Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[قصة موسى الكليم عليه الصلاة والسلام] — تتمة ٢
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 20 of 840
قال الله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين - قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين - وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين - سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين - والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [الأعراف: 142 - 147]
[الأعراف: 142 - 147] . قال جماعة من السلف; منهم ابن عباس، ومسروق، ومجاهد: الثلاثون ليلة هي; شهر ذي القعدة
بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة. فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر، وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه، وأقام حجته وبراهينه.
والمقصود أن موسى، عليه السلام، لما استكمل الميقات، وكان فيه صائما، يقال: إنه لم يستطعم الطعام. فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه، ليطيب ريح فمه، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى، فصارت أربعين ليلة. ولهذا ثبت في الحديث أن: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» فلما عزم على الذهاب، استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل، وهو ابن أمه وأبيه، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه، فوصاه وأمره ونهاه، وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة، قال الله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا} [الأعراف: 143] أي; في الوقت الذي أمر بالمجيء فيه، {وكلمه ربه} [الأعراف: 143] أي; كلمه الله من وراء حجاب، إلا أنه أسمعه الخطاب، فناداه وناجاه، وقربه وأدناه، وهذا مقام رفيع، ومعقل منيع، ومنصب شريف، ومنزل منيف، فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى. ولما أعطي هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية، وسمع الخطاب، سأل رفع الحجاب، فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار، القوي البرهان: {ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143] ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى; لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا، وأشد ثباتا من الإنسان، لا يثبت عند التجلي من الرحمن، ولهذا قال:
{ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143] .
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. وفي " الصحيحين "، عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حجابه النور» وفي رواية: «النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال ابن عباس، في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء; ولهذا قال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قال مجاهد: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143] فإنه أكبر منك وأشد خلقا، فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقا. وقد ذكرنا في " التفسير " ما رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه ابن جرير، والحاكم، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، زاد ابن جرير، وليث، عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: هكذا بأصبعه ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى
من الخنصر، فساخ الجبل» . لفظ ابن جرير وقال السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ما تجلى - يعني من العظمة - إلا قدر الخنصر، فجعل الجبل دكا، قال: ترابا {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] أي; مغشيا عليه. وقال قتادة: ميتا. والصحيح الأول; لقوله: {فلما أفاق} [الأعراف: 143] فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي. قال: سبحانك تنزيه، وتعظيم، وإجلال أن يراه بعظمته أحد. {تبت إليك} [الأعراف: 143] أي: فلست أسأل بعد هذا الرؤية: {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] أنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده.
وقد ثبت في " الصحيحين "، من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور» لفظ البخاري، وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري، حين قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تخيروني من بين الأنبياء» وفي
" الصحيحين "، من طريق الزهري، عن أبي سلمة، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفيه: «لا تخيروني على موسى.» وذكر تمامه. وهذا من باب الهضم والتواضع، أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية، أو ليس هذا إليكم، بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وليس ينال هذا بمجرد الرأي، بل بالتوقيف. ومن قال: إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل، ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم. ففي قوله نظر; لأن هذا من رواية أبي سعيد، وأبي هريرة، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر متأخرا، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا. والله أعلم. ولا شك أنه، صلوات الله وسلامه عليه، أفضل البشر، بل الخليقة. قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] . وما كملوا إلا بشرف نبيهم، وثبت بالتواتر عنه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون، حتى أولو العزم الأكملون; نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش - أي; آخذا بها - فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور.
» دليل على أن هذا الصعق، الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال، فيكون أولهم إفاقة محمد، خاتم الأنبياء، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء، فيجد موسى باطشا بقائمة العرش. قال الصادق المصدوق: «لا أدري أصعق، فأفاق قبلي» أي كانت صعقته خفيفة; لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق، أو جوزي بصعقة الطور، يعني فلم يصعق بالكلية، وهذا فيه شرف كبير وعلو مرتبة لموسى، عليه السلام، من هذه الحيثية، ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه; ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة; لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودي، حين قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر. قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى، عليه السلام، فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه. وقوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] أي في ذلك الزمان، لا ما قبله; لأن إبراهيم الخليل أفضل منه، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم، ولا ما بعده; لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما; كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء، وكما ثبت أنه قال: «سأقوم مقاما يرغب إلي الخلق حتى إبراهيم» وقوله تعالى: {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} [الأعراف: 144] أي; فخذ ما أعطيتك من الرسالة
والكلام، ولا تسأل زيادة عليه، وكن من الشاكرين على ذلك.
قال الله تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} [الأعراف: 145] وكانت الألواح من جوهر نفيس، ففي " الصحيح " أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ عن الآثام، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام، والحدود والأحكام، {فخذها بقوة} [الأعراف: 145] أي; بعزم ونية صادقة قوية، {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] أي، يضعوها على أحسن وجوهها، وأجمل محاملها، سأوريكم دار الفاسقين أي; ستروا عاقبة الخارجين عن طاعتي، المخالفين لأمري، المكذبين لرسلي. {سأصرف عن آياتي} [الأعراف: 146] أي; عن فهمها، وتدبرها، وتعقل معناها الذي أريد منها، ودل عليه مقتضاها، {الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} [الأعراف: 146] أي; ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق، والمعجزات، لا ينقادوا لاتباعها، {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} [الأعراف: 146] أي; لا يسلكوه، ولا يتبعوه {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 146] أي; صرفناهم عن ذلك; لتكذيبهم بآياتنا، وتغافلهم عنها، وإعراضهم عن التصديق بها، والتفكر في معناها، وترك العمل بمقتضاها، {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [الأعراف: 147] .
** [قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله موسى عليه السلام] **
قال الله تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين - ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين - ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين - قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين - إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين - والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم - ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 148 - 154]
[الأعراف: 148 - 154] .
وقال الله تعالى: {وما أعجلك عن قومك يا موسى - قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى - قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري - فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي - قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري - فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي - أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا - ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري - قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى - قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا - ألا تتبعن أفعصيت أمري - قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي - قال فما خطبك يا سامري - قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي - قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا - إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} [طه: 83 - 98]
[طه: 83 - 98] . يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل، حين ذهب موسى، عليه السلام، إلى ميقات ربه، فمكث على الطور يناجيه ربه، ويسأله موسى، عليه السلام، عن أشياء كثيرة، وهو تعالى يجيبه عنها، فعمد رجل منهم يقال له: السامري.
فأخذ ما كان استعاروه من الحلي فصاغ منه عجلا، وألقى فيه قبضة من التراب، كان أخذها من أثر فرس جبريل، حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي، ويقال: إنه استحال عجلا جسدا. أي لحما ودما، حيا يخور. قاله قتادة وغيره. وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من دبره، خرجت من فمه، فيخور كما تخور البقرة، فيرقصون حوله ويفرحون. {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] أي; فنسي موسى ربه عندنا، وذهب يتطلبه، وهو هاهنا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتقدست أسماؤه وصفاته، وتضاعفت آلاؤه وعداته. قال الله تعالى، مبينا لهم بطلان ما ذهبوا إليه، وما عولوا عليه، من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 89] وقال: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [الأعراف: 148] فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم، ولا يرد جوابا ولا يملك ضرا ولا نفعا، ولا يهدي إلى رشد، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال، {ولما سقط في أيديهم} [الأعراف: 149] أي; ندموا على ما صنعوا، {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 149] .
