John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة ثلاث وخمسين ومائتين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 316 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين

في رجب منها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير على جيش قريب من أربعة آلاف ; ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبي دلف بناحية همذان ; وذلك لأنه خرج عن الطاعة، وهو في نحو من عشرين ألفا، فهزموا عبد العزيز في أواخر هذا الشهر هزيمة فظيعة. ثم كانت بينهما وقعة أخرى في رمضان عند الكرج فهزم عبد العزيز أيضا، وقتل من أصحابه بشر كثير، وأسروا ذراري كثيرة حتى أسروا أم عبد العزيز، وبعثوا إلى الخليفة سبعين حملا من الرءوس وأعلاما كثيرة، وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من بلاد الخليفة.

وفي رمضان منها خلع المعتز على بغا الشرابي وألبسه التاج والوشاحين.

وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند البوازيج ; وذلك أن رجلا يقال له: مساور بن عبد الحميد حكم فيها والتف عليه نحو من سبعمائة من

الخوارج، فقصد له رجل يقال له: بندار الطبري. في نحو ثلاثمائة من أصحابه، فالتقوا في هذا اليوم فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج نحو من خمسين، وقتل من أصحاب بندار مائتان، وقيل: وخمسون رجلا. وقتل بندار في من قتل، رحمه الله. ثم صمد مساور إلى حلوان فقاتله أهلها، وأعانهم حجاج أهل خرسان، فقتل مساور منهم نحوا من أربعمائة إنسان، قبحه الله. وقتل من أصحابه جماعة كثيرون أيضا. ولثلاث بقين من شوال قتل وصيف التركي وأرادت العامة أن تنهب داره بسامرا ودور أولاده، فلم يمكنهم ذلك، وجعل الخليفة المعتز ما كان إليه إلى بغا الشرابي.

وفي ليلة أربع عشرة من ذي القعدة من هذه السنة خسف القمر حتى غاب أكثره وغرق نوره، وعند انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق ببغداد. وكانت علته قروحا في رأسه وحلقه فذبحته، ولما أتي به ليصلى عليه اختلف أخوه عبيد الله وابنه طاهر، أيهما يصلي عليه، وتنازعا حتى جذبت السيوف وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغوغاء: يا طاهر، يا منصور. فمال عبيد الله إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وكان أخوه قد أوصى إليه. وحين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع والولاية إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأطلق عبيد الله للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم.

وفيها نفى الخليفة المعتز أخاه أبا أحمد من سر من رأى إلى واسط ثم إلى

البصرة ثم رد إلى بغداد فأنزل في الشرقية في قصر دينار بن عبد الله.

وفيها نفي علي ابن المعتصم إلى واسط ثم رد إلى بغداد أيضا.

وفي يوم الإثنين سلخ ذي القعدة التقى موسى بن بغا الكبير هو والحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين فاقتتلا قتالا شديدا، ثم هزم الكوكبي وأخذ موسى بن بغا قزوين وهرب الكوكبي إلى الديلم. وذكر ابن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة أن الكوكبي حين التقى أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف، وكانت السهام لا تعمل فيهم، فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط بالأرض، ثم جاولوهم وأروهم أنهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحاب الكوكبي، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك بإلقاء النار فيه، فجعلت النار تحرق أصحاب الكوكبي، ففروا سراعا هاربين، وكر عليهم موسى وأصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الكوكبي إلى الديلم، وتسلم موسى بن بغا قزوين.

وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي من الأعيان: ### $$$$ أبو الأشعث. وأحمد بن سعيد الدارمي.

### $ وسري السقطي.

أحد كبار مشايخ أئمة الصوفية، وهو السري بن المغلس أبو الحسن السقطي البغدادي، تلميذ معروف الكرخي حدث عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، وعلي بن غراب، ويحيى بن يمان، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه ابن أخته الجنيد بن محمد، وأبو الحسن النوري، ومحمد بن الفضل بن جابر السقطي، وجماعة.

