وقيل: ثلاث. وقيل: تسع - وستون سنة. وقيل: ثمانون. والله أعلم.

ثم إن صالح بن علي سار إلى الشام، واستخلف على مصر أبا عون بن يزيد.

** [شيء من ترجمة مروان الحمار] **

وهذا شيء من ترجمة مروان الحمار

هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي أبو عبد الملك، أمير المؤمنين آخر خلفاء بني أمية، وأمه أمة كردية يقال لها: لبابة. وكانت لإبراهيم بن الأشتر النخعي أخذها محمد بن مروان يوم قتله، فاستولدها مروان هذا، ويقال: إنها كانت أولا لمصعب بن الزبير. وقد كانت دار مروان هذا في سوق الأكافين. قاله الحافظ ابن عساكر.

بويع له بالخلافة بعد قتل الوليد بن يزيد، وبعد موت يزيد بن الوليد ثم قدم دمشق كما ذكرنا، وخلع إبراهيم بن الوليد، واستتب له الأمر في النصف من صفر سنة سبع وعشرين ومائة.

وقال أبو معشر: بويع له بالخلافة في ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومائة، وكان يقال له: مروان الجعدي، نسبة إلى رأي الجعد بن درهم، ويلقب بالحمار، وهو آخر من ملك من بني أمية كانت خلافته منذ سلم إليه إبراهيم بن الوليد إلى أن بويع للسفاح خمس سنين وشهرا، وبقي مروان بعد بيعة السفاح تسعة أشهر.

وكان أبيض مشربا، أزرق العينين، كبير اللحية، ضخم الهامة، ربعة، ولم يكن يخضب. ولاه هشام نيابة أذربيجان وإرمينية والجزيرة في سنة أربع عشرة ومائة، ففتح بلادا كثيرة وحصونا متعددة في سنين كثيرة، وكان لا يفارق الغزو، قاتل طوائف من الناس والترك والخزر واللان وغيرهم، فكسرهم وقهرهم، وقد كان شجاعا، بطلا مقداما، حازم الرأي، ولكن من يخذل الله يخذل.

قال الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله: كان بنو أمية يرون أنه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أمه أمة، فلما وليها مروان بن محمد كانت أمه أمة، فأخذت الخلافة من يده في سنة ثنتين وثلاثين ومائة لأبي العباس السفاح.

وقد قال الحافظ ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن، أنا سهل بن بشر، أنا الخليل بن هبة الله بن الخليل، أنا عبد الوهاب الكلابي، حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين، أنا العباس بن الوليد بن صبح، ثنا عباس بن نجيح أبو الحارث، حدثني الهيثم بن حميد، حدثني راشد بن داود، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال الخلافة في بني أمية يتلقفونها تلقف الغلمان الأكرة، فإذا خرجت منهم فلا خير في عيش» . هكذا أورده ابن عساكر وسكت عليه، وهو منكر جدا.

وقد سأل الرشيد أبا بكر بن عياش: من خير الخلفاء ; نحن أم بنو أمية؟ فقال: هم كانوا أنفع للناس، وأنتم أقوم بالصلاة. فأعطاه ستة آلاف.

قالوا: وقد كان مروان كثير المروءة، كثير العجب، يعجبه اللهو والطرب، ولكنه كان يشتغل عن ذلك بالحرب.

قال ابن عساكر: قرأت بخط أبي الحسين علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الأمير في مجموع له: كتب مروان بن محمد إلى جارية له تركها بالرملة عند انزعاجه إلى مصر منهزما:

وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى ... فآبى ويدنيني الذي لك في صدري

وكان عزيزا أن تبيتي وبيننا ... حجاب فقد أمسيت مني على عشر

وأنكاهما والله للقلب فاعلمي ... إذا زدت مثليها فصرت على شهر

وأعظم من هذين والله أنني ... أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر

سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر

وقال بعضهم: اجتاز مروان وهو هارب براهب، فاطلع عليه الراهب، فسلم عليه، فقال له: يا راهب، هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم، عندي من تلونه ألوان. قال: هل تبلغ الدنيا من الإنسان أن تجعله مملوكا؟ قال: نعم. قال: كيف؟ قال: تحبها؟ قال: نعم. قال: فأنت مملوك لها. قال: فما السبيل في العتق؟ قال: بغضها والتخلي عنها. قال: هذا ما لا يكون. قال الراهب: أما تخليها منك فسيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك. قال: هل تعرفني؟ قال: نعم، أنت ملك العرب مروان تقتل في بلاد السودان وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت في طلبك، لدللتك على موضع هربك.

قال بعض أهل ذلك الزمان: كان يقال: يقتل ع بن ع بن ع بن ع م بن م بن م. يعنون يقتل عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس مروان بن محمد بن مروان.

وقال بعضهم: جلس مروان يوما وقد أحيط به، وعلى رأسه خادم له

قائم، فقال مروان يوما لبعض من يخاطبه: ألا ترى ما نحن فيه؟ لهفي على أيد ما ذكرت، ونعم ما شكرت، ودولة ما نصرت. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر، وأخر فعل اليوم لغد، حل به أكثر من هذا. فقال مروان: هذا القول أشد علي من فقد الخلافة.

وقد قيل: إن مروان قتل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وقد جاوز الستين، وبلغ الثمانين. وقيل: إنما عاش أربعين سنة. والصحيح الأول، وهو آخر خلفاء بني أمية به انقضت دولتهم.

** [ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وابتداء دولة بني العباس من الأخبار النبوية وغيرها] **

قال العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا» . ورواه الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا بنحوه.

وروى ابن لهيعة، عن أبي قبيل عن ابن موهب أنه كان عند معاوية فدخل عليه مروان بن الحكم، فكلمه في حاجة، فقال: اقض حاجتي فإني لأبو عشرة، وعم عشرة وأخو عشرة. فلما أدبر مروان قال معاوية، لابن عباس وهو معه على السرير: أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم. قال: وذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: أنشدك بالله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال: " أبو الجبابرة الأربعة "؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم.»

وقال أبو داود الطيالسى: حدثنا القاسم بن الفضل، ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: يا مسود وجوه المؤمنين. فقال الحسن: لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك، فنزلت: {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] . وهو نهر في الجنة، ونزلت: {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 1]

[القدر: 1 - 3] يملكه بنو أمية. قال: فحسبنا ذلك، فإذا هو كما قال، لا يزيد يوما ولا ينقص.» وقد رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة، وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد ويقال: يوسف بن مازن. رجل مجهول، ولا يعرف هذا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " من حديث القاسم بن الفضل الحداني، وقد تكلمت على نكارة هذا الحديث في " التفسير " بكلام مبسوط، ولله الحمد والمنة، وإنما يتجه أن يكون دولة بني أمية ألف شهر، إذا أسقط منها أيام عبد الله بن الزبير، وذلك أن معاوية بويع له مستقلا بالملك في سنة أربعين، وهي عام الجماعة حين سلم إليه الحسن بن علي الأمر بعد ستة أشهر من قتل علي ثم زالت الخلافة عن بني أمية في هذه السنة، أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وذلك ثنتان وتسعون سنة، وإذا أسقط منها تسع سنين بقي ثلاث وثمانون سنة، وهي مقاربة لما ورد في هذا الحديث، ولكن ليس هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا، وإنما هذا من بعض الرواة، وقد تكلمنا على ذلك مطولا في " التفسير "، وتقدم في الدلائل أيضا تقريره. والله أعلم.

وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت بني أمية يصعدون منبري، فشق ذلك علي، فأنزلت: " إنا أنزلناه في ليلة القدر ".» فيه ضعف وإرسال.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين، ثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: رأى ناسا من بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي دنيا يعطونها. فسري عنه.

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع قال: «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فلانا، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشق ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} [الأنبياء: 111] يقول: هذا الملك فتنة لكم ومتاع إلى حين» .

