Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة ست وخمسين ومائتين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 319 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين
في صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من المحرم قدم موسى بن بغا الكبير إلى سامرا فدخلها في جيش هائل قد عباه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين فقصد دار الخلافة التي فيها المهتدي جالس للعامة لكشف المظالم واستأذنوا عليه فتمادى الإذن ساعة وتأخر عنهم فظنوا في أنفسهم أن الخليفة إنما طلبهم خديعة منه ليسلط عليهم صالح بن وصيف فدخلوا عليه هجما فجعلوا يراطنونهم بالتركي ثم عزموا فأقاموه من مجلسه وانتهبوا ما كان فيه ثم أخذوه مهانا إلى دار أخرى فجعل يقول لموسى بن بغا: ما لك ويحك؟! إنى إنما أرسلت إليك لأتقوى بك على صالح بن وصيف فقال: لا بأس عليك احلف لي أنك لا تريد بي خلاف ما أظهرت، فحلف له الخليفة فطابت أنفسهم وبايعوه بيعة ثانية مشافهة وأخذوا عليه العهود والمواثيق أن لا يمالئ صالحا عليهم واصطلحوا على ذلك ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتز، ومن قتله صالح بن وصيف من الكتاب وغيرهم، فوعدهم أن يأتيهم ثم اجتمع بجماعة من الأمراء من أصحابه وأخذ يتأهب لجمع الجيوش عليهم ثم اختفى من ليلته لا يدري أحد أين ذهب في تلك الساعة فبعثوا المنادية تنادي عليه في أرجاء البلد وتهدد من أخفاه فلم يزل في خفاء إلى أواخر صفر على ما
سنذكر. ورد سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد وسلم الوزير عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد الذي كان أراد صالح بن وصيف قتله مع ذينك الرجلين فبقي في السجن حتى رجع إلى الوزارة.
ولما أبطأ خبر صالح بن وصيف على موسى بن بغا وأصحابه قال بعضهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل. يعني الخليفة. فقال بعضهم: أتقتلون رجلا صواما قواما لا يشرب النبيذ ولا يأتي الفواحش والله إن هذا ليس كغيره من الخلفاء ولا يطاوعكم الناس عليه وبلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس وهو متقلد سيفا فجلس على السرير واستدعى بموسى بن بغا وأصحابه، فقال: قد بلغني ما تمالأتم عليه من أمري، وإني والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت إلى أخي بولدي وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكن أو ليذهبن بها أكثركم أما دين أما حياء أما رعة؟! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله؟! سواء عندكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها ; سرورا بمكروهكم، واذهبوا فانظروا في منزلي وفي منازل إخوتي ومن يتصل بي هل فيها من آلات الخلافة أو فرشها شيء غير ما يكون في بيوت آحاد الناس، ويقولون: إني أعلم علم صالح وهل هو إلا كواحد منكم؟ فاذهبوا فاعلموا علمه فابلغوا شفاء نفوسكم فيه، وأما أنا فلست أعلم علمه. قالوا: فاحلف لنا على ذلك. قال: أما اليمين فإني أبذلها لكم،
ولكني أؤخرها لكم حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدلين وأصحاب المراتب في غد إذا صليت صلاة الجمعة. قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلا.
فلما كان يوم الأحد لثمان بقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي بالله وقد انفتل من صلاة المغرب، فلم يزد على أن قال واروه، ثم أخذ في تسبيحه وذكره، ولما أصبح الصباح من يوم الإثنين رفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد: هذا جزاء من قتل مولاه. وما زال الأمر مضطربا حتى تفاقم الأمر وعظم الخطب.