ولما رجع موسى، عليه السلام، إليهم، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمنة التوراة، ألقاها، فيقال: إنه كسرها. وهكذا هو عند أهل الكتاب، وإن الله أبدله غيرها. وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين. وعند أهل الكتاب، أنهما كانا لوحين. وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة، ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى، عن عبادة العجل، فأمره بمعاينة ذلك. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وابن حبان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» . ثم أقبل عليهم فعنفهم، ووبخهم، وهجنهم في صنيعهم، هذا القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح; قالوا: {إنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري} [طه: 87] تحرجوا من تملك حلي آل فرعون، وهم أهل حرب، وقد أمرهم الله بأخذه، وأباحه لهم ولم يتحرجوا بجهلهم، وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد، الذي له خوار، مع الواحد الأحد، الفرد الصمد القهار. ثم أقبل على أخيه هارون، عليهما السلام، قائلا له: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا - ألا تتبعن} [طه: 92 - 93] أي; هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا، فقال: {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} [طه: 94] أي; تركتهم وجئتني، وأنت قد استخلفتني فيهم، {قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} [الأعراف: 151] وقد كان هارون، عليه السلام،
نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي، وزجرهم عنه أتم الزجر، قال الله تعالى: {ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم} [طه: 90] أي; إنما قدر الله أمر هذا العجل، وجعله يخور فتنة واختبارا لكم. {وإن ربكم الرحمن} [طه: 90] أي; لا هذا العجل {فاتبعوني} [طه: 90] أي; فيما أقول لكم، {وأطيعوا أمري - قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} [طه: 90 - 91] يشهد الله لهارون، عليه السلام، وكفى بالله شهيدا، أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك، فلم يطيعوه ولم يتبعوه، ثم أقبل موسى، عليه السلام، على السامري {قال فما خطبك يا سامري} [طه: 95] أي; ما حملك على ما صنعت. {قال بصرت بما لم يبصروا به} [طه: 96] أي; رأيت جبرائيل، وهو راكب فرسا {فقبضت قبضة من أثر الرسول} [طه: 96] أي; من أثر فرس جبريل. وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكان كلما وطئت بحوافرها على موضع، اخضر وأعشب، فأخذ من أثر حافرها، فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب، كان من أمره ما كان، ولهذا قال: {فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي - قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} [طه: 96 - 97] وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا; معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه. هذا معاقبة له في الدنيا، ثم توعده في الأخرى فقال: {وإن لك موعدا لن تخلفه} [طه: 97] قرئ: (لن نخلفه) . {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا} [طه: 97] قال: فعمد موسى، عليه السلام، إلى هذا العجل فحرقه، قيل: بالنار. كما
قاله قتادة، وغيره. وقيل: بالمبارد. كما قاله علي، وابن عباس، وغيرهما. وهو نص أهل الكتاب. ثم ذراه في البحر، وأمر بني إسرائيل فشربوا، فمن كان من عابديه، علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه، وقيل: بل اصفرت ألوانهم.
ثم قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لهم: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} [طه: 98] وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] وهكذا وقع، وقد قال بعض السلف {وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة. ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه، وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه، بتوبته عليه فقال: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [الأعراف: 153] لكن لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل، كما قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 54] . فيقال: إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف، وألقى الله عليه ضبابا، حتى لا يعرف القريب قريبه، ولا النسيب نسيبه، ثم مالوا على عابديه، فقتلوهم، وحصدوهم. فيقال: إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا. ثم قال تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154] استدل بعضهم بقوله: {وفي نسختها} [الأعراف: 154] على أنها تكسرت، وفي هذا الاستدلال نظر، وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت، والله أعلم. وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون، كما سيأتي، أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر، وما هو ببعيد; لأنهم حين خرجوا {قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] .
وهكذا عند أهل الكتاب، فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل، قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف. ثم ذهب موسى يستغفر لهم، فغفر لهم، بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة.
{واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين - واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون - الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 155 - 157]
[الأعراف: 155 - 157] .
ذكر السدي، وابن عباس، وغيرهما، أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل، ومعهم موسى، وهارون، ويوشع، وناداب، وأبيهو، ذهبوا مع موسى، عليه السلام، ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل، وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا، فلما ذهبوا معه، واقتربوا من الجبل، وعليه الغمام، وعمود النور ساطع، وصعد موسى الجبل، فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله، وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين، وحملوا عليه قوله تعالى: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] . وليس هذا بلازم; لقوله تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] أي; مبلغا، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى، عليه السلام. وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله، وهذا غلط منهم; لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة; كما قال تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون - ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 55 - 56]
[البقرة: 55، 56] . وقال هاهنا:
{فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: 155] الآية قال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا، الخير فالخير وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل في الغمام، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمر وينهاه; افعل. ولا تفعل. فلما فرغ الله من أمره، وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] فأخذتهم الرجفة - وهي الصاعقة - فافتلتت أرواحهم، فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] أي; لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا، فإنا برآء مما عملوا. وقال ابن عباس، ومجاهد،
وقتادة، وابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل. وقوله: {إن هي إلا فتنتك} [الأعراف: 155] أي; اختبارك، وابتلاؤك، وامتحانك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف. يعني: أنت الذي قدرت هذا، وخلقت ما كان من أمر العجل، اختبارا تختبرهم به، كما قال لهم هارون من قبل: {يا قوم إنما فتنتم به} [طه: 90] أي ; اختبرتم به، ولهذا قال: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} [الأعراف: 155] أي ; من شئت أضللته باختبارك إياه، ومن شئت هديته، لك الحكم والمشيئة، فلا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت. {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} [الأعراف: 155] .
{واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] أي; تبنا إليك ورجعنا وأنبنا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وإبراهيم التيمي، والضحاك، والسدي، وقتادة، وغير واحد، وهو كذلك في اللغة. {قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] أي; أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور، التي أخلقها وأقدرها، {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] كما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض، كتب كتابا، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} [الأعراف: 156]
أي; فسأوجبها حتما لمن يتصف بهذه الصفات، {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} [الأعراف: 157] الآية. وهذا فيه تنويه بذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، من الله تعالى لموسى، عليه السلام، في جملة ما ناجاه به، وأعلمه وأطلعه عليه. وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في " التفسير " بما فيه كفاية ومقنع، ولله الحمد والمنة. وقال قتادة: قال موسى: يا رب أجد في الألواح أمة، خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة، هم الآخرون في الخلق، السابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة، أناجيلهم في صدورهم، يقرؤونها، وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه، وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا، لم يعطه أحدا من الأمم. قال: رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة، يؤمنون بالكتاب الأول، وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة، صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال: رب فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب فإني أجد في الألواح أمة، إذا هم أحدهم
بحسنة، ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال: رب، اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون، المشفوع لهم، فاجعلهم أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال لنا قتادة: فذكر لنا أن موسى، عليه السلام، نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى، عليه السلام، وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها، ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار، بعون الله وتوفيقه، وحسن هدايته ومعونته وتأييده.