وقال مالك بن دينار سمعت أبا الجوزاء يقول: والله ليغيرن الله ملك

بني أمية كما غير ملك من كان قبلهم، ثم قرأ قوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140] فيه ضعف وإرسال.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو أسامة، ثنا عمر بن حمزة أخبرني عمر بن سيف، مولى لعثمان بن عفان قال: سمعت سعيد بن المسيب وهو يقول لأبي بكر بن عبد الرحمن، ولأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة - وذكروا بني أمية - فقال: لا يكون هلاكهم إلا بينهم. قالوا: كيف؟ قال: يهلك خلفاؤهم، ويبقى شرارهم، فيتنافسونها، ثم يكثر الناس عليهم فيهلكونهم.

وقال يعقوب بن سفيان: أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي، ثنا الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في النوم بني الحكم - أو بني أبي العاص - ينزون على منبري كما تنزو القردة. قال: فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي.»

قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني، عن

أبي الحسن، هو الحمصي، عن عمرو بن مرة، وكانت له صحبة، قال: «جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف كلامه، فقال: ائذنوا له، حية أو ولد حية، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظمون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق» .

وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد، أنبأ محمد بن المظفر الحافظ، أنبأ أبو القاسم عامر بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقي، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاس، ثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد مولى أم الحكم بنت عبد العزيز، أخت عمر بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث الصنعاني، عن ثوبان قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما واضعا رأسه على فخذ أم حبيبة بنت أبي سفيان فنحب ثم تبسم، فقالوا: يا رسول الله، رأيناك نحبت ثم تبسمت. فقال: رأيت بني مروان يتعاورون على منبري، فساءني ذلك، ثم رأيت بني العباس يتعاورون على منبري، فسرني ذلك» .

وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس، ثنا الوليد بن

مسلم، حدثني أبو عبد الله، عن الوليد بن هشام المعيطي، عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال: قدم ابن عباس على معاوية وأنا حاضر، فأجازه فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس، هل تكون لكم دولة؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. قال: نعم. قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم نطحات.

وقال المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، سمعت ابن عباس يقول: يكون منا ثلاثة أهل البيت: السفاح، والمنصور، والمهدي. رواه البيهقي من غير وجه. ورواه الأعمش، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا.

وروى ابن أبي خيثمة عن ابن معين، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: كما افتتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا. وهذا إسناد صحيح إليه، وكذا وقع ويقع إن شاء الله.

وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له: السفاح. يعطي المال حثيا» .

وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن

أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقتتل عند كنزكم هذه ثلاثة، كلهم ولد خليفة، لا تصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من خراسان، فيقتلونكم مقتلة لم ير مثلها - ثم ذكر شيئا - فإذا كان ذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» . ورواه بعضهم عن ثوبان فوقفه، وهو أشبه. والله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن غيلان، وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا رشدين بن سعد، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة هو ابن ذؤيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخرج من خراسان رايات سود، لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء» . وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث رشدين بن سعد المصري وهو ضعيف. ثم قال: وقد روي قريب من هذا عن كعب الأحبار، وهو أشبه.

ثم قال من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محدث، عن أبي المغيرة عبد القدوس عن ابن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار

وعدو لهم.

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل عن ابن أبي أويس عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: «فيكم النبوة وفيكم المملكة» .

وقال عبد الله بن أحمد: عن ابن معين، عن عبيد بن أبي قرة، عن الليث، عن أبي قبيل، عن أبي ميسرة مولى العباس، قال: سمعت العباس يقول «كنت: عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: انظر هل ترى في السماء من شيء؟ قلت: نعم. قال: ما ترى؟ قلت: الثريا. قال: أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك» . قال البخاري: عبيد بن أبي قرة لا يتابع على حديثه.