** ذكر خلع المهتدي وولاية المعتمد أحمد ابن المتوكل وإيراد شيء من فضائل المهتدي **
لما بلغ موسى بن بغا أن مساورا الشاري قد عاث بتلك الناحية ركب إليه في جيش كثيف ومعه مفلح وبايكباك التركي، فاقتتلوا هم ومساور الخارجي، فلم يظفروا منه بشيء يعجبهم، وهرب منهم وأعجزهم، وكان قد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة. والمقصود أن الخليفة المهتدي بالله أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك، فكتب إلى بايكباك أن يتسلم الجيش من موسى بن بغا، ويكون هو الأمير على الناس، وأن يقبل بهم إلى سامرا، فلما وصل إليه الكتاب
أقرأه موسى بن بغا، فاشتد غضبه على المهتدي، واتفقا عليه وقصدا إليه بلد سامرا، وتركا ما كانا فيه. فلما بلغ ذلك المهتدي استخدم من فوره جندا من المغاربة والفراغنة والأشروسنية والأزكشية والأتراك أيضا، وركب في جيش كثيف، فلما سمعوا به رجع موسى بن بغا إلى طريق خراسان وأظهر بايكباك السمع والطاعة، فدخل في ثاني عشر رجب إلى الخليفة سامعا مطيعا، فلما أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بني هاشم، شاورهم فيه، فقال له صالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين، لم يبلغ أحد من الخلفاء في الشجاعة والإقدام ما بلغت، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرا من هذا وأكثر جندا، ولما قتله أبو جعفر المنصور سكنت الفتنة وخمد صوت أصحابه. فأمر عند ذلك المهتدي بالله بضرب عنق بايكباك، ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخيه طغوتيا، فخرج إليهم الخليفة فيمن معه، فلما التقوا خامرت الأتراك الذين كانوا مع الخليفة إلى أصحابهم، وصاروا ألبا واحدا على الخليفة وأصحابه، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف، ثم حملوا عليهم فهزموهم وانهزم المهتدي بالله وبيده السيف صلتا، وهو ينادي: يا أيها الناس، انصروا خليفتكم. فدخل دار أحمد بن جميل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه ولبس البياض، وأراد أن يذهب
فيختفي، فعاجله أحمد بن خاقان فيها فأخذه قبل أن يذهب، ورمي بسهم، وطعن في خاصرته، وحمل على دابة وخلفه سائس، وعليه قميص وسراويل حتى حصل في دار أحمد بن خاقان، فجعل من هناك يصفعونه ويبزقون في وجهه، وأخذوا خطه بستمائة ألف دينار وسلموه إلى رجل فلم يزل يطأ خصيتيه حتى مات رحمه الله. وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب.
وكانت خلافته أقل من سنة بخمسة أيام، وولد في سنة تسع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائتين. وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد، ودفن بمقبرة المنتصر ابن المتوكل، وكان أسمر رقيقا، أجلى، حسن اللحية، أشهب، حسن العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرا، طويل اللحية، يكنى أبا عبد الله.
قال الخطيب: وكان من أحسن الخلفاء مذهبا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة، وإنما روى حديثا واحدا، ثم أسند عنه، قال: حدثني علي بن أبي هاشم بن طبراخ، عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال:
قال العباس: «يا رسول الله، ما لنا في هذا الأمر؟ قال: " لي النبوة، ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر، وبكم يختم» ". وقال للعباس: " «من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي» ".
وروى الخطيب أن رجلا استعدى المهتدي على خصمه، فحكم بينهما بالعدل، فأنشأ الرجل يقول:
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي بالله: أما أنت أيها الرجل، فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فإني ما جلست حتى قرأت: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] قال: فبكى الناس حوله. فما رئي باكيا أكثر من ذلك اليوم.
وقال بعضهم: سرد المهتدي الصوم منذ ولي إلى أن قتل رحمه الله. وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمر بن عبد العزيز الأموي في أيام خلافته من الورع والتقشف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط.
وقال أحمد بن سعيد الأموي: كنا جلوسا بمكة وعندي جماعة ونحن نبحث في النحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجل مجنون، فأنشأ يقول:
أما تستحون الله يا معدن الجهل ... شغلتم بذا والناس في أعظم الشغل
إمامكم أضحى قتيلا مجدلا ... وقد أصبح الإسلام مفترق الشمل
وأنتم على الأشعار والنحو عكف ... تضجون بالأصوات في قلة العقل
قال: فنظرنا وأرخنا ذلك اليوم فإذا المهتدي بالله قد قتل في ذلك اليوم، وكان يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين.