قال الحافظ أبو حاتم، محمد بن حاتم بن حبان في " صحيحه ": ذكر سؤال كليم الله ربه، عز وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة; أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج، حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن أبجر - شيخان صالحان - سمعنا الشعبي يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر، «عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن موسى، عليه السلام، سأل ربه، عز وجل: أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال: رجل يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال: ادخل الجنة. فيقول: كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم. فيقال له: ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم أي رب.
فيقال: لك هذا، ومثله، ومثله. فيقول: أي رب، رضيت. فيقال: إن لك هذا وعشرة أمثاله. فيقول: أي رب رضيت. فيقال له: لك مع هذا ما اشتهت نفسك، ولذت عينك. وسأل ربه: أي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: سأحدثك عنهم، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] الآية» . وهكذا رواه مسلم، والترمذي، كلاهما عن ابن أبي عمر، عن سفيان، وهو ابن عيينة، به، ولفظ مسلم: «فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فيقول في الخامسة: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر» قال: ومصداقه من كتاب الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] وقال الترمذي: حسن صحيح. قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة، فلم يرفعه، والمرفوع أصح.
وقال ابن حبان: ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع; حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم، ببيت المقدس، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «سأل موسى ربه، عز وجل، عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبها; قال: يا رب أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكر ولا ينسى. قال: فأي عبادك أهدى؟ قال الذي يتبع الهدى. قال: فأي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه. قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: عالم لا يشبع من العلم، يجمع علم الناس إلى علمه. قال: فأي عبادك أعز؟ قال: الذي إذا قدر غفر. قال: فأي عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى. قال: فأي عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن ظهر، إنما الغنى غنى النفس، وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه، وتقاه في قلبه، وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه» .
قال ابن حبان: قوله: صاحب منقوص. يريد به منقوص حالته، يستقل ما أوتي، ويطلب الفضل.
وقد رواه ابن جرير في " تاريخه "، عن ابن حميد، عن يعقوب
القمي، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سأل موسى ربه، عز وجل، فذكر نحوه، وفيه: قال: أي رب، فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى. قال: أي رب، فهل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال: نعم، الخضر. فسأل السبيل إليه، فكان ما سنذكره بعد، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
** [ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان] **
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن موسى قال: أي رب، عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا. قال: ففتح له باب من الجنة، فنظر إليها، قال: يا موسى، هذا ما أعددت له. فقال موسى: يا رب، وعزتك وجلالك، لو كان أقطع اليدين والرجلين، يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره، لم ير بؤسا قط. قال: ثم قال: أي رب، عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا. قال: ففتح له باب إلى النار، فيقول: يا موسى، هذا ما أعددت له. فقال: أي رب، وعزتك وجلالك، لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره، لم ير خيرا قط» تفرد به أحمد من هذا الوجه. وفي صحته نظر والله أعلم.
وقال ابن حبان: ذكر سؤال كليم الله ربه، جل وعلا، أن يعلمه شيئا يذكره به، حدثنا ابن سلم، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، إن دراجا حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد،
عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقول هذا. قال: قل: لا إله إلا الله. قال: إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو أن أهل السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله» ويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة. وأقرب شيء إلى معناه الحديث المروي في " السنن " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الدعاء، دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» .
وقال ابن أبي حاتم، عند تفسير آية الكرسي: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث، نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش،
فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان، فانكسرتا. فقال: يا موسى، لو كنت أنام، لسقطت السماوات والأرض، فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك. قال: وأنزل الله على رسوله آية الكرسي.
وقال ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى، عليه السلام، على المنبر، قال: «وقع في نفس موسى، عليه السلام، هل ينام الله، عز وجل؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان فيستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان» قال: ضرب الله له مثلا، أن لو كان ينام، لم تستمسك السماء والأرض. وهذا حديث غريب رفعه، والأشبه أن يكون موقوفا، وأن يكون أصله إسرائيليا.
وقال الله تعالى:
{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون - ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} [البقرة: 63 - 64]
[البقرة: 63، 64] . وقال تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [الأعراف: 171] . قال ابن عباس، وغير واحد من السلف: لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة، أمرهم بقبولها، والأخذ بها بقوة وعزم، فقالوا: انشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة، قبلناها. فقال: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوه مرارا فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم، حتى صار كأنه ظلة، أي غمامة على رءوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها، وإلا سقط هذا الجبل عليكم. فقبلوا ذلك، وأمروا بالسجود فسجدوا، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، فصارت سنة لليهود إلى اليوم، يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب. وقال سنيد بن داود، عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر، إلا اهتز، فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز، ونفض لها رأسه.
قال الله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذلك} [البقرة: 64] أي; ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم، والأمر الجسيم، نكثتم عهودكم ومواثيقكم، {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} [البقرة: 64] بأن تدارككم بالإرسال إليكم، وإنزال الكتاب عليكم {لكنتم من الخاسرين} [البقرة: 64] .
** [قصة بقرة بني إسرائيل] **
قال الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين - قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون - قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون - قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون - وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون - فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 67 - 73]
[البقرة: 67 - 73] .
قال ابن عباس، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، ومجاهد، والسدي، وغير واحد من السلف: كان رجل في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخا كبيرا وله بنو أخ، وكانوا يتمنون موته; ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله في الليل، وطرحه في مجمع الطرق، ويقال: على باب رجل منهم. فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه، فجعل يصرخ ويتظلم، فقالوا: ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله، فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه إلى رسول الله موسى، عليه السلام، فقال موسى، عليه السلام: أنشد الله رجلا عنده علم من أمر
هذا القتيل إلا أعلمنا به. فلم يكن عند أحد منهم علم، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه، عز وجل، فسأل ربه، عز وجل، في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة، فقال: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] يعنون; نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول هذا. {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] أي; أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي. وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن أسأله فيه. قال ابن عباس، وعبيدة، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وأبو العالية، وغير واحد: فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. وقد ورد فيه حديث مرفوع، وفي إسناده ضعف، فسألوا عن صفتها، ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم، وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في " التفسير ".
والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان; وهي الوسط بين النصف الفارض، وهي الكبيرة، والبكر، وهي الصغيرة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وجماعة. ثم شددوا، وضيقوا على أنفسهم، فسألوا عن لونها، فأمروا بصفراء فاقع لونها، أي مشرب بحمرة، تسر الناظرين، وهذا اللون عزيز. ثم شددوا أيضا فقالوا:
{ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] ففي الحديث المرفوع، الذي رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه: «لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا» وفي صحته نظر والله أعلم. {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] وهذه الصفات أضيق مما تقدم، حيث أمروا بذبح بقرة، ليست بالذلول، وهي المذللة بالحراثة وسقي الأرض بالسانية، مسلمة; وهي الصحيحة التي لا عيب فيها. قاله أبو العالية، وقتادة. وقوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] أي; ليس فيها لون يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها، فلما حددها بهذه الصفات، وحصرها بهذه النعوت والأوصاف، {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] ويقال: إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم، كان بارا بأبيه، فطلبوها منه، فأبى عليهم، فأرغبوه في ثمنها، حتى - أعطوه فيما ذكر السدي - بوزنها ذهبا، فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات، فباعها منهم، فأمرهم نبي الله موسى بذبحها، {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] أي; وهم يترددون في أمرها. ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها، قيل: بلحم فخذها. وقيل: بالعظم الذي يلي الغضروف. وقيل: بالبضعة التي بين الكتفين، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو تشخب أوداجه، فسأله نبي الله: من قتلك؟ قال قتلني ابن أخي. ثم عاد
ميتا كما كان، قال الله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] أي; كما شاهدتم إحياء هذا القتيل، عن أمر الله له، كذلك أمره في سائر الموتى، إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة، كما قال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] الآية [لقمان: 28] .