وروى ابن عدي من طريق سويد بن سعيد، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: «مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل وأنا أظنه دحية الكلبي فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لوسخ الثياب، وسيلبس ولده من بعده السواد.» وهذا منكر من هذا الوجه، ولا شك أن شعار بني العباس كان السواد، وأخذوا ذلك من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه

عمامة سوداء، فتيمنوا بذلك، وجعلوه شعارهم في الجمع والخطب والأعياد والمحافل، وكذلك كان جندهم لا بد أن يكون على أحدهم شيء من السواد، ومن ذلك ما يلبسه الملوك للأمراء حين يخلع عليهم بالإمرة، لا بد وأن يلبس شيئا من السواد وهو الشربوش، وكذلك دخل عبد الله بن علي يوم دخل دمشق وهو لابس السواد، فجعل النساء والصبيان يعجبون من لباسه، وكان دخوله من باب كيسان، وقد خطب بالناس يوم الجمعة وصلى بهم وعليه السواد.

وقد روى الحافظ ابن عساكر عن بعض الخراسانيين قال: لما خطب بالناس عبد الله بن علي بدمشق وتقدم بالناس فصلى ; صلى رجل إلى جانبي، فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ثم قال، ونظر إلى عبد الله بن علي: ما أقبح وجهك وأشنع سوادك! وما زال السواد شعارهم إلى يومك هذا، كما يلبسه الخطباء يوم الجمعة.

** [ذكر استقلال أبي العباس الملقب بالسفاح وما اعتمده في أيامه من السيرة الحسنة والعدالة التامة] **

ذكر استقلال أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح، وما اعتمده في أيامه من السيرة الحسنة والعدالة التامة.

قد تقدم أنه بويع له بالخلافة أول ما بويع بها بالكوفة يوم الجمعة الثاني عشر

من ربيع الآخر - وقيل: الأول - من هذه السنة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ثم جرد الجيوش نحو مروان الحمار فطردوه من ممالكه وأجلوه عنها، وما زالوا وراءه حتى قتلوه ببوصير من بلاد الصعيد بالديار المصرية، في العشر الأخيرة من ذي الحجة من هذه السنة، على ما تقدم بيانه وتفصيله وبسطه، وحينئذ استقل بالخلافة السفاح، واستقرت يده على بلاد العراق وخراسان والحجاز والشام والديار المصرية، لكن لم يحكم على بلاد الأندلس ولا على بلاد المغرب ; وذلك لأن بعض من دخل من بني أمية إليها استحوذ عليها، كما سيأتي بيانه.

وقد خرج على السفاح في هذه السنة طوائف، فمنهم أهل قنسرين بعدما بايعوه على يدي عبد الله بن علي وأقر عليهم أميرهم، وهو أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي وكان من أصحاب مروان وأمرائه، فخلع السفاح ولبس البياض، وحمل أهل البلد على ذلك فوافقوه، وكان السفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن علي مشغول بالبلقاء يقاتل بها حبيب بن مرة المري ومن وافقه من أهل البلقاء والبثنية وحوران على خلع السفاح وبيض، فلما بلغه عن أهل قنسرين ما فعلوا صالح حبيب بن مرة وركب نحو قنسرين، فلما اجتاز بدمشق - وكان بها أهله وثقله - استخلف عليها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف، فلما جاوز البلد، وانتهى إلى حمص نهض أهل دمشق مع رجل يقال له: عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة. فخلعوا