** خلافة المعتمد على الله أحمد ابن المتوكل على الله ويعرف بابن فتيان **
بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب من سنة ست وخمسين ومائتين في دار الأمير يارجوخ، وذلك قبل خلع المهتدي بأيام، ثم كانت بيعة العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب.
ولعشر بقين من رجب دخل موسى بن بغا، ومفلح إلى سر من رأى، فنزل موسى في داره وسكن الناس، وخمدت الفتنة هنالك.
وأما صاحب الزنج المدعي أنه علوي فهو محاصر للبصرة، والجيوش الخليفية في وجهه دونها، وهو في كل وقت يقهرها، ويغنم ما يفد إليهم في المراكب من
الأطعمة وغيرها، واستحوذ بعد ذلك على الأبلة وعبادان وغيرهما من البلاد، وخاف منه أهل البصرة خوفا شديدا، وكل ما لأمره يقوى، ولجيوشه تكثر، ولعدده يتزايد، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخها.
وفي هذه السنة خرج رجل آخر بالكوفة يقال له: علي بن زيد الطالبي، وجاءه جيش من جهة الخليفة فكسره الطالبي، واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته، وتفاقم أمره.
وفيها وثب محمد بن واصل التميمي على نائب فارس الحارث بن سيما الشرابي، فقتله واستحوذ على بلاد فارس.
وفي رمضان منها تغلب الحسن بن زيد الطالبي على بلاد الري فتوجه إليه موسى بن بغا في شوال من عند المعتمد، وخرج الخليفة لتوديعه.
وفيها كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين أماجور نائب دمشق ولم يكن معه إلا قريب من أربعمائة فارس وبين ابن لعيسى ابن الشيخ، وهو في قريب من عشرين ألفا، فهزمه أماجور. وجاءت من الخليفة ولاية لابن الشيخ ; بلاد أرمينية على أن يترك أهل الشام فقبل ذلك وانصرف عنهم.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، وكان في جملة الحجاج أبو أحمد ابن المتوكل، فتعجل وعجل السير إلى سامرا،
فدخلها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الخليفة المهتدي بالله في رجب، كما تقدم. ### $ والزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الزبيري، قاضي مكة قدم بغداد وحدث بها، وله كتاب " أنساب قريش "، وكان من أعلم الناس بذلك، وكتابه في ذلك حافل جدا. وقد روى عنه ابن ماجه وغيره، وقد وثقه الدارقطني والخطيب وأثنى عليه وعلى كتابه. وتوفي بمكة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بمكة رحمه الله. ### $ البخاري صاحب " الصحيح ".
وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا " لصحيحه "، ولنذكر هاهنا نبذة يسيرة من ذلك، فنقول وبالله المستعان: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، ويقال: بذدزبه، الجعفي مولاهم، أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث
في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه " الصحيح " يستسقى بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهل الإسلام.
ولد البخاري - رحمه الله - في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل: إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا. وحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنه الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ، وروى عنه خلائق وأمم.
وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري، أنه قال: سمع " الصحيح " من البخاري معي نحو من تسعين ألفا، لم يبق منهم أحد غيري.
وقد روي " البخاري " من طريق الفربري - كما هي رواية الناس اليوم من طريقه - وحماد بن شاكر، وإبراهيم بن معقل، وطاهر بن محمد بن مخلد، وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البزدوي النسفي،
وقد توفي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا. وممن روى عن البخاري مسلم في غير " الصحيح "، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه، وروى عنه الترمذي في " جامعه "، والنسائي في " سننه " في قول بعضهم.
وقد دخل بغداد ثمان مرات، وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل فيحثه أحمد على المقام ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.
وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوري السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى حتى كان يتعدد ذلك منه قريبا من عشرين مرة.
وقد كان أصيب بصره وهو صغير، فرأت أمه إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، فقال: يا هذه، قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك، أو قال: بكائك. فأصبح وهو بصير.
وقال البخاري: فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت في مصنفاتي نحوا من مائتي ألف حديث مسندة. وكان يحفظها كلها.
ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع به أربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا
له أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرءوها على البخاري، فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، وما تعلقوا عليه بسقطة في إسناد ولا في متن. وكذلك صنع بمائة محدث في أهل بغداد.
وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة.
وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه ; فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله. وقال علي بن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه. وقال إسحاق بن راهويه: لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير: ما رأينا مثله. وقال علي بن حجر: لا أعلم مثله. وقال محمود بن النضر أبو سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم. وقال أبو العباس الدغولي: كتب أهل بغداد إلى البخاري:
المسلمون بخير ما حييت لهم ... وليس بعدك خير حين تفتقد
وقال الفلاس: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث. وقال نعيم بن حماد: هو فقيه هذه الأمة. وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي. ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقال قتيبة بن سعيد: رحل إلي من شرق الأرض وغربها، فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل البخاري. وقال رجاء بن مرجى: فضل البخاري على العلماء - يعني في زمانه - كفضل الرجال على النساء. وقال: هو آية من آيات الله يمشي على الأرض. وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبا.
وقال إسحاق بن راهويه: هو أبصر مني. وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. وقال عبيد العجلي: رأيت
أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يستمعان ما يقول، ولم يكن مسلم يبلغه، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا، وكان دينا فاضلا يحسن كل شيء. وقال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل، وهو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأ: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] .
وقال أحمد بن حمدون القصار: رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله. ثم سأله عن حديث كفارة المجلس، فذكر له علته، فلما فرغ قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك. وقال الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري. وكنا يوما عند عبد الله بن منير، فقال للبخاري: جعلك الله زين هذه الأمة. قال الترمذي: فاستجيب له فيه.
وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. ولو ذهبنا نسطر ما أثنى عليه الأئمة في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وتبحره لطال علينا، ونحن على عجل من أجل الحوادث، وقد ذكرنا ذلك مبسوطا في أول شرح " الصحيح "، والله سبحانه وتعالى هو المستعان.
وقد كان البخاري، رحمه الله، في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء، والرغبة في الآخرة دار البقاء. قال: أرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني أني اغتبته. فذكر له " التاريخ " وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك، فقال: ليس هذا من هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة» ونحن إنما روينا ذلك رواية، ولم نقله من عند أنفسنا.
وقد كان - رحمه الله - يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، وكان يختم القرآن في كل ليلة من رمضان ختمة، وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار سرا وعلانية، وكان مستجاب الدعوة، مسدد الرمية، شريف النفس ; بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه، فأرسل إليه: في بيته يؤتى الحكم، إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي، وأبى أن يذهب إليهم - وهو خالد بن أحمد الذهلي، نائب الظاهرية ببخارى - فبقي في نفس الأمير من ذلك ; فاتفق أن جاءه كتاب من محمد بن يحيى الذهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق - وكان وقد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام، وصنف البخاري في ذلك كتاب " خلق أفعال العباد " - فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، وقد كان الناس يعظمونه جدا، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله، وكان
له مجلس الإملاء بجامعها، فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات، ولم يبق أحد ساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد. فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها: خرتنك. على فرسخين من سمرقند فنزل عند أقارب له بها، وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن ; كما جاء في الحديث: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين» .
ثم اتفق مرضه على إثر ذلك، فكانت وفاته ليلة عيد الفطر، وكانت ليلة السبت، عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة - أعني سنة ست وخمسين ومائتين - وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وفق ما أوصى به، وحين دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أياما، ثم علت سوار بيض مستطيلة بحذاء قبره. وكان عمره يوم مات - رحمه الله - ثنتين وستين سنة.
وقد ترك - رحمه الله - بعده علما نافعا لجميع المسلمين، فعمله فيه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة ; وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، من علم ينتفع به» الحديث. رواه مسلم.
وشرطه في " صحيحه " هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في " الصحيح "، لا يوازيه فيه غيره، لا " صحيح مسلم " ولا غيره. وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء:
صحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلا بماء الذهب
هو الفرق بين الهدى والعمى ... هو السد بين الفتى والعطب
أسانيد مثل نجوم السماء ... أمام متون كمثل الشهب
بها قام ميزان دين الرسول ... ودان به العجم بعد العرