John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 233 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

فيها عزم الهادي على خلع أخيه هارون من الخلافة، وولاية العهد من بعده ومبايعة ابنه جعفر ابن الهادي، فانقاد هارون لذلك، ولم يظهر المنازعة بل المطاوعة، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء، فأجابوه إلى ذلك، وأبت ذلك أم أمير المؤمنين الخيزران، وكانت أميل إلى ابنها هارون الرشيد، وكان الهادي قد منعها التصرف في شيء من المملكة، بعد ما كانت قد استحوذت عليه في أول ولايته، وانقلبت الدول إلى بابها، والأمراء إلى جانبها فحلف الهادي لئن عاد أمير يلوذ ببابها ليضربن عنقه، ولا يقبل لها شفاعة أبدا، فامتنعت من الكلام في ذلك، وحلفت لا تكلمه أبدا، وانتقلت عنه إلى منزل آخر، وألح هو على أخيه هارون في الخلع، وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك - وكان من أكابر الأمراء الذين هم في صف الرشيد - فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع الرشيد، وتولية ابني جعفر؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن من المصلحة أن تجعل جعفرا ولي العهد من بعد هارون، وأيضا يا أمير المؤمنين، فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر; وهو دون البلوغ، فيتفاقم الأمر ويختلف الناس فينالها بعض أهلك، لا هذا ولا هذا.

فأطرق مليا - وكان ذلك ليلا - ثم أمر بسجنه، ثم أطلقه.

وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد، فجلس عن يمينه بعيدا عنه، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال: يا هارون، أتطمع أن تكون رؤيا المهدي حقا؟ فقال: إي والله، ووالله لئن كان ذلك لأصلن من قطعت، ولأنصفن من ظلمت، ولأزوجن بنيك من بناتي. فقال: ذاك الظن بك. فقام إليه هارون ليقبل يده، فحلف الهادي ليجلسن معه على السرير، فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد، وإذا جاء الخراج فليدفع إليه نصفه. ففعل ذلك كله، ورضي الهادي عن الرشيد. ثم سافر إلى حديثة الموصل بعد ذلك، ثم عاد منها، فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول - وقيل: الآخر - سنة سبعين ومائة. وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافته سنة وشهرا وثلاثة وعشرين يوما. وكان طويلا جميلا أبيض بشفته العليا تقلص.

وقد توفي في هذه الليلة خليفة، وهو الهادي، وولي خليفة، وهو الرشيد، وولد خليفة، وهو المأمون ابن الرشيد. وقد كانت الخيزران أم الخليفة قالت في أول الليل: إنه بلغني أنه يولد الليلة خليفة، ويموت خليفة، ويتولى خليفة. يقال: إنها سمعت ذلك من الأوزاعي قبل ذلك بمدة، وقد سرها ذلك جدا. ويقال: إنها سمت ولدها الهادي خوفا على ابنها الرشيد منه، وأيضا فإنه

كان قد أبعدها وأقصاها، وقرب حظيته خالصة وأدناها. فالله المستعان.

** [وهذا ذكر شيء من ترجمة الهادي] **

هو موسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو محمد الهادي أمير المؤمنين ابن المهدي ابن المنصور. ولي الخلافة - كما ذكرنا - في محرم سنة تسع وستين ومائة. وكانت وفاته في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث - وقيل أربع. وقيل: ست - وعشرون سنة. والصحيح الأول، ويقال: إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه. وكان حسنا جميلا طويلا أبيض، في شفته العليا تقلص، وكان قوي البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي.

وذكر عيسى بن دأب قال: كنت يوما عند الهادي، إذ جيء بطست فيه رأسا جاريتين، لم أر أحسن منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا مثل طيب ريحهما، فقال: أتدرون ما شأن هاتين؟ قلنا: لا. فقال: إنه ذكر لي عنهما أنهما يرتكبان الفاحشة، فأمرت الخادم، فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان. فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على

الفاحشة، فأمرت بحز رقابهما. ثم أمر برفع رءوسهما من بين يديه، ورجع إلى حديثه الأول، كأن لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما.

ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات القريبة، ليقل الطمع عن الملك.

وغضب يوما من رجل، فاسترضي عنه فرضي، فشرع الرجل يعتذر، فقال الهادي: إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار.

وعزى الهادي رجلا في ولد له توفي: فقال له: أسرك وهو عدو وفتنة، وأحزنك وهو صلاة ورحمة.

وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة له، منها:

تشابه يوما بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أوأحسن من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تكون ثلاثون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك; نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة.

