John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة سبع وعشرين ومائتين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 290 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين

فيها خرج رجل من أهل الغور بالشام، يقال له: أبو حرب المبرقع اليماني. فخلع الطاعة، ودعا إلى نفسه، وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله وذلك في غيبة أبي حرب، فمانعته المرأة، فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها، فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته، فذهب إلى الجندي وهو غافل فضربه فقتله، ثم تحصن في رءوس الجبال وهو مبرقع، فإذا جاءه أحد دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذم من السلطان، فاتبعه خلق كثير من الحراثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام. واستفحل أمره جدا، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل، فنفذ إليه الخليفة المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من ألف مقاتل، فلما قدم الأمير وجد أمة كثيرة قد اجتمعوا حوله فخشي أن يناجزه،

والحالة هذه فانتظر حتى جاء وقت حرث الأراضي، فتصرم عنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شرذمة قليلة من أصحابه، فناهضه، فأسره جيش الخليفة وتفرق عنه أصحابه، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام فاعتذر بأنه كان معه مائة ألف أو يزيدون، فلم يزل يطاوله حتى أمكن الله منه. فشكره على ذلك. وقد ذكر قصته مبسوطة الحافظ ابن عساكر في ترجمته من الكنى.

[وفاة المعتصم]

[فتوحات بلاد بابك على يد المعتصم]

** ذكر وفاة المعتصم **

وفي يوم الخميس لساعتين مضتا منه الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور.

** [ترجمة الخليفة المعتصم] **

وهذه ترجمة الخليفة المعتصم

هو أمير المؤمنين، أبو إسحاق محمد المعتصم ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد ابن أمير المؤمنين المهدي محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، يقال له: المثمن. لوجوه؛ منها أنه ثامن ولد العباس، ومنها أنه ثامن الخلفاء من ذريته، ومنها أنه فتح ثماني فتوحات؛ بلاد بابك على يد الأفشين وعمورية بنفسه، والزط بعجيف، وبحر البصرة وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشارك، وفتح مصر بعد عصيانها، وقتل ثمانية أعداء: بابك، ومازايار، وياطس الرومي، والأفشين، وعجيفا، وقارن، وقائد الرافضة، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين، وثمانية أشهر، وثمانية أيام. وقيل: ويومين. وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان، وهو الشهر الثامن، وأنه توفي وله من

العمر ثمانية وأربعون سنة، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات، ومنها أنه دخل بغداد من الشام وهو خليفة في مستهل رمضان سنة ثماني عشرة، ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة، بعد موت أخيه المأمون بطرسوس، كما تقدم.

قالوا: وكان أميا لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام، فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات واستراح من الكتاب. فقال له أبوه الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب إلى الكتاب بعدها. فتركوه فكان أميا، وقيل: بل كان يكتب كتابة ضعيفة.

وقد أسند الخطيب البغدادي من طريقه عن آبائه حديثين منكرين؛ أحدهما في ذم بني أمية، ومدح بني العباس من الخلفاء، والثاني في النهي عن الحجامة يوم الخميس.

وذكر بسنده عن المعتصم أن ملك الروم كتب إليه كتابا يتهدده فيه،

فقال للكاتب: اكتب: قد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، " وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ".

قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، ونصب على عمورية المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها فقتل فيها ثلاثين ألفا، وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقا، وطرح النار في عمورية من سائر نواحيها فأحرقها وجاء ببابها إلى العراق وهو باق حتى الآن منصوب على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر.

وروي عن أحمد بن أبي داود القاضي، أنه قال: ربما أخرج المعتصم ساعده إلي، وقال لي: عض يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه. فأقول: إنه لا تطيب نفسي يا أمير المؤمنين. فيقول: إنه لا يضرني. فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده.

قال: ومر يوما في خلافة أخيه بمخيم الجند، فإذا امرأة تقول: ابني ابني.

فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: ابني أخذه صاحب هذه الخيمة. فجاء إليه المعتصم، فقال له: أطلق هذا الصبي. فامتنع عليه، فقبض على جسده بيده، فسمع صوت عظامه من تحت يده، ثم أرسله فسقط ميتا، وأمر بإخراج الصبي إلى أمه

ولما ولي الخلافة كان شهما في أيامه وله همة عالية، ومهابة عظيمة جدا، وقال بعضهم: إنما كانت همته في الحرب، لا في البناء، ولا في غيره.

وقال القاضي أحمد بن أبي داود: تصدق المعتصم على يدي، ووهب ما قيمته مائة ألف ألف درهم. وقال غيره: كان المعتصم إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل.

وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت يوما على المعتصم وعنده قينة له تغنيه، فقال لي: كيف تراها؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه،

وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدر على النحور. فقال: والله لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها. ثم قال لابنه هارون الواثق، ولي عهده من بعده: اسمع هذا الكلام.

وقد استخدم المعتصم من الأتراك خلقا عظيما كان له من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا، وتم له من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يقول {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] وقال: لو علمت أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت، وقال: إني أخذت من بين هذا الخلق، وجعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة.

وروي عنه أنه قال في مرض موته: اللهم إني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي.

