John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة ست وتسعين ومائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 259 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة

فيها حبس محمد الأمين أسد بن يزيد؛ لأجل أنه نقم على الأمين لعبه وتهاونه في أمر الرعية، وارتكابه اللعب والصيد في هذا الوقت.

ووجه الأمين أحمد بن مزيد، وعبد الله بن حميد بن قحطبة في أربعين ألفا مع كل واحد منهما عشرون ألفا إلى حلوان لقتال طاهر بن الحسين أمير الحرب من جهة المأمون فلما وصلوا إلى قريب من حلوان خندق طاهر على جيشه خندقا، وجعل يعمل الحيلة في إيقاع الفتنة بين الأميرين، فاختلفا فرجعا ولم يقاتلاه، ودخل طاهر إلى حلوان وجاءه كتاب المأمون بتسليم ما تحت يده إلى هرثمة بن أعين، وأن يتوجه هو إلى الأهواز، ففعل ذلك.

وفيها رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل ولاه أعمالا كبارا، وسماه ذا الرياستين.

وفيها ولى الأمين نيابة الشام لعبد الملك بن صالح بن علي وقد كان أخرجه من سجن الرشيد وأمره أن يبعث له رجالا وجنودا لقتال طاهر وهرثمة، فلما وصل عبد الملك بن صالح إلى الرقة أقام بها، وكتب إلى رؤساء الشام

يتألفهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقدم عليه منهم خلق كثير، ثم وقعت حروب كان مبدؤها من أهل حمص وتفاقم الأمر وطال القتال بين الناس، ومات عبد الملك بن صالح هنالك، فرجع الجيش إلى بغداد صحبة الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فتلقاه أهل بغداد بالإكرام والاحترام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة. فلما وصل إليها جاءه رسول الأمين يطلبه، فقال: والله ما أنا بمسامر ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا جاء له على يدي مال، فلأي شيء يريدني في هذه الليلة؟

[سبب خلع محمد الأمين]

** ذكر سبب خلع محمد الأمين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون **

لما أصبح الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ولم يذهب إلى الأمين لما طلبه، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الرقة قام في الناس خطيبا وألبهم على الأمين، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه، وندبهم لذلك، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير، وبعث محمد الأمين إليه خيلا، فاقتتلوا مليا من النهار، فأمر الحسين

أصحابه أن يترجلوا إلى الأرض وأن يقاتلوا بالسيوف والرماح، فانهزم جيش الأمين، وخلع محمدا الأمين، وذلك يوم الأحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة، وأخذ البيعة من الغد لعبد الله المأمون ولما كان يوم الثلاثاء نقل الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد وضيق عليه وقيده واضطهده، وأمر العباس بن موسى بن عيسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هنالك فامتنعت فقنعها بالسوط، وقهرها على الانتقال، فانتقلت مع أولادها، فلما أصبح الناس يوم الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه، وصار أهل بغداد فرقتين؛ فرقة مع الخليفة وفرقة عليه، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه، ودخلوا به على الخليفة، ففكوا عنه قيوده، وأجلسوه على السرير، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن، فانتهب الناس خزائن السلاح بسبب ذلك، وأتي الأمين بالحسين بن علي بن عيسى، فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك، فعفا عنه، وخلع عليه، واستوزره، وأعطاه الخاتم، وولاه ما وراء بابه، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان فلما وصل إلى الجسر هرب في خدمه وحاشيته، فبعث إليه الأمين من يرده، فركبت الخيول وراءه فأدركوه، فقاتلهم وقاتلوه،

فقتلوه لمنتصف رجب، وجاءوا برأسه إلى الأمين، وجدد الناس بيعة الأمين يوم الجمعة. ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب، واستحوذ طاهر بن الحسين نائب المأمون على أكثر البلاد، واستناب بها النواب، من جهة المأمون وخلعت أكثر الأقاليم الأمين، وبايعوا المأمون وتدنى طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل، وغير ذلك، ولم يبق مع الأمين من البلاد إلا القليل.

وفي شعبان منها عقد محمد الأمين أربعمائة لواء، مع كل لواء أمير، وبعثهم لقتال هرثمة بن أعين فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة، وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به إلى المأمون وهرب جماعة من جند طاهر، نحو من خمسة آلاف، فساروا إلى الأمين ببغداد فأعطاهم أموالا كثيرة، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية، فسموا جيش الغالية. ثم ندبهم الأمين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم، وفرق شملهم، وأخذ ما كان معهم. واقترب من بغداد فحاصرها، وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا، ثم وقع بين الجيش، وسعت الأصاغر على الأكابر،

واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحجة، فقال بعض البغاددة:

قل لأمين الله في نفسه ... ما شتت الجند سوى الغاليه

وطاهر نفسي تقي طاهرا ... برسله والعدة الكافيه

أضحى زمام الملك في كفه ... مقاتلا للفئة الباغيه

يا ناكثا أسلمه نكثه ... عيوبه في جيشه فاشيه

قد جاءك الليث بشداته ... مستكلبا في أسد ضاريه

فاهرب ولا مهرب من مثله ... إلا إلى النار أو الهاويه

فتفرق على الأمين شمله، وحار في أمره، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه، فنزل على باب الأنبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، واشتد الحال على أهل البلد، وأخذت الدعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار، وثارت الفتنة بين الناس حتى قاتل الأخ أخاه، والابن أباه.

وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي، من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة

النبوية، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون بالخلافة.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وفيها توفي: ### $ بقية بن الوليد الحمصي، إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها. ### $ وحفص بن غياث القاضي، عاش فوق التسعين، ولما احتضر بكى بعض أصحابه، فقال له: لا تبك، والله ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم منهما. ### $ وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله، وتزهد، وأوصى عند موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه. ### $ أبو شيص الشاعر محمد بن رزين بن سليمان، كان إنشاد الشعر وإنشاؤه،

ونظمه أسهل عليه من شرب الماء، وكان هو ومسلم بن الوليد الملقب صريع الغواني وأبو نواس، ودعبل يجتمعون ويتناشدون. وقد عمي أبو الشيص في آخر عمره.

ومن جيد شعره قوله:

وقف الهوى بي حيث أنت ... فليس لي متأخر عنه ولا متقدم

أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم

وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com