** [قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام] **
قال الله تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا - فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا - فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا - قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا - قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا - فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما - قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا - قال إنك لن تستطيع معي صبرا - وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا - قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا - قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا - فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا - قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا - قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا - فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا - قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا - قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا - فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا - قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا - أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم. ملك يأخذ كل سفينة غصبا - وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا - فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما - وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 60 - 82]
[الكهف: 60 - 82] .
قال بعض أهل الكتاب: إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر، هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم، وينقل عن كتبهم، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي، ويقال: إنه دمشقي. وكانت أمه زوجة كعب الأحبار. والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه، أنه موسى بن عمران، صاحب بني إسرائيل.
قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله; حدثنا أبي بن كعب، أنه سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه; إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه، إن لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك. قال موسى: يا رب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله بمكتل، ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد " قال " موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} [الكهف: 62] . ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به " قال " له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} [الكهف: 63] قال: فكان للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا قال: {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} [الكهف: 64] قال: فرجعا يقصان أثرهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. " {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67] "، يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال موسى: {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} [الكهف: 69] . قال له الخضر: {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} [الكهف: 70]
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة، فكلمهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها " {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا - قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا - قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} [الكهف: 71 - 73] » " قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: " {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا - قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 74 - 75] " قال: وهذه أشد من الأولى، " {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا - فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 76 - 77] " قال: مائل. فقال الخضر بيده " فأقامه " فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا " {لو شئت لاتخذت عليه أجرا - قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} [الكهف: 77 - 78] » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وددنا أن موسى كان
صبر، حتى يقص الله علينا من خبرهما» قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين) .
ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، بإسناده نحوه. وفيه: «فخرج موسى، ومعه فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها. قال: فوضع موسى رأسه فنام» قال سفيان: وفي حديث غير عمرو، قال: «وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة. لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال: فتحرك، وانسل من المكتل، ودخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا» كذا قال. وساق الحديث، وقال: «ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق، في علم الله، إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره» وذكر تمام الحديث.
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير - يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير - قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاص، يقال له: نوف. يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل. أما عمرو فقال لي: قال: قد كذب عدو الله.
وأما يعلى، فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موسى رسول الله، قال: ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، ولى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه; إذ لم يرد العلم إلى الله. قيل: بلى. قال: أي رب فأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي رب، اجعل لي علما أعلم ذلك به. قال لي» عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت. وقال لي يعلى: قال: خذ حوتا ميتا، حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] يوشع بن نون - ليست عن سعيد بن جبير - قال: «فبينما هو في ظل صخرة، في مكان ثريان ; إذ تضرب الحوت، وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه. حتى إذا استيقظ، نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر، حتى كأن أثره في حجر» قال لي عمرو: «هكذا كأن أثره في حجر» وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما.
{لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} [الكهف: 62] قال: " وقد قطع الله عنك النصب " ليست هذه عن سعيد، " أخبره فرجعا، فوجدا خضرا، قال لي عثمان بن أبي سليمان: " على طنفسة خضراء، على كبد البحر ". قال سعيد: " مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك ل " تعلمني مما علمت رشدا " قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا، تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح؟ " قال: فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم. " لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا " قال " موسى: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71]- قال مجاهد: منكرا - {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 72] كانت الأولى، نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا - فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} [الكهف: 73 - 74] قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا ظريفا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين
قال {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} [الكهف: 74] لم تعمل بالخبث ". ابن عباس قرأها: (زكية زاكية مسلمة) . كقولك: غلاما زكيا. فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى: حسبت أن سعيدا قال: " فمسحه بيده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] قال سعيد: أجرا نأكله وكان وراءهم (وكان أمامهم) قرأها ابن عباس. أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون: جيسور. {ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. منهم من يقول: سدوها بقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. {فكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 80] وكان كافرا {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} [الكهف: 80] أي; يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} [الكهف: 81] لقوله: {أقتلت نفسا زكية} [الكهف: 74] " وأقرب رحما " هما به أرحم منها بالأول، الذي قتل خضر. وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خطب موسى بني إسرائيل، فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فأمر أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضا، ورواه العوفي عنه موقوفا.
وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر. فمر بهما أبي بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا؟ قال: نعم. وذكر الحديث، وقد تقصينا طرق هذا الحديث، وألفاظه في تفسير سورة الكهف، ولله الحمد والمنة.
وقوله: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82]
قال السهيلي: وهما أصرم وصريم، ابنا كاشح. وكان تحته كنز لهما قيل: كان ذهبا. قاله عكرمة، وقيل: علما. قاله ابن عباس، والأشبه أنه كان لوحا من ذهب، مكتوبا فيه علم.
قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس الغساني، عن ابن حجيرة، عن أبي ذر، رفعه قال: «إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت: عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل لا إله إلا الله.» وهكذا روي عن الحسن البصري، وعمر مولى غفرة، وجعفر الصادق، نحو هذا. وقوله: {وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] وقد قيل: إنه كان الأب السابع، وقيل: العاشر. وعلى كل تقدير، فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، فالله المستعان.
وقوله رحمة من ربك دليل على أنه كان نبيا، وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه، بل بأمر ربه، فهو نبي وقيل: رسول. وقيل: ولي. وأغرب
من هذا من قال: كان ملكا. قلت: وقد أغرب جدا من قال: هو ابن فرعون. وقيل: إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة. قال ابن جرير والذي عليه جمهور أهل الكتاب، أنه كان في زمن أفريدون. ويقال: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل: إنه كان أفريدون، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل. وزعموا أنه شرب من ماء الحياة، فخلد، وهو باق إلى الآن. وقيل: إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل. وقيل: اسمه ملكان. وقيل: إرميا بن حلقيا. وقيل: كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب. قال ابن جرير: وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة، لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب. قال ابن جرير، والصحيح أنه كان في زمن أفريدون، واستمر حيا إلى أن أدركه موسى، عليه السلام، وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر، الذي هو من ولد إيرج بن أفريدون، أحد ملوك الفرس وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده، وكان عادلا، وهو أول من خندق الخنادق، وأول من جعل في كل قرية دهقانا، وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة. ويقال: إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم. وقد ذكر عنه من الخطب الحسان، والكلم البليغ النافع الفصيح، ما يبهر العقل، ويحير السامع، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل. والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قالءأقررتم} [آل عمران: 81] .
فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء، وينصره، فلو كان الخضر حيا في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه، والاجتماع به، والقيام بنصره، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة، وقصارى الخضر، عليه السلام، أن يكون نبيا، وهو الحق، أو رسولا، كما قيل، أو ملكا فيما ذكر، وأيا ما كان، فجبريل رئيس الملائكة، وموسى أشرف من الخضر، ولو كان حيا لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته، فكيف إن كان الخضر وليا، كما يقوله طوائف كثيرون، فأولى أن يدخل في عموم البعثة، وأحرى.