وكانت وفاته بسر من رأى في يوم الخميس ضحى لتسع عشرة ليلة خلت

من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان مولده يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة، وولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومائتين. وكان المعتصم أبيض، أصهب اللحية طويلها، مربوعا، ومشرب اللون، أمه أم ولد اسمها ماردة وهو أحد أولاد ستة من أولاد الرشيد، كل منهم اسمه محمد؛ وهم أبو إسحاق المعتصم، وأبو العباس الأمين، وأبو عيسى، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب، قاله هشام بن الكلبي، وقد قام بالخلافة بعده ولده هارون الواثق.

وقد ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه فقال:

قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيدي التراب والطين

اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين

لا جبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون

وقال مروان بن أبي الجنوب وهو ابن أبي حفصة:

أبو إسحاق مات ضحى فمتنا ... وأمسينا بهارون حيينا

لئن جاء الخميس بما كرهنا ... لقد جاء الخميس بما هوينا

** [خلافة الواثق هارون بن المعتصم] **

بويع له بالخلافة قبل أن مات أبوه المعتصم يوم الأربعاء لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومائتين، ويكنى بأبي جعفر، وأمه أم ولد رومية، يقال لها: قراطيس. وقد خرجت في هذه السنة قاصدة الحج، فماتت بالحيرة، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خلون من ذي القعدة من هذه السنة، وكان الذي أقام للناس الحج في هذه السنة جعفر بن المعتصم.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي في هذه السنة من المشاهير: ### $ ملك الروم توفيل بن ميخائيل.

وكانت مدة ملكه ثنتي عشرة سنة فملكت بعده امرأته تدورة، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا.

وفيها توفي: ### $ بشر الحافي.

الزاهد المشهور، وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي نزيل بغداد.

قال ابن خلكان وكان اسم جده عبد الله بعبور، أسلم على يدي علي بن أبي طالب قلت: وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومالك، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم.

وعنه جماعة؛ منهم أبو خيثمة زهير بن حرب، وسري السقطي، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتم.

قال محمد بن سعد: سمع بشر كثيرا، ثم اشتغل بالعبادة، واعتزل الناس ولم يحدث، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشفه.

قال الإمام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لكان قد تم أمره، وقال إبراهيم الحربي ما أخرجت بغداد أتم عقلا، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء، وما نقص من عقله شيء.

وذكر غير واحد: أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها، ووضعها حيث لا تنال فأحيا الله قلبه، وألهمه رشده، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة.

ومن كلامه: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل. وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له: بماذا تأتدم؟ فقال: أذكر العافية فأجعلها أدما. وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا، طرق يوما بابا، فقيل: من؟ فقال بشر الحافي فقالت جارية صغيرة: أما وجد هذا دانقين يشتري بهما نعلا ويستريح من هذا الاسم. قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء إلى حذاء، فطلب منه شراكا لنعله، فقال له: ما أكثر كلفتكم على الناس! فطرح النعل من يده، وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا.

قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء. وقيل في رمضان

ببغداد. وقيل: بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة. وقيل: في سنة ست وعشرين. والأول أصح. والله أعلم.

وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج من بعد صلاة الفجر، فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة، وكان علي بن المديني، وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وروي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكن فيه، وأنه رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ولكل من شهد جنازتي، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة.

وذكر الخطيب البغدادي أنه كان له أخوات ثلاث؛ وهن مخة، ومضغة، وزبدة، وكلهن عابدات زاهدات مثله، وأشد ورعا أيضا. ذهبت إحداهن فاستأذنت على أحمد بن حنبل، رحمه الله، فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل، فإذا كان ضوء القمر غزلت فيه فعلي

عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال لها: إن كان بينهما فرق فأعلمي به المشتري، وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات، فخلصني من ذلك، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال: لا، إنما هو شكوى إلى الله عز وجل، ثم خرجت. فقال لابنه عبد الله: يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة؟ قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر الحافي وإذا هي أخته.

وروى الخطيب البغدادي أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخي بشر، فدخل برجله في الدار، وبقيت الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له: فيم تفكرت ليلتك؟ قال: تفكرت في بشر النصراني، وبشر اليهودي، وبشر المجوسي، وفي نفسي واسمي بشر فقلت: ما الذي سبق منك حتى خصك بالإسلام من بينهم؟ فتفكرت في تفضله

علي، وحمدته على أن جعلني من خاصته، وألبسني لباس أحبابه.

وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال، وقد ذكر ابن عساكر أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات:

تعاف القذى في الماء لا تستطيعه ... وتكرع من حوض الذنوب فتشرب

وتؤثر من أكل الطعام ألذه ... ولا تذكر المختار من أين يكسب

وترقد يا مسكين فوق نمارق ... وفي حشوها نار عليك تلهب

فحتى متى لا تستفيق جهالة ... وأنت ابن سبعين بدينك تلعب

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $$$$ أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي.

وإسماعيل بن عمرو البجلي.

وسعيد بن منصور.

صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه في

مثلها إلا القليل.

ومحمد بن الصباح الدولابي.

وله سنن أيضا.

وأبو الوليد الطيالسي.

وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com