السفاح وبيضوا، وقاتلوا أبا غانم فهزموه، وقتلوا جماعة من أصحابه، وانتهبوا ثقل عبد الله بن علي وحواصله، ولم يتعرضوا لأهله، وتفاقم الأمر على عبد الله بن علي، وذلك أن أهل قنسرين تراسلوا مع أهل حمص وتدمر، واجتمعوا على أبي محمد السفياني، وهو أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فبايعوه عليهم بالخلافة، وقام معه نحو من أربعين ألفا، فقصدهم عبد الله بن علي فالتقوا بمرج الأخرم، فقدم عبد الله بن علي أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف من الفرسان بين يديه، فاقتتلوا مع مقدمة السفياني، وعليها أبو الورد، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزموا عبد الصمد، وقتل من الفريقين ألوف، فتقدم إليهم عبد الله بن علي ومعه حميد بن قحطبة بمن معه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل أصحاب عبد الله يفرون وهو ثابت هو وحميد، وما زال حتى هزم أصحاب أبي الورد، وثبت أبو الورد في خمسمائة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد السفياني ومن معه حتى لحقوا بتدمر وآمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوا ورجعوا إلى الطاعة، ثم كر راجعا إلى أهل دمشق، وقد بلغه ما صنعوا، فلما دنا منها تفرقوا عنها وهربوا منها، ولم يكن بينهم وبينه قتال، فأمنهم ودخلوا في الطاعة وسودوا ; موافقة للخليفة، وكان ذلك شعار السمع والطاعة، وأما أبو محمد السفياني، فإنه ما زال متغيبا مشتتا من بلد إلى بلد حتى لحق بأرض الحجاز فقاتله نائب أبي جعفر المنصور في أيامه، فقتله وبعث برأسه وبابنين له أخذهما أسيرين فأطلقهما أبو جعفر المنصور، وخلى

سبيلهما. وقد قيل: إن وقعة أبي محمد السفياني كانت يوم الثلاثاء آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فالله أعلم.

وممن خلع السفاح أيضا أهل الجزيرة ; حين بلغهم أن أهل قنسرين خلعوا، وافقوهم وبيضوا، وركبوا إلى نائب حران من جهة السفاح - وهو موسى بن كعب - وكان في ثلاثة آلاف قد اعتصم بالبلد، فحاصروه قريبا من شهرين، ثم بعث السفاح أخاه أبا جعفر المنصور فيمن كان بواسط محاصري ابن هبيرة فمر في مسيره إلى حران بقرقيسيا وقد بيضوا، فغلقوا أبوابها دونه، ثم مر بالرقة وعليها بكار بن مسلم وهم كذلك، ثم جاء حران وعليها إسحاق بن مسلم فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونها، فرحل إسحاق عنها إلى الرها، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من جند حران، فتلقوا أبا جعفر ودخلوا في جيشه، وقدم بكار بن مسلم على أخيه إسحاق بن مسلم بالرها فوجهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيسهم حروري يقال له: بريكة. فصاروا حزبا واحدا، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة في المعركة، وهرب بكار إلى أخيه بالرها فاستخلفه بها، ومضى في عظم العسكر إلى سميساط، فخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكارا بالرها وجرت له معه وقعات، وكتب السفاح إلى عمه عبد الله بن علي أن يسير إلى سميساط، وقد اجتمع على إسحاق بن مسلم ستون ألفا من أهل

الجزيرة، فسار إليهم عبد الله بن علي، واجتمع إليه أبو جعفر المنصور فكاتبهم إسحاق وطلب منهم الأمان، فأجابوه إلى ذلك على إذن أمير المؤمنين السفاح، وولى السفاح أخاه أبا جعفر الجزيرة وأذربيجان وإرمينية، فلم يزل عليها حتى ولي الخلافة بعد أخيه. ويقال: إن إسحاق بن مسلم العقيلي إنما طلب الأمان لما تحقق أن مروان بن محمد قتل، وذلك بعد مضي سبعة أشهر وهو محاصر، وقد كان صاحبا لأبي جعفر المنصور فآمنه.

وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمر أخيه السفاح إلى أبي مسلم الخراساني وهو أميرها، ليستطلع رأيه في قتل أبي سلمة حفص بن سليمان الوزير، وكان سبب ذلك أن السفاح سمر ليلة مع أهل بيته، فتذاكروا ما كان من أمر أبي سلمة حين كان أراد أن يصرف الخلافة عن بني العباس، فسأل سائل: هل كان ذلك عن ممالأة أبي مسلم له في ذلك أم لا؟ فسكت القوم، فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه إنا لبعرض بلاء، إلا أن يدفعه الله عنا. قال أبو جعفر: فقال لي أخي: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيك. فقال: ليس أحد أخص بأبي مسلم منك، فاذهب إليه فاعلم علمه، فإن كان عن رأيه احتلنا له، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا. قال أبو جعفر: فخرجت إليه قاصدا على وجل، فلما وصلت إلى الري إذا كتاب أبي مسلم إلى نائبها يستحثني إليه في السير، فازددت وجلا، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابه يستحثني أيضا، وقال لنائبها: لا تدعه يقيم ساعة واحدة ; فإن أرضك بها خوارج. فانشرحت لذلك، فلما صرت من مرو على فرسخين، أتى يتلقاني ومعه الناس، فلما واجهني ترجل

وجاء فقبل يدي، فأمرته فركب، فلما دخلت مرو نزلت في دار، فمكث ثلاثا لا يسألني عن شيء، فلما كان في اليوم الرابع سألني: ما أقدمك؟ فأخبرته فقال: أفعلها أبو سلمة؟ ! أنا أكفيكموه. فدعا مرار بن أنس الضبي فقال: اذهب إلى الكوفة فحيث لقيت أبا سلمة فاقتله، وانته في ذلك إلى رأي الإمام. فقدم مرار الكوفة الهاشمية، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح، فلما خرج قتله مرار وشاع أن الخوارج قتلوه، وغلقت البلد، ثم صلى عليه يحيى بن محمد بن علي أخو أمير المؤمنين، ودفن بالهاشمية، وكان يقال له: وزير آل محمد. ويقال لأبي مسلم: أمير آل محمد. وقد قال الشاعر:

إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا

ويقال: إنه إنما سار أبو جعفر إلى أبي مسلم بعد مقتل أبي سلمة وإن أبا جعفر كان معه ثلاثون رجلا، منهم الحجاج بن أرطاة، وإسحاق بن الفضل الهاشمي في جماعة من السادات. ولما رجع أبو جعفر من خراسان قال لأخيه السفاح: لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا حتى تقتله. لما رأى من طاعة الجيش والأمراء له، فقال له السفاح: اكتمها. فسكت.

ولما رجع أبو جعفر من خراسان بعثه أخوه إلى حصار ابن هبيرة بواسط، فلما اجتاز بالحسن بن قحطبة أخذه معه، فلما أحيط بابن هبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن حسن ليبايع له بالخلافة، فأبطأ عليه جوابه، فمال إلى مصالحة أبي جعفر فاستأذن أبو جعفر أخاه السفاح في ذلك، فأذن له في

المصالحة، فكتب له أبو جعفر كتابا بالصلح، فمكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما. ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية، فلما دنا من سرادق أبي جعفر هم أن يدخل بفرسه، فقال الحاجب سلام: انزل أبا خالد. فنزل، وكان حول السرادق عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له في الدخول فقال: أنا ومن معي؟ قال: لا، بل أنت وحدك. فدخل ووضعت له وسادة، فجلس عليها، فحادثه أبو جعفر ساعة، ثم خرج من عنده، فأتبعه أبو جعفر بصره، ثم جعل يأتيه يوما بعد يوم في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر فقال أبو جعفر للحاجب: مره فليأت في حاشيته. فكان يأتي في ثلاثين نفسا، فقال الحاجب: كأنك تأتي متأهبا؟ فقال: لو أمرتمونا بالمشي لمشينا إليكم. ثم كان يأتيه في ثلاثة أنفس. وقد خاطب ابن هبيرة يوما لأبي جعفر فقال له في غبون كلامه: يا هناه. أو قال: يا أيها المرء. ثم اعتذر إليه بأنه قد سبق لسانه إلى ذلك، فأعذره. وقد كان السفاح كتب إلى أبي مسلم يستشيره في مصالحة ابن هبيرة فنهاه عن ذلك، وكان السفاح لا يقطع رأيا دون مراجعة أبي مسلم، فلما وقع الصلح على يدي أبي جعفر لم يعجب السفاح ذلك، وكتب إلى أبي جعفر يأمره بقتله، فراجعه أبو جعفر مرارا لا يفيد شيئا، حتى جاء كتاب السفاح إليه أن اقتله لا محالة، وأقسم عليه في ذلك. فأرسل إليه أبو جعفر طائفة فدخلوا عليه وعنده ابنه داود وفي حجره صبي له صغير، وحوله مواليه وحاجبه، فدافع عنه ابنه حتى