ولم ينقل في حديث حسن، بل ولا ضعيف يعتمد، أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اجتمع به، وما ذكر من حديث التعزية فيه، وإن كان الحاكم قد رواه، فإسناده ضعيف. والله أعلم. وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا.
** [ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها] **
قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي، في كتاب التفسير من سننه، عند قوله تعالى في سورة " طه ": {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا} [طه: 40] .
(حديث الفتون) : حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى: {وفتناك فتونا} [طه: 40] . فسألته عن الفتون: ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثا طويلا. فلما أصبحت، غدوت إلى ابن عباس; لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، عليه السلام، أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم. فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا
إلا ذبحوه ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة، الذي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فيقل نباتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون، وتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل، حملت بموسى، عليه السلام، فوقع في قلبها الهم والحزن - وذلك من الفتون يا ابن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به ; فأوحى الله إليها: أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها، أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه. فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فهممن أن يفتحن
التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه، لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقي عليه منها محبة، لم تلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون; ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون، فأستوهبه منه، فإن وهبه لي، كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه، لم ألمكم. فأتت فرعون فقالت: {قرة عين لي ولك} [القصص: 9] . فقال فرعون: يكون لك، فأما لي، فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن الله حرمه ذلك» فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها لبن، تختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والها، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب - والجنب; أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا
يشعر به فقالت من الفرح، حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم؟ هل تعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في صهر الملك، ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها، فانطلقت إلى أمها، فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها، فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها، قالت: امكثي ترضعي ابني هذا; فإني لم أحب شيئا حبه قط. قالت أم موسى: لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي.
وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز موعوده، فرجعت إلى بيتها من يومها، وأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريني ابني. فوعدتها يوما تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤورها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة; لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت
أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته، وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه بحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فرعون، فلينحلنه، وليكرمنه. فلما دخلت به عليه، جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، أنه زعم أنه يربك ويعلوك، ويصرعك؟ فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به فتونا - فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق; ائت بجمرتين، ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، عرفت أنه يعقل. وإن تناول الجمرتين، ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه، بعد ما كان هم به، وكان الله بالغا فيه أمره، فلما بلغ أشده، وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه، بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى، عليه السلام، يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني، والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبا شديدا; لأنه تناوله، وهو يعلم منزلته من بني
إسرائيل، وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني، فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله، عز وجل، والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} [القصص: 15] ثم قال: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [القصص: 16]
[القصص: 18] . فنظر الإسرائيلي إلى موسى، بعد ما قال له، ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: إنك لغوي مبين. أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، وقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ وإنما قال له; مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا،
وانطلق الفرعوني، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر، حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم، يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فخرج موسى متوجها نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه، عز وجل، فإنه قال: {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل - ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان} [القصص: 22 - 23]
[القصص: 22، 23] . يعني بذلك حابستين غنمهما، فقال لهما: {ما خطبكما} [القصص: 23] معتزلتين، لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم. فسقى لهما، فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا، حتى كان أول الرعاء، وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى، فاستظل بشجرة، {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} [القصص: 24] . واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا، فقال: إن لكما اليوم لشأنا. فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} [القصص: 25] . ليس لفرعون ولا لقومه علينا من سلطان، ولسنا في مملكته {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] . فاحتملته الغيرة على
أن قال لها: ما يدريك ما قوته، وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه، فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسري عن أبيها، وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك {أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص: 27] . ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت السنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته، فأتمها عشرا.
قال سعيد بن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية، من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس، فذكرت ذلك له فقال: أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة؟ لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضى عشر سنين. فلقيت النصراني، فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك. قلت: أجل، وأولى.
فلما سار موسى بأهله، كان من أمر النار، والعصا، ويده، ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، ويكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه،
فآتاه الله، عز وجل، سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون، فأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون، فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: إنا رسولا ربك. فقال: فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه، وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون، قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه، فرآها بيضاء من غير سوء - يعني من غير برص - ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى. يعني ملكهم الذي هم فيه، والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ; حتى تغلب بسحرك سحرهما. فأرسل إلى المدائن، فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون، قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات. قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. قال سعيد: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، هو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في
صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر; لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون موسى وهارون، استهزاء بهما، فقالوا: يا موسى - بقدرتهم بسحرهم - إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين. قال: بل ألقوا. {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} [الشعراء: 44] . فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألق عصاك، فلما ألقاها، صارت ثعبانا عظيمة، فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال، حتى صارت جرزا على الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحرا لم تبلغ من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله تعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو لله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه، أخلف موعده، ونكث عهده، حتى
أمر موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون، ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه، فانفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله، عز وجل، فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال أصحاب موسى: {إنا لمدركون} [الشعراء: 61] افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه، حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى، قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه، فأخرجه له ببدنه، حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم، {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون - إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 138 - 139]
[الأعراف: 138، 139] . قد رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم ومضى، فأنزلهم موسى منزلا، وقال أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي. وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه، عز وجل، وأراد أن
يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن، ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا، ثم ائتني. ففعل موسى ما أمره به ربه، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل، ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها، ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا. فحفر حفيرا، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.
وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة، فمر بهارون، فقال له هارون: يا سامري، ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابض عليه، لا يراه أحد طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد. فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن تكون عجلا. فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية، أو نحاس، أو حديد،
فصار عجلا أجوف، ليس فيه روح، له خوار.
قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل من دبره، وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا، فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا، وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق. وقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا، لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس بربنا، ولا نؤمن به، ولا نصدق. وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون عليه السلام: {ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن} [طه: 90] . ليس هذا، قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا؟ هذه أربعون يوما قد مضت. قال سفهاؤهم: أخطأ ربه، فهو يطلبه ويبتغيه. فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع إلى قومه غضبان أسفا، فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له، فانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} [طه: 96] وفطنت لها، وعميت عليكم فقذفتها {وكذلك سولت لي نفسي - قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا} [طه: 96 - 97]
[طه: 96، 97] . ولو كان إلها لم نخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط
الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا جماعتهم: يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا. فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألو الخير، خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله، عليه السلام، من قومه، ومن وفده، حين فعل بهم ما فعل، فقال: {لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل، وإيمان به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون - الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: 156 - 157]
[الأعراف: 156، 157] .
فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة. فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف، لا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى، عليه السلام، متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها، ونتق
الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم يصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل، مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر - وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها - فقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون - قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم - من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. ويقول أناس: إنهما من قوم موسى. فقال الذين يخافون; بنو إسرائيل: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] . فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك; لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه،
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه، ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه، أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره. هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون، والأشبه، والله أعلم، أنه موقوف، وكونه مرفوعا فيه نظر، وغالبه متلقى من الإسرائيليات، وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام، وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
** [ذكر بناء قبة الزمان] **
قال أهل الكتاب: وقد أمر الله موسى، عليه السلام، بعمل قبة من خشب الشمشار، وجلود الأنعام، وشعر الأغنام، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ، والذهب، والفضة، على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب، ولها عشر سرادقات، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا، وعرضه أربعة أذرع، ولها أربعة أبواب، وأطناب من حرير، ودمقس مصبغ، وفيها رفوف وصفائح، من ذهب وفضة، ولكل زاوية بابان، وأبواب أخر كبيرة، وستور من حرير مصبغ، وغير ذلك مما يطول ذكره، وبعمل تابوت من خشب الشمشار، يكون طوله ذراعين ونصفا، وعرضه ذراعين، وارتفاعه ذراعا ونصفا، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه، وله أربع حلق، في أربع زواياه، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب، يعنون صفة ملكين بأجنحة، وهما متقابلان صنعه رجل اسمه بصليال. وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشار، طولها ذراعان، وعرضها ذراع ونصف، لها ضباب ذهب، وإكليل ذهب بشفة مرتفعة، بإكليل من ذهب، وأربع حلق من نواحيها من ذهب; خرزه مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا، واعمل صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة، واصنع منارة من ذهب دلي فيها ست قصبات من ذهب، من كل
جانب ثلاث، على كل قصبة ثلاث سرج، وليكن في المنارة أربع قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب، صنع ذلك بصليال أيضا، وهو الذي عمل المذبح أيضا، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 248] .
[البقرة: 248] . وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا، وفيه شرائع لهم وأحكام، وصفة قربانهم، وكيفيته، وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل، الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها، ويتقربون عندها، وأن موسى، عليه السلام، كان إذا دخلها يقفون عندها، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا لله، عز وجل، ويكلم الله موسى، عليه السلام، من ذلك العمود الغمام، الذي هو نور ويخاطبه، ويناجيه، ويأمره، وينهاه، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين، فإذا فصل الخطاب، يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله، عز وجل، إليه من الأوامر والنواهي، وإذا تحاكموا إليه في شيء، ليس عنده من الله فيه شيء، يجيء إلى قبة الزمان، ويقف عند التابوت، ويصمد لما بين ذينك الكروبيين، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة، وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ،
واللآليء في معبدهم، وعند مصلاهم، فأما في شريعتنا فلا، بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها; لئلا تشغل المصلين، كما قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لما وسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذي وكله على عمارته: ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم.
وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه، فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم; إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه، والإقبال عليه، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة، فلله الحمد والمنة.
وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه، يصلون إليها، وهي قبلتهم وكعبتهم، وإمامهم كليم الله موسى، عليه السلام، ومقدم القربان أخوه هارون، عليه السلام.
فلما مات هارون، ثم موسى، عليهما السلام، استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان، وهو فيهم إلى الآن، وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده، فتاه يوشع بن نون، عليه السلام، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس; كما سيأتي بيانه.
والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس، نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس، فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلتها، وهي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صلى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وكان يجعل الكعبة بين يديه، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فصلى إليها ستة عشر وقيل: سبعة عشر شهرا. ثم حولت القبلة إلى الكعبة، وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين، في وقت صلاة العصر. وقيل: الظهر، كما بسطنا ذلك في " التفسير "، عند قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] إلى قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144]
[البقرة: 142 - 144] .
** [قصة قارون مع موسى عليه السلام] **
قال الله تعالى: {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين - وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين - قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون - فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم - وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون - فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين - وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون - تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 76 - 83]
[القصص: 76 - 83] . قال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان قارون ابن عم
موسى. وكذا قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وزاد فقال: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث. قال ابن جريج: وهذا قول أكثر أهل العلم; أنه كان ابن عم موسى. ورد قول ابن إسحاق إنه كان عم موسى. قال قتادة: وكان يسمى المنور; لحسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق، كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرا طولا; ترفعا على قومه. وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه; حتى إن مفاتيحه كان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد، وقد قيل: إنها كانت من الجلود، وإنها كانت تحمل على ستين بغلا. فالله أعلم. وقد وعظه النصحاء من قومه; قائلين: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} [القصص: 76] أي; لا تبطر بما أعطيت، وتفخر على غيرك. {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} [القصص: 77] يقولون: لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة، فإنه خير وأبقى، ومع هذا {ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77] أي; وتناول منها بمالك ما أحل الله لك، فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال، {وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص: 77] أي; وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقهم وبارئهم إليك، {ولا تبغ الفساد في الأرض} [القصص: 77] أي; ولا تسئ إليهم، ولا تفسد فيهم فتقابلهم ضد ما
أمرت فيهم، فيعاقبك ويسلبك ما وهبك، {إن الله لا يحب المفسدين} [القصص: 77] فما كان جوابه قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة، إلا أن {قال إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] يعني: أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم، ولا إلى ما إليه أشرتم; فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه، وأني أهل له، ولولا أني حبيب إليه، وحظي عنده، لما أعطاني ما أعطاني. قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب إليه: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78] أي; قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا، فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر مالا منه، ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له، واعتنائنا به، كما قال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا} [سبأ: 37] . وقال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين - نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55 - 56]
[المؤمنون: 55، 56] . وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] .
وأما من زعم أن المراد من ذلك، أنه كان يعرف صنعة الكيمياء، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم، فاستعمله في جمع الأموال، فليس بصحيح; لأن
الكيمياء تخييل وصبغة لا تحيل الحقائق، ولا تشابه صنعة الخالق، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به، وقارون كان كافرا في الباطن، منافقا في الظاهر، ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير، ولا يبقى بين الكلامين تلازم، وقد وضحنا هذا في كتابنا " التفسير " ولله الحمد.
قال الله تعالى: {فخرج على قومه في زينته} [القصص: 79] ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم; من ملابس، ومراكب، وخدم، وحشم، فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا، تمنوا أن لو كانوا مثله، وغبطوه بما عليه وله، فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح، الزهاد الألباء، قالوا لهم: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} [القصص: 80] أي; ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى، وأجل وأعلى، قال الله تعالى: {ولا يلقاها إلا الصابرون} [القصص: 80] أي; وما يلقى هذه النصيحة، وهذه المقالة، وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية، عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية، إلا من هدى الله قلبه، وثبت فؤاده، وأيد لبه، وحقق مراده، وما أحسن ما قال بعض السلف: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات.
قال الله تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [القصص: 81]
لما ذكر تعالى خروجه في زينته، واختياله فيها، وفخره على قومه بها، قال: {فخسفنا به وبداره الأرض} [القصص: 81] .
كما روى البخاري من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بينا رجل يجر إزاره، إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.» ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وقد ذكر عن ابن عباس، والسدي، أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا، على أن تقول لموسى، عليه السلام، وهو في ملأ من الناس: إنك فعلت بي كذا وكذا. فيقال: إنها قالت له ذلك فأرعد من الفرق وصلى ركعتين، ثم أقبل عليها فاستحلفها: من دلك على ذلك، وما حملك عليه؟ فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك، واستغفرت الله، وتابت إليه، فعند ذلك خر موسى لله ساجدا، ودعا الله على قارون، فأوحى الله إليه: إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك. فالله أعلم. وقد قيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته، مر بجحفله، وبغاله، وملابسه، على مجلس موسى، عليه السلام، وهو يذكر قومه بأيام الله، فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه، فدعاه
موسى، عليه السلام، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال يا موسى، أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالمال، ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي، ولأدعون عليك. فخرج، وخرج قارون في قومه، فقال له موسى تدعو أو أدعو؟ قال: أدعو أنا. فدعا قارون، فلم يجب في موسى، فقال موسى: أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم مر الأرض فلتطعني اليوم. فأوحى الله إليه: إني قد فعلت. فقال موسى: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. فأقبلت بها، حتى نظروا إليها ثم أشار موسى بيده، فقال: اذهبوا بني لاوي. فاستوت بهم الأرض. وقد روي عن قتادة أنه قال: يخسف بهم كل يوم قامة، إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس أنه قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة. وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة، أضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا.
