John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة تسعين ومائة من الهجرة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 253 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

فيها خلع رافع بن ليث بن نصر بن سيار نائب سمرقند الطاعة، ودعا إلى نفسه، وتابعه أهل بلده وطائفة كثيرة من تلك الناحية، واستفحل أمره، فسار إليه نائب خراسان علي بن عيسى، فهزمه رافع وتفاقم الأمر به.

وفيها سار هارون الرشيد لغزو بلاد الروم لعشر بقين من رجب، وقد لبس على رأسه قلنسوة، فقال فيها أبو المعلى الكلابي:

فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور

ففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض الترفه فوق كور

ثم وصل إلى الطوانة، فعسكر بها، فبعث إليه نقفور بالطاعة، وحمل الخراج والجزية حتى عن رأسه ورأس ولده، وأهل مملكته - في كل سنة - خمسين ألف دينار، وبعث يطلب من الرشيد جارية قد أسروها، كانت ابنة ملك هرقلة، وكان قد خطبها على ولده، فبعث بها الرشيد مع هدايا وتحف، وطيب بعث بطلبه، واشترط عليه الرشيد أن يحمل في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وأن لا يعمر هرقلة. ثم انصرف الرشيد راجعا، واستناب على الغزو عقبة بن جعفر.

ونقض أهل قبرس العهد، فغزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها، وقتل منهم خلقا كثيرا، وخرج رجل من عبد القيس، فبعث إليه الرشيد من قتله، وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى الهادي.

** [ذكر من توفي فيها من الأعيان والمشاهير] **

### $ أسد بن عمرو بن عامر، أبو المنذر البجلي الكوفي،

صاحب أبي حنيفة، وحكم ببغداد وبواسط، فلما أنكر بصره عزل نفسه عن القضاء، وروى عنه أحمد بن حنبل وقال: كان صدوقا. ووثقه ابن معين، وتكلم فيه علي ابن المديني والبخاري. ### $ سعدون المجنون، صام ستين سنة، فخف دماغه، فسماه الناس المجنون. وقف يوما على حلقة ذي النون المصري فسمع كلامه، فصرخ ثم أنشأ يقول:

ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر

وقال الأصمعي: مررت به وهو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه، فقلت: ما لي أراك عند رأس هذا الشيخ؟ فقال: إنه مجنون. فقلت:

أنت المجنون أو هو؟ قال: لا، بل هو، لأني صليت الظهر والعصر جماعة، وهو لم يصل جماعة ولا فرادى. قلت: فهل قلت في هذا شيئا؟ قال: نعم. ثم أنشأ يقول:

تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء قراحا

لأن النبيذ يذل العزيز ... ويكسو بذاك الوجوه الصباحا

فإن كان ذا جائزا للشباب ... فما العذر منه إذا الشيب لاحا

قال الأصمعي: فقلت له: صدقت. وانصرفت. ### $ عبيدة بن حميد بن صهيب، أبو عبد الرحمن التيمي الكوفي، مؤدب الأمين، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد بن حنبل، وكان يثني عليه ### $ [يحيى بن خالد بن برمك]

أبو علي الوزير، والد جعفر البرمكي، ضم إليه المهدي ولده الرشيد، فرباه وأرضعته امرأته مع الفضل بن يحيى، فلما ولي الرشيد عرف له حقه، وكان يقول: قال أبي. وفوض إليه أمور الخلافة وأزمتها، ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة، فقتل جعفرا، وخلد أباه في الحبس حتى مات في هذه السنة. وكان كريما فصيحا، ذا رأي سديد،

ويظهر من أموره خير وصلاح.

قال يوما لولده: خذوا من كل شيء طرفا، فإن من جهل شيئا عاداه.

وقال لأولاده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون.

وكان يقول لهم: إذا أقبلت الدنيا فأنفقوا منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفقوا منها فإنها لا تبقى.

وكان إذا سأله سائل في الطريق وهو راكب أقل ما يأمر له بمائتي درهم، فقال له رجل يوما:

يا سمي الحصور يحيى أتيحت ... لك من فضل ربنا جنتان

كل من مر في الطريق عليكم ... فله من نوالكم مائتان

مائتا درهم لمثلي قليل ... هي منكم للقابس العجلان

فقال: صدقت. وأمر أن يسبق به إلى الدار، فلما رجع سأل عنه، فإذا هو قد تزوج، وهو يريد أن يدخل على أهله، فأعطاه صداقها أربعة آلاف، وثمن دار أربعة آلاف، وثمن الأمتعة أربعة آلاف، وثمن الدخول أربعة آلاف، وأربعة آلاف يستظهر بها.

وجاء رجل يوما يسأله شيئا، فقال: ويحك! لقد جئتني في وقت لا أملك فيه مالا، ولكن قد بعث إلي صاحب لي يطلب مني أن يهدي إلي ما أحب، وقد بلغني أنك تريد أن تبيع جارية لك، وأنك قد أعطيت فيها ثلاثة آلاف دينار، وإني سأطلبها منه، فلا تبعها منه بأقل من ثلاثين ألف دينار، فلما جائني يساومني فيها ألححت أن لا أبيعها بأقل من ثلاثين ألف دينار، فبلغ ثمنها عشرين ألف دينار، فلما سمعتها ضعف قلبي وأجبت إلى بيعها، فلما اجتمعت بيحيى، قال: بكم بعتها؟ قلت: بعشرين ألف دينار. قال: إنك لخسيس، خذ جاريتك إليك، وقد بعث إلي نائب فارس يطلب مني أن أستهديه شيئا، وإني سأطلبها منه، فلا تبعها بأقل من خمسين ألف دينار، فجاءوني فوصلوا إلى ثلاثين ألف دينار، فبعتها. فلما جئته لامني أيضا، وردها علي، فقلت: أشهدك أنها حرة، وأني قد تزوجتها.

وذكر الخطيب أن الرشيد طلب من منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم، ولم يكن عنده منها سوى ألف ألف، فضاق ذرعا، وقد توعده إن لم يحملها في يومه ذلك وإلا قتله، فدخل على يحيى بن خالد، وذكر له أمره، فأطلق له خمسة آلاف ألف، واستطلق له من ابنه الفضل ألفي ألف، وقال لابنه:

يا بني، بلغني أنك تريد أن تشتري بها ضيعة، وهذه ضيعة تغل الشكر وتبقى مدى الدهر. وأخذ له من ابنه جعفر ألف ألف، وأخذ له من جاريته دنانير عقدا مشتراه مائة ألف دينار، وعشرون ألف دينار، وقال للمترسم عليه: قد حسبناه عليك بألفي ألف. فلما عرضت الأموال على الرشيد رد العقد، وكان قد وهبه لجارية يحيى، فلم يعد فيه بعد أن وهبه لها.

وقد قال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبت، بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال. فقال: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها. ثم أنشأ يقول:

رب قوم قد غدوا في نعمة ... زمنا والدهر ريان غدق

سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق

وقد كان يحيى بن خالد يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، وكان سفيان يدعو له في سجوده يقول: اللهم إنه قد كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته. فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بدعاء سفيان.

وقد كانت وفاة يحيى بن خالد، في الحبس بالرافقة لثلاث خلون من المحرم في هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن على شط الفرات. وقد وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم والمدعى

عليه بالأثر، والحاكم الحكم العدل الذي لا يجور، ولا يحتاج إلى بينة. فحملت إلى الرشيد، فلما قرأها ما زال يبكي يومه ذلك، وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه.

وقد قال بعض الشعراء في يحيى بن خالد هذا:

سألت الندا هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد

فقلت شراء؟ قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com