وكانت له دكان يتجر فيها، فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها تشتري فيه شيئا لسادتها، فجعلت تبكي، فأعطاها سري شيئا تشتري به بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية، فقال له: بغض الله إليك الدنيا.

وقال سري: مررت في يوم عيد، فإذا معروف ومعه صبي صغير شعث الحال، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفا والصبيان يلعبون وهو منكسر، فقلت له: ما لك لا تلعب؟ فقال: أنا يتيم ولا شيء معي أشتري به جوزا ألعب به. فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزا يفرح به، فقلت: ألا أكسوه وأعطيه شيئا يشتري به جوزا؟ فقال: أوتفعل؟ فقلت:

نعم. فقال: خذه، أغنى الله قلبك. قال: فسويت الدنيا عندي أقل شيء.

وكان عنده مرة لوز، فساومه رجل على الكر بثلاثة وستين دينارا، ثم ذهب الرجل، فإذا اللوز يساوي الكر منه تسعين دينارا، فقال له: إني أشتري منك الكر بتسعين دينارا. فقال: إني ساومتك بثلاثة وستين، وإني لا أبيعه إلا بذلك. فقال الرجل: وأنا أشتري منك بتسعين. فقال: لا أبيعه إلا بما ساومتك عليه. فقال الرجل: إن من النصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارا. وذهب فلم يشتر منه.

وجاءت امرأة يوما إلى سري فقالت: إن ابني قد أخذه الحرس، وإني أحب أن تبعث إلى صاحب الشرطة لئلا يضرب. فقام فكبر وطول في الصلاة وجلعت المرأة تحترق في نفسها، فلما انصرف من الصلاة قالت المرأة: الله الله في ولدي. فقال: هاأنذا في حاجتك. فما قام من مجلسه حتى جاءت امرأة إلى تلك المرأة فقالت: أبشري، فقد أطلق المتولي ولدك. فانصرفت إليه. وقال سري: أشتهي أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة، ولا

لأحد علي فيها منة، فما أجد إلى ذلك سبيلا. وفي رواية قال: إني لأشتهي البقل من ثلاثين سنة، فما أقدر عليه. وعن السري أنه قال: احترق سوقنا، فقصدت المكان الذي فيه دكاني، فتلقاني رجل فقال: أبشر ; فإن دكانك قد سلمت. فقلت: الحمد لله. ثم تذكرت ذلك التحميد، فأنا أستغفر الله منذ ثلاثين سنة. رواها الخطيب.

وقال السري: صليت وردي ذات ليلة ثم مددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سري، كذا تجالس الملوك؟ قال: فضممت رجلي ثم قلت: وعزتك لا مددت رجلي أبدا. وقال الجنيد بن محمد: ما رأيت أعبد لله من السري السقطي ; أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت. وقال الخطيب: عن أبي نعيم، عن جعفر الخلدي، عن الجنيد بن محمد قال: دخلت عليه أعوده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: كيف أشكو إلى طبيبي ما بي، والذي قد أصابني من طبيبي.

قال: فأخذت المروحة أروحه، فقال لي: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟ ثم أنشأ يقول:

القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق

كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق

يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فامنن علي به ما دام بي رمق

قال: وقلت له: أوصني. قال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.

وقد ذكر الخطيب وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر. قال: ودفن بمقبرة الشونيزية، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجنيد. وروي عن القاضي، عن أبي عبيد بن حربويه قال: رأيت سريا في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ولكل من شهد جنازتي. قلت: فإني ممن حضر جنازتك وصلى عليك. قال: فأخرج درجا فنظر فيه، فلم ير فيه اسمي، فقلت: بلى، قد حضرت، فإذا اسمي في الحاشية.

وحكى ابن خلكان قولا ; أن سريا توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ست وخمسين. فالله أعلم. قال ابن خلكان: ومما كان ينشده السري، رحمه الله:

إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا

فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا ... وتذهل حتى لا تجيب المناديا

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com