John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان] وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 24 of 840

** [شعيا بن أمصيا] **

فمنهم شعيا بن أمصيا. قال محمد بن إسحاق: وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، وكان في زمانه ملك اسمه صديقة على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس، وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك وخرجت في رجله قرحة وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان، وهو سنحاريب، قال ابن إسحاق في ستمائة ألف راية. وفزع الناس فزعا عظيما شديدا، وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده؟ فقال: لم يوح إلي فيهم شيئا بعد. ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك صديقة بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء ; فإنه قد اقترب أجله، فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح

ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله، عز وجل، بقلب مخلص وتوكل وصبر: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة، يا رحمن يا رحيم، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعلمي، وفعلي، وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي، سري وإعلاني لك. قال: فاستجاب الله له ورحمه، وأوحى الله إلى شعيا أن يبشره بأنه قد رحم بكاءه، وقد أخر في أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب. فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجدا وقال في سجوده: اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين.

فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته، فيشفى ويصبح قد برئ. ففعل ذلك، فشفي، وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه، منهم بخت نصر فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم، فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوما، ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير، ثم أودعهم السجن، وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم، لينذروا قومهم ما قد حل بهم، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه

وأخبرهم بما قد كان من أمرهم، فقال له السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم. فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين. قال ابن إسحاق ثم لما مات صديقة ملك بني إسرائيل مرج أمرهم واختلطت أحداثهم، وكثر شرهم، فأوحى الله تعالى إلى شعيا، فقام فيهم فوعظهم وذكرهم، وأخبرهم عن الله بما هو أهله وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذبوه، فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم، فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة، فنشروها ونشروه معها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

[أرميا بن حلقيا]

** ومنهم أرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب **

وقد قيل: إنه الخضر. رواه الضحاك عن ابن عباس. وهو غريب وليس بصحيح. قال ابن عساكر: جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق فقال: أيها الدم، فتنت الناس فاسكن. فسكن ورسب حتى غاب. وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا حدثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن. قال: قال أرميا: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وساوس الغناء، ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء، الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه، واذا زوي عنهم سروا بذلك. أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم.

** [ذكر خراب بيت المقدس] **

وقوله تعالى: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} [الإسراء: 2]

[الإسراء: 2 - 8] . وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي، أن قم بين ظهراني قومك، فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وإني تذكرت صلاح آبائهم، فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلهم: كيف وجدوا غب طاعتي؟ وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي؟ وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي؟ إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم، والتمسوا الكرامة من غير

وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي، وأما قراؤهم فعبدوا غيري، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعودوا الكذب ألسنتهم. وإني أقسم بجلالي وعزتي، لأهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كر العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة، فيا ويل إيلياء وسكانها، كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السباء، وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعز الذل، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب. ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض، وعظامهم ضاحية للشمس، ولأدوسنهم بألوان العذاب، ثم لآمرن السماء فلتكونن طبقا من حديد، والأرض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الأرض، وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم، ثم أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة

فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم ; فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدث نفسه بالمسير إليهم ; لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا أني مهلك بني إسرائيل، ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي. فقام أرميا، فشق ثيابه، وجعل الرماد على رأسه، وخر ساجدا وقال: يا رب، وددت أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي. فقيل له: ارفع رأسك. فرفع رأسه فبكى، ثم قال: يا رب من تسلط عليهم؟ قال: عبدة النيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي، قم يا أرميا، فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فقم مع الملك تسدده وترشده. فكان مع الملك يرشده ويأتيه

الوحي من الله، حتى عظمت الأحداث، ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى أرميا قم، فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم. فقال أرميا: يا رب، إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزني، فقال الله تعالى له: أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كله لي، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي، فأقلبها كيف شئت فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي، وأنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي، ولا يعلم ما عندي غيري، وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي، وتأتي بأمواج كالجبال، فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي، وخوفا واعترافا لأمري، وإني معك، ولن يصل إليك شيء معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي ; لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وإن تقصر عنها تستحق بذلك وزر من تركته في عماية، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، انطلق إلى قومك فقم فيهم، وقل لهم: إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم ; فلذلك استبقاكم يا معشر

أبناء الأنبياء، كيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي، وكيف وجدتم مغبة معصيتي؟ وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي؟ وهل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي؟ إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويحكمون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري وسنتي، وغروهم عني، فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي.