وقوله تعالى: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [القصص: 81] لم يكن له ناصر من نفسه، ولا من غيره، كما قال: {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] . ولما حل به ما حل من الخسف، وذهاب الأموال، وخراب الدار، وهلاك النفس والأهل والعقار، ندم من كان تمنى مثل ما أوتي، وشكروا الله تعالى الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: {لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون} [القصص: 82]
وقد تكلمنا على لفظ: " ويك " في " التفسير "، وقد قال قتادة: ويكأن بمعنى ألم تر أن. وهذا قول حسن من حيث المعنى. والله أعلم. ثم أخبر تعالى {تلك الدار الآخرة} [القصص: 83] وهي دار القرار. وهي الدار التي يغبط من أعطيها، ويعزى من حرمها، إنما هي معدة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا. فالعلو هو التكبر والفخر والأشر والبطر. والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية; من أخذ أموال الناس، وإفساد معايشهم، والإساءة إليهم، وعدم النصح لهم، ثم قال تعالى: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] .
وقصة قارون هذه، قد تكون قبل خروجهم من مصر; لقوله: {فخسفنا به وبداره الأرض} [القصص: 81] فإن الدار ظاهرة في البنيان، وقد تكون بعد ذلك في التيه، وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام، كما قال عنترة:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن; قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين - إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} [غافر: 23 - 24]
[غافر: 23، 24] . وقال تعالى في سورة " العنكبوت " بعد ذكر عاد وثمود: {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين - فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [العنكبوت: 39 - 40]
[العنكبوت: 39، 40] .
فالذي خسف به الأرض قارون، كما تقدم، والذي أغرق فرعون، وهامان، وجنودهما، إنهم كانوا خاطئين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» انفرد به أحمد، رحمه الله.
** [ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته] **
قال الله تعالى: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا - وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا - ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} [مريم: 51 - 53]
[مريم: 51 - 53] . وقال تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] . وتقدم في " الصحيحين "، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش، فلا أدري أصعق فأفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور.» وقدمنا أن هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الهضم والتواضع، وإلا فهو صلوات الله وسلامه، عليه خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض. وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} [النساء: 163] إلى أن قال: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164]
[النساء: 163، 164] .
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] .
قال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن، ومحمد، وخلاس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى جلده شيء; استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده; إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله، عز وجل، أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا، أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا، أو خمسا» قال: فذلك قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق، وهمام بن منبه، عن أبي هريرة به، وهو في
" الصحيحين " من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه.
قال بعض السلف: كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله، وطلب منه أن يكون معه وزيرا، فأجابه الله إلى سؤاله، وأعطاه طلبته، وجعله نبيا; كما قال: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} [مريم: 53] ثم قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، حدثنا الأعمش، سألت أبا وائل، قال: سمعت عبد الله قال: «قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» وكذا رواه مسلم، من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش به.،
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان، عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا،
فإني أحب أن أخرج إليكم; وأنا سليم الصدر» قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله، ولا الدار الآخرة، فثبت حتى سمعت ما قالا. ثم أتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا،» وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشق عليه، ثم قال: «دعنا منك، فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر» وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، من حديث إسرائيل، عن الوليد بن أبي هاشم به، وفي رواية للترمذي، ولأبي داود، من طريق الحسين بن محمد، عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه.
وقد ثبت في " الصحيح " في أحاديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى، وهو قائم يصلي في قبره. ورواه مسلم عن أنس.
وفي " الصحيحين " من رواية قتادة، عن أنس عن مالك بن صعصعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه مر ليلة أسري به، بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل: هذا موسى فسلم عليه. قال:
«فسلمت عليه. فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. فلما تجاوزت بكى; قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي» وذكر إبراهيم في السماء السابعة. وهذا هو المحفوظ، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس، من أن إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ، أن الذي عليه الجادة، أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم. واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، خمسين صلاة في اليوم والليلة، فمر بموسى، قال: " ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة، وإن أمتك أضعف أسماعا، وأبصارا، وأفئدة " فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله، عز وجل، ويخفف عنه في كل مرة، حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة. وقال الله تعالى: هي خمس، وهي خمسون أي; بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وسلم خيرا، وجزى الله عنا موسى، عليه السلام، خيرا.
وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا حصين بن نمير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: «عرضت علي الأمم، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق،
فقيل: هذا موسى في قومه» هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا.
وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال: حدثنا سريج، حدثنا هشيم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، قال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت. قال: وكيف فعلت؟ قلت: استرقيت. قال: وما حملك على ذلك؟ قال: قلت حديث حدثناه الشعبي، عن بريدة الأسلمي، أنه قال: «لا رقية إلا من عين، أو حمة،» فقال سعيد - يعني ابن جبير -: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ثم قال: حدثنا ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي معه الرجل، والرجلين، والنبي وليس معه أحد; إذ رفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي. فقيل: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فإذا سواد عظيم، ثم قيل: انظر إلى هذا الجانب. فإذا سواد عظيم فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا: من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله شيئا قط. وذكروا أشياء، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه؟ فأخبروه بمقالتهم، فقال: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: أنت منهم، ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: سبقك بها عكاشة.» وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا، وهو في الصحاح والحسان، وغيرها، وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة، عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها. وقد ذكر الله تعالى موسى، عليه السلام، في القرآن كثيرا، وأثنى عليه، وأورد قصته في كتابه العزيز مرارا، وكررها كثيرا، مطولة، ومبسوطة، ومختصرة، وأثنى عليه بليغا. وكثيرا ما يقرنه الله، ويذكره، ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه كما قال في سورة " البقرة ": {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] . وقال تعالى: {الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم - نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل - من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 1 - 4]
[آل عمران: 1 - 4] . وقال تعالى في سورة " الأنعام ": {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون - وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} [الأنعام: 91 - 92]
[الأنعام: 91، 92] .
فأثنى تعالى على التوراة، ثم مدح القرآن العظيم مدحا عظيما، وقال تعالى في آخرها: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون - وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 154 - 155]
[الأنعام: 154، 155] . وقال تعالى في سورة " المائدة ": {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] . إلى أن قال: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون - وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 47 - 48]
[المائدة: 47، 48] . الآية. فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره، وجعله مصدقا لها، ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل، فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب، فلم يقدروا على حفظها، ولا على ضبطها وصونها، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم; لسوء فهومهم، وقصورهم في علومهم، ورداءة قصودهم، وخيانتهم لمعبودهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسله، ما لا يحد ولا يوصف، وما لا
يوجد مثله ولا يعرف. وقال تعالى في سورة " الأنبياء ": {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين - الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون - وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون} [الأنبياء: 48 - 50]
[الأنبياء: 48 - 50] . وقال الله تعالى في سورة " القصص ": {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون - قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} [القصص: 48 - 49]
[القصص: 48، 49] . فأثنى الله على الكتابين، وعلى الرسولين، عليهما السلام، وقالت الجن لقومهم: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه} [الأحقاف: 30] . وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبر ما رأى من أول الوحي، وتلا عليه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1 - 5]
[العلق: 1 - 5] . قال سبوح سبوح، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران.