قتل، وقتل خلق من مواليه، وخلصوا إليه، فألقى الصبي من حجره، وخر ساجدا، فقتل وهو ساجد، واضطرب الناس، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر، وخالد بن سلمة المخزومي، وعمر بن ذر فسكن الناس، ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقتل بعضهم.

وفي هذه السنة بعث أبو مسلم محمد بن الأشعث إلى فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك.

وفيها ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد الموصل وأعمالها، وولى عمه داود بن علي مكة والمدينة واليمن واليمامة، وعزله عن الكوفة، وولى مكانه عليها عيسى بن موسى، فولى قضاءها ابن أبي ليلى وكان على نيابة البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى إرمينية وأذربيجان والجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام وأعماله عبد الله بن علي عم السفاح، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى خراسان وأعمالها أبو مسلم الخراساني، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس في هذه السنة داود بن علي.

** [ذكر من توفي فيها من الأعيان] **

### $ مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الأموي، آخر خلفاء

بني أمية، قتل في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة، كما قدمنا ذكره. ### $ ووزيره عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي الكاتب البليغ الذي يضرب به المثل، فيقال: فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان إماما في الكتابة وجميع فنونها، وهو القدوة فيها، وله رسائل في ألف ورقة، وأصله من الأنبار، ثم سكن الشام، وتعلم هذا الشأن من سالم مولى هشام بن عبد الملك، وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يكتب بين يديه، وعليه تخرج، وكان ابنه إسماعيل بن عبد الحميد ماهرا في الكتابة أيضا، وقد كان أولا يعلم الصبيان، ثم تقلبت به الأحوال حتى وزر لمروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وأخذ بعده فقتله السفاح ومثل به، وكان اللائق بمثله العفو عنه.

ومن مستجاد كلامه: العلم شجرة، ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.

ومن كلامه، ورأى رجلا يكتب خطا رديئا: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. قال الرجل: ففعلت ذلك، فجاد خطي.

وسأله رجل أن يكتب له كتابا إلى بعض الأكابر يوصيه به، فكتب إليه: حق موصل كتابي إليك كحقه علي ; إذ رآك موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد قضيت حاجته، فصدق أمله.

وكان كثيرا ما ينشد هذا البيت:

إذا جرح الكتاب كان دويهم ... قسيا وأقلام الدوي لها نبلا ### $ وأبو سلمة حفص بن سليمان أول من وزر لآل العباس، قتله أبو مسلم عن أمر السفاح بعد ولايته بأربعة أشهر، وكانت بيعة السفاح ليلة الجمعة وهي ليلة الثالث عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، فكان مقتله في رجب منها.

وكان داهية فاضلا حسن المفاكهة، وكان السفاح يأنس إليه ويحب مسامرته لطيب محاضرته، ولكن توهم ميله لآل علي فدس عليه أبو مسلم من قتله غيلة، كما تقدم، فأنشد السفاح عند ذلك:

إلى النار فليذهب ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف

، كان يقال له: وزير آل محمد. ويعرف بالخلال ; لسكناه في درب

الخلالين بالكوفة وجلوسه إليهم، وهو أول من سمي بالوزير.

وقد حكى ابن خلكان عن ابن قتيبة أن اشتقاق الوزير من الوزر، وهو الحمل، فكأن السلطان حمله أثقالا لاستناده إلى رأيه، وقال الزجاج: هو مشتق من الوزر وهو الجبل، فكأن السلطان لجأ إلى رأيه كما يلجأ الخائف إلى جبل يعتصم به. والله أعلم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com