وقال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري، ثنا سهل بن أحمد الديباجي، ثنا الصولي، ثنا الغلابي، حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي، حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبي محمد الهادي شهودا على رجل منا شتم قريشا، وتخطى إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه، ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا، فشهدنا عليه بما سمعنا منه، فتغير وجه الهادي، ثم نكس رأسه، ثم رفعه، فقال: إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم! اضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل.

توفي الهادي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون ولي العهد، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد. وكان له من الولد تسعة; سبعة ذكور وابنتان، فالذكور; جعفر - وهو الذي كان قد رشحه للخلافة - وعباس، وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى الأعمى الذي ولد بعد وفاته فسمي باسم أبيه، والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، والأخرى أم

العباس تلقب نوتة.

** [خلافة هارون الرشيد ابن المهدي] **

بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه الهادي، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك، فأخرجه من السجن، وقد كان الهادي عزم في تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد، فأخرجه الرشيد، وكان ابنه من الرضاعة، وولاه حينئذ الوزارة، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الإنشاء، وكان هو الذي قام خطيبا بين يديه حين أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ، ويقال: إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى بن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما، فقال له: قم يا أمير المؤمنين. فقال: كم تروعني، ولو سمع بهذا الكلام هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده. فقال له يحيى: قد مات الرجل. فجلس هارون فقال: أشر علي. فجعل يذكر له ولايات الأقاليم لرجال يسميهم، فيوليهم الرشيد، فبينما هم كذلك إذ جاء آخر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين; فقد ولد لك الساعة غلام. فقال هو عبد الله، وهو المأمون ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلف لا يصلي الظهر إلا ببغداد، فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنق أبي عصمة القائد; لأنه

كان مع جعفر ابن الهادي فزاحموا هارون على جسر، فقال أبو عصمة: قف حتى يجوز ولي العهد. فقال الرشيد: السمع والطاعة للأمير. فجاز جعفر ووقف الرشيد، فلما ولي أمر بقتل أبي عصمة، ثم سار إلى بغداد فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال: إني سقط مني هاهنا خاتم، كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف، فلما كان من أيام بعث ورائي الهادي يطلبه، فألقيته إلى الرسول، فسقط هاهنا. فغاصوا وراءه فوجدوه، فسر به الرشيد سرورا كثيرا.

ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك أمر الرعية، وخلعت ذلك من عنقي، وجعلته في عنقك، فول من رأيت، واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم الموصلي:

ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها

بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها

وكانت الخيزران هي المشاورة في الأمور كلها، لا يقطع يحيى بن خالد أمرا حتى يشاورها فيما يبرمه ويحله ويمضيه ويحكمه.

وفيها أمر الرشيد بسهم ذي القربى أن يقسم في بني هاشم على السواء.

وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة، فقتل منهم طائفة كثيرة.

وفيها خرج عليه بعض أهل البيت.

فيها ولد الأمين محمد ابن الرشيد من زبيدة، وذلك يوم الجمعة لست

عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة.

وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي، ونزلها الناس.

وفيها حج بالناس أمير المؤمنين هارون الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة جدا، ويقال: إنه غزا في هذه السنة أيضا. وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر:

بهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج

إمام بذات الله أصبح شغله ... وأكثر ما يعنى به الغزو والحج

تضيق عيون الناس عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج

وإن أمين الله هارون ذا الندى ... ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو

وغزا الصائفة في هذه السنة سليمان بن عبد الله البكائي.

** ذكر من توفي فيها من الأعيان **

### $ الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي - ويقال الفرهودي - الأزدي اليحمدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الذي اخترع علم العروض، قسمه إلى

خمس دوائر، وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر، وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء:

قد كان شعر الورى صحيحا ... من قبل أن يخلق الخليل

وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب " العين " في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحابه، كمؤرج السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل، رحمه الله. وقد وضع ابن درستويه كتابا بين فيه ما وقع لهم من الخلل، فأفاد.

وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا كاملا حليما وقورا، وكان متقللا من الدنيا، صبورا على العيش الخشن الضيق، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي. وكان ظريفا حسن الخلق.

وذكر أنه اشتغل عليه رجل في العروض، قال: وكان بعيد الفهم، قال: فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت؟

إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي، وكأنه فهم ما أشرت إليه. ويقال: إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى أبيه. روي ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة. والله أعلم.

ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل: سنة ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه " شذور العقود " أنه توفي سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا. والمشهور الأول. والله أعلم. ### $ الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، المصري المؤذن، راوية الشافعي، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعي، وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم، فوافق ذلك ما وقع في نفس الأمر، رحمه الله.

ومن شعر الربيع هذا:

صبرا جميلا ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا

من خشي الله لم ينله أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا

فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزي، فإنه روى عن الشافعي أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين، رحمهما الله.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com