وبالجملة فشريعة موسى، عليه السلام، كانت عظيمة، وأمته كانت أمة كثيرة، ووجد فيها أنبياء، وعلماء، وعباد، وزهاد، وألباء، وملوك، وأمراء، وسادات، وكبراء، لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا، كما بدلت شريعتهم، ومسخوا قردة وخنازير، ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها، ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
** [ذكر حج موسى عليه السلام إلى البيت العتيق وصفته] **
قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ قالوا: وادي الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى، وهو هابط من الثنية، وله جؤار إلى الله، عز وجل، بالتلبية حتى أتى على ثنية هرشاء فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هذه ثنية هرشاء. قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى، على ناقة حمراء، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، - قال هشيم: يعني ليفا - وهو يلبي» وأخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند به. وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: «إن موسى حج على ثور أحمر» وهذا غريب جدا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد، قال: كنا عند ابن عباس، فذكروا الدجال، فقال: إنه مكتوب بين
عينيه: (ك ف ر) . قال: ما تقولون؟ قال: يقولون مكتوب بين عينيه (ك ف ر) فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك ولكن قال: «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم جعد، على جمل أحمر، مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي» قال هشيم: الخلبة الليف.
ثم رواه الإمام أحمد عن أسود، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عيسى ابن مريم، وموسى، وإبراهيم; فأما عيسى، فأبيض، جعد، عريض الصدر، وأما موسى، فآدم، جسيم، قالوا: فإبراهيم؟ قال: انظروا إلى صاحبكم» وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا شيبان، قال: حدث قتادة، عن أبي العالية، حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران، رجلا طوالا، جعدا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم، مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس» وأخرجاه من حديث قتادة به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أسري به: لقيت موسى فنعته، فقال رجل: قال: حسبته قال:
مضطرب رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة. ولقيت عيسى فنعته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس. يعني حماما، قال: ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به.» الحديث. وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل، صلوات الله عليه وسلامه.
** [ذكر وفاته عليه السلام] **
قال البخاري في " صحيحه ": (وفاة موسى، عليه السلام) : حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أرسل ملك الموت إلى موسى، عليه السلام، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه، عز وجل، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. قال: فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة، رمية بحجر، قال أبو هريرة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ": «فلو كنت ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر» .
قال: وأنبأنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به. ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة مرفوعا، وسيأتي.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، يعني سليم بن جبير، عن أبي هريرة - قال الإمام أحمد: لم يرفعه - قال: جاء ملك الموت إلى موسى، عليه السلام، فقال: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها، فرجع الملك إلى الله، فقال: إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت. قال: وقد فقأ عيني، قال: فرد الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن يا رب، من قريب. تفرد به أحمد، وهو موقوف بهذا اللفظ.
وقد رواه ابن حبان في " صحيحه "، من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره، ثم استشكله ابن حبان، وأجاب عنه بما حاصله: أن ملك الموت، لما قال له هذا لم يعرفه; لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى، عليه السلام، كما جاء جبريل، عليه السلام، في صورة أعرابي، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولو في صورة شباب، فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا، وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه; لأنه دخل داره بغير إذنه، وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من
نظر إليك في دارك بغير إذن. ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه، قال له: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأ عينه» وذكر تمام الحديث - كما أشار إليه البخاري - ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له: أجب ربك. وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ، من تعقيب قوله: أجب ربك. بلطمه، ولو استمر على الجواب الأول، لتمشى له. وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة، ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق; إذا لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم; لأنه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته; من خروجه من التيه، ودخولهم الأرض المقدسة، وكان قد سبق في قدر الله، أنه، عليه السلام، يموت في التيه، بعد هارون أخيه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، وقد زعم بعضهم أن موسى، عليه السلام، هو الذي خرج بهم من التيه، ودخل بهم الأرض المقدسة. وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب، وجمهور المسلمين. ومما يدل على ذلك، قوله لما اختار الموت: رب، أدنني إلى الأرض المقدسة، رمية بحجر. ولو كان قد دخلها، لم يسأل ذلك، ولكن لما كان مع قومه بالتيه، وحانت وفاته، عليه السلام، أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها، وحث قومه عليها، ولكن حال بينهم وبينها القدر، رمية بحجر، ولهذا قال
سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: «فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لما أسري بي، مررت بموسى، وهو قائم يصلي في قبره، عند الكثيب الأحمر» . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.
وقال السدي، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، قالوا: ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى: إني متوف هارون، فائت به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها، وإذا هم ببيت مبني، وإذا هم بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه، أعجبه، قال: يا موسى، إني أحب أن أنام على هذا السرير. قال له موسى: فنم عليه، قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي. قال له: لا ترهب، أنا أكفيك رب هذا البيت، فنم. قال: يا موسى، بل نم معي فإن جاء رب هذا البيت، غضب علي وعليك جميعا فلما ناما، أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه، قال: يا موسى، خدعتني. فلما قبض، رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير
به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى قومه، وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتل هارون، وحسده حب بني إسرائيل له. وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم، كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه، قام فصلى ركعتين، ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض، ثم إن موسى، عليه السلام، بينما هو يمشي ويوشع فتاه، إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة، فالتزم موسى وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله، فاستل موسى، عليه السلام من تحت القميص، وترك القميص في يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا: قتلت نبي الله؟ فقال: لا والله ما قتلته ولكنه استل مني. فلم يصدقوه وأرادوا قتله. قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام. فدعا الله، فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وإنا قد رفعناه إلينا، فتركوه، ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى، إلا مات، ولم يشهد الفتح. وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة. والله أعلم.
وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى، سوى يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم، وذكر وهب بن منبه أن موسى، عليه السلام، مر بملأ من الملائكة يحفرون قبرا، فلم ير أحسن منه، ولا أنضر ولا أبهج، فقال: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟
فقالوا: لعبد من عباد الله كريم، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد، فادخل هذا القبر، وتمدد فيه، وتوجه إلى ربك، وتنفس أسهل تنفس. ففعل ذلك فمات، صلوات الله وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة، ودفنوه. وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أمية بن خالد، ويونس، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال يونس: رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك الموت يأتي الناس عيانا قال: فأتى موسى، عليه السلام، فلطمه، ففقأ عينه، فأتى ربه، فقال: يا رب عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامته عليك لعنفت به " وقال يونس: " لشققت عليه ". " قال له اذهب إلى عبدي، فقل له: فليضع يده على جلد - أو مسك - ثور، فله بكل شعرة وارت يده سنة. فأتاه فقال له، فقال: ما بعد هذا؟ قال: الموت، قال: فالآن ". قال: فشمه شمة، فقبض روحه قال يونس: " فرد الله عليه عينه، وكان يأتي الناس خفية» وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمة به، فرفعه أيضا والله تعالى أعلم.