وأما ملوكهم وأمراؤهم، فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرتهم الدنيا، حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرفون كتابي ويفترون على رسلي ; جرأة منهم علي وغرة بي. فسبحان جلالي، وعلو مكاني، وعظمة شأني، هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟! وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟! وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني؟! أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهي لا تنبغي إلا لي! وأما قراؤهم وفقهاؤهم، فيدرسون ما يتخيرون، فينقادون للملوك، فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي. وأما

أولاد النبيين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنون مثل نصري آباءهم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم، ولا تفكر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حتى اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا، حتى عز أمري، وظهر ديني، فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني ويرجعون، فتطولت عليهم وصفحت عنهم، فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون، وكل ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدو، ولا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني، فحتى متى هذا! أبي يسخرون! أم بي يتمرسون! أم إياي يخادعون! أم علي يجترئون! فإني أقسم بعزتي، لأتيحن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا، ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل الليل المظلم، له فيه عساكر مثل قطع السحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النسور، وحمل فرسانه كسرب العقبان، يعيدون العمران خرابا، والقرى وحشا، ويعيثون في الأرض فسادا، ويتبرون ما علوا تتبيرا، قاسية قلوبهم; لا

يكترثون، ولا يرقون، ولا يرحمون، ولا يبصرون، ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد، تقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهر عليها المنكر، لا يعرفونها. فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها، ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها، الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير الدين، ويتعلمون فيها لغير العمل. لأبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء، وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتلى، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال. ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار، ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه والسوق والإسفار، والأرواح السموم، ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق، لوصل ذلك إليه.

إني إنما أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري. ثم لآمرن السماء خلال ذلك ; فلتكونن عليهم طبقا من حديد، ولآمرن

الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت، فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوني لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عنهم. وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك وذلك بأنك اخترتنا لنفسك وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك، ثم مكنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا، وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا، فأنت أوفى المنعمين، فلا تغير وإن غيرنا، ولا تبدل وإن بدلنا، وأن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك. فإن قالوا ذلك قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن بدلوا غيرت، وإذا غيروا غضبت، وإذا غضبت عذبت، وليس يقوم شيء لغضبي. قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحت أتكلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني، بما رضيت به مني طولا، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكير ولا تغيير مني، فإن

تعذبني فبذنبي وإن ترحمني فذلك ظني بك. ثم قال: يا رب، سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت، أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك، ومنزل وحيك؟ يا رب، سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد، ومن البيوت التي رفعت لذكرك؟ يا رب، سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتك هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم داود صفيك، يا رب، أي القرى تأمن عقوبتك بعد أورشليم؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم، وأمة نجيك موسى، وقوم خليفتك داود؟ تسلط عليهم عبدة النيران! قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي ; فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين، إلا أن أتداركهم برحمتي. قال أرميا: يا رب، اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به، وموسى قربته نجيا، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا، ولا تسلط علينا عدونا. فأوحى الله إليه: يا أرميا إني قدستك في بطن أمك، وأخرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل، لكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثمارها، ولا تنقطع

ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل ; إني كنت لهم بمنزلة الراعي الشفيق، أجنبهم كل قحط وكل عسرة، وأتبع بهم الخصب، حتى صاروا كباشا ينطح بعضها بعضا، فيا ويلهم ثم يا ويلهم، إنما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا ; فيظهرونها في المساجد، والأسواق، وعلى رءوس الجبال، وظلال الأشجار، حتى عجت السماء إلي منهم، وعجت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب.

قال: فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصوه وكذبوه واتهموه وقالوا: كذبت وعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب؟ لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون. فأخذوه وقيدوه وسجنوه، فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، ثم حاصرهم، فكان كما قال تعالى: {فجاسوا خلال الديار} [الإسراء: 5] . قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه، ففتحوا الأبواب، وتخللوا الأزقة، وذلك قوله تعالى: {فجاسوا خلال الديار} [الإسراء: 5] وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش

الجبارين، فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزمنى والشيوخ والعجائز، ثم وطئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق محسرات، وقتل المقاتلة، وخرب الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان كتب له الكتاب، فوجدوه قد مات، وأخرج أهل بيته الكتاب إليه، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل، وعزرائيل، وميخائيل، فأمضى لهم ذلك الكتاب، وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر، ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس، ووطئ الشام كلها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، فلما فرغ منها انصرف راجعا، وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا، فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير، وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط إيشا بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون ونفتالي ابني يعقوب، وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب، وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب، وألفين من سبط رايلون بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفا من سائر بني إسرائيل، وانطلق حتى قدم أرض بابل.

قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم، فكذبوه واتهموه، وضربوه، وقيدوه، وحبسوه. فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟ قال: نعم. قال: فإني علمت ذلك. قال: أرسلني الله إليهم فكذبوني. قال: كذبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم. قال: بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي، فأكرمك وأواسيك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك. قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه، لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان. فلما سمع بخت نصر هذا القول منه، تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض إيلياء. وهذا سياق غريب، وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة، وفيه من جهة التعريب غرابة.

وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الأهواز إلى الروم ; للملك على الفرس وهو لهراسب، وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب ب " الخنساء، وقاتل الترك، وألجأهم إلى أضيق الأماكن،

وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق وقد قيل: إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب ; وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم. وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، أن بخت نصر لما قدم دمشق، وجد بها دما يغلي على كبا - يعني القمامة - فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال: فقتل على ذلك سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا وهذا لا يصح ; لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدم، أو دم لبعض الصالحين، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به.

قال هشام بن الكلبي: ثم قدم بخت نصر بيت المقدس، فصالحه ملكها، وكان من آل داود وصانعه عن بني إسرائيل وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع، فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه، فضرب رقاب من معه من الرهائن ورجع إليهم، فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبى الذرية. قال: وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي، فأخرجه، وقص عليه ما كان من أمره إياهم، وتحذيره لهم عن ذلك، فكذبوه وسجنوه، فقال بخت نصر: بئس القوم قوم عصوا رسول

الله. وخلى سبيله وأحسن إليه. واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عز وجل مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة. فأخبرهم ما أمره الله تعالى به، فقالوا: كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت، وغضب الله على أهلها! فأبوا أن يقيموا. قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى وذهبت شرذمة منهم إلى مصر فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه، وسبى ذراريهم، ثم ركب إلى بلاد المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال: ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب، ومصر، وأهل بيت المقدس، وأرض فلسطين، والأردن وفي السبي دانيال. قلت: والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر، على ما ذكره وهب بن منبه والله أعلم.

** [ذكر شيء من خبر دانيال عليه السلام] **

قال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: ضرى بخت نصر أسدين، فألقاهما في جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما، فلم يهيجاه فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام: أن أعدد طعاما وشرابا لدانيال. فقال: يا رب، أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق. فأوحى الله إليه: أن أعدد ما أمرناك به فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت. ففعل، وأرسل إليه من حمله وحمل ما أعد حتى وقف على رأس الجب فقال: دانيال، دانيال. فقال: من هذا؟ قال: أنا أرميا. فقال: ما جاء بك؟ فقال: أرسلني إليك ربك. قال: وقد ذكرني ربي؟ قال: نعم. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه،

والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا.

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا، عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها ; لنعميه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال. قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعرات من قفاه ; إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة، فليس بنبي بل هو رجل صالح ; لأن عيسى ابن مريم ليس بينه وبين رسول الله

صلى الله عليه وسلم نبي، بنص الحديث الذي في البخاري والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل: ستمائة. وقيل: ستمائة وعشرون سنة. وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة، وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر ; فإنه قد يكون رجلا آخر ; إما من الأنبياء أو الصالحين، ولكن قربت الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس، فأقام عنده مسجونا كما تقدم. وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر. وعن أنس بن مالك بإسناد جيد، أن طول أنفه ذراع. فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد. والله أعلم.

وقد قال أبو بكر ابن أبي الدنيا في كتاب " أحكام القبور ": حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله عن أبي الأشعث الأحمري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دانيال دعا ربه عز وجل أن تدفنه أمة محمد فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر، وجده في تابوت، تضرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دل على دانيال فبشروه بالجنة. فكان الذي دل عليه رجل يقال له: حرقوص فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره،

فكتب إليه عمر أن ادفنه، وابعث إلى حرقوص ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة» . وهذا مرسل من هذا الوجه، وفي كونه محفوظا نظر. والله أعلم.

ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو بلال، حدثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد، - وكان عالما - قال: وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا، وجرة فيها ودك ودراهم، وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أما المصحف فابعث به إلينا، وأما الودك فابعث إلينا منه، ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به، واقسم الدراهم بينهم، وأما الخاتم فقد نفلناكه. وروى ابن أبي الدنيا من غير وجه، أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال، التزمه وعانقه وقبله، وكتب إلى عمر يذكر له أمره، وأنه وجد عنده مالا موضوعا، قريبا من عشرة آلاف درهم، وكان من جاء اقترض منها، فإن ردها وإلا مرض، وأن عنده ربعة، فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر، ويكفن ويدفن، ويخفى قبره، فلا يعلم به أحد، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال، وبالربعة فتحمل إليه، ونفله خاتمه. وروي عن أبي موسى، أنه أمر أربعة من الأسراء فسكروا نهرا، وحفروا في وسطه قبرا، فدفنه فيه، ثم قدم الأربعة الإسراء فضرب أعناقهم، فلم يعلم موضع قبره غير أبي موسى الأشعري، رضي

الله عنه.

وقال ابن أبي الدنيا حدثني إبراهيم بن عبد الله حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري خاتما، نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل، قال أبو بردة: هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال أخذه أبو موسى يوم دفنه. قال أبو بردة: فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم، فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم، فقالوا له: إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور ملكك ويفسده. فقال الملك: والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته. إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد، فبات الأسد ولبوته يلحسانه، ولم يضراه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ. قال أبو بردة: قال أبو موسى: قال علماء تلك القرية: فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه ; لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. إسناد حسن.

** [ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها] **

وهذا ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها، واجتماع بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض

قال الله تعالى في كتابه المبين، وهو أصدق القائلين: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] . قال هشام ابن الكلبي: ثم أوحى الله تعالى إلى أرميا، عليه السلام - فيما بلغني - أنى عامر بيت المقدس، فاخرج إليها فانزلها. فخرج حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها، ومتى يحييها الله بعد موتها؟ ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام، فمكث في نومه سبعين سنة

حتى هلك بخت نصر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب، وكان موت بخت نصر في دولته، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها من الإنس أحد، فنادى في أرض بابل، في بني إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام، فليرجع. وملك عليهم رجلا من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس، ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر، ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة، ثم بعثه الله، وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. قال: فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف، ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان، يعني بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في " تاريخه " عنه.

وذكر ابن جرير، أن لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته، قد دانت له العباد والبلاد، والملوك والقواد، وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل، ثم لما ضعف عن تدبير المملكة، بعد

مائة سنة ونيف، نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية ; وذلك أن رجلا كان اسمه زرادشت كان قد صحب أرميا، عليه السلام، فأغضبه، فدعا عليه أرميا فبرص زرادشت فذهب فلحق بأرض أذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه، لعنه الله، فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه، وقهرهم وقتل منهم خلقا كثيرا ممن أباه منهم. ثم كان بعد بشتاسب يهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين، وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة، وعمر دهرا طويلا، قبحه الله.

والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير، من أن هذا المار على هذه القرية هو أرميا عليه السلام، قاله وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما، وهو قوي من حيث السياق المتقدم. وقد روي عن علي، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عزير. وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف. والله أعلم.

** [قصة العزير] **

** [هل كان عزير نبيا أم لا] **

وهذه قصة العزير

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: هو عزير بن حيوة ويقال: ابن سوريق بن عرنا بن أيوب بن درثنا بن عرى بن تقى بن السبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران. ويقال: عزير بن شروخا. جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق. ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي، عن داود بن عمرو، عن حبان بن علي، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا: «لا أدري ألعن تبع أم لا، ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا؟» ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن، عن محمد بن إسحاق السجزي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. ثم روى من طريق إسحاق بن

بشر، وهو متروك، عن جويبر، ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، أن عزيرا كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث، فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة، قال: ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه. قال: وكان يذكر مع الأنبياء حتى محا الله اسمه من ذلك، حين سأل ربه عن القدر. وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر. والله أعلم.

وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن سلام، أن عزيرا هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب، وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، ومقاتل، وجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، وعبد الله بن إسماعيل السدي عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس، وإدريس، عن جده، وهب بن منبه، قال إسحاق بن بشر: كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير وزاد بعضهم على بعض، قالوا بإسنادهم: إن عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر، ودخل الخربة وهو على حماره، فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين، وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي

كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزا يابسا معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير ; ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها، ورأى عظاما بالية فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا، فبعث الله ملك الموت، فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث. قال: فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل به، وعينيه لينظر بهما ; فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسى عظامه اللحم، والشعر، والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالسا، فقال له الملك: {كم لبثت} [البقرة: 259] ، قال: {لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم ولم يتم لي يوم. فقال له الملك: {بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك} [البقرة: 259] يعني الطعام ; الخبز اليابس، وشرابه ; العصير الذي كان اعتصر في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس، فذلك قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير

عن شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك؟ انظر إلى حمارك. فنظر فإذا حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار، فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك، وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء، ناهقا يظن القيامة قد قامت، فذلك قوله: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] . يعني انظر إلى عظام حمارك كيف نركب بعضها بعضا في أوصالها، حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحما، {فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] من إحياء الموتى وغيره. قال: فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازلهم، فانطلق على وهم منه، حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير. فبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه

الناس. قال: فإني أنا عزير، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: سبحان الله! فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذكر. قال: فإني أنا عزير. قالت: فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. قال: فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله. فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم. فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه، فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه. قال: فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه. فكشف عن كتفيه، فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بخت نصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورق، ودرس الكتاب. قال: وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله، فجدد لهم التوراة،

ونزل من السماء شهابان، حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة، فجددها لبني إسرائيل. فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله - جل الله وعز - للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. والقرية التي مات فيها يقال لها: سايراباذ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} [البقرة: 259] يعني لبني إسرائيل. وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب ; لأنه مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شابا، كهيئة يوم مات. قال ابن عباس: بعث بعد بخت نصر. وكذلك قال الحسن.

وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس:

وأسود رأس شاب من قبله ابنه ... ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر

يرى ابن ابنه شيخا يدب على عصا ... ولحيته سوداء والرأس أشقر

وما لابنه حيل ولا فضل قوة ... يقوم كما يمشي الصبي فيعثر

يعد ابنه في الناس تسعين حجة ... وعشرين لا يجري ولا يتبختر

وعمر أبيه أربعون أمرها ... ولابن ابنه تسعون في الناس غبر

فما هو في المعقول إن كنت داريا ... وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر

** [الزمن الذي بعث فيه العزير] **

فصل

المشهور أن عزيرا نبي من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين داود وسليمان، وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها، فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه: أمر الله ملكا فنزل بمغرفة من نور فقذفها في في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف، حتى فرغ منها.

وروى ابن عساكر، عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] . لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه، وقول بني إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب، وإن عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب. فرماه طوائف منهم، وقالوا: عزير ابن الله.

ولهذا يقول كثير من العلماء: إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. وهذا متجه جدا إذا كان العزيز غير نبي، كما قاله عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، فيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء وعن

عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ومقاتل، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان في الفترة تسعة أشياء: بخت نصر وجنة صنعاء، وجنة سبأ، وأصحاب الأخدود وأمر حاصورا، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، ومدينة أنطاكية، وأمر تبع.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة. وقد ثبت في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بيني وبينه نبي» وقال وهب بن منبه: كان فيما بين سليمان وعيسى، عليهما السلام.

وقد روى ابن عساكر، عن أنس بن مالك، وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران وأنه استأذن عليه، فلم يأذن له - يعني لما كان من سؤاله عن القدر - وأنه انصرف وهو يقول: مائة موتة أهون من ذل ساعة. وفي معنى قول عزير: مائة موتة أهون من ذل ساعة. قول بعض الشعراء:

قد يصبر الحر على السيف ... ويأنف الصبر على الحيف

ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيها عن قرى الضيف

فأما ما روى ابن عساكر وغيره، عن ابن عباس، ونوف البكالي وسفيان الثوري، وغيرهم، من أنه سأل عن القدر، فمحي اسمه من ذكر الأنبياء - فهو منكر، وفي صحته نظر، وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات. وقد روى عبد الرزاق، وقتيبة بن سعيد، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: قال عزير فيما يناجي ربه: يا رب، تخلق خلقا، فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. فقيل له: أعرض عن هذا. فعاد فقيل له: لتعرضن عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. وهذا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد، فما عاد، فما محي اسمه. والله أعلم.

وقد روى الجماعة سوى الترمذي، من حديث يونس بن يزيد عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزل نبي

من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة» فروى إسحاق بن بشر، عن ابن جريج، عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه، أنه عزير. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير. فالله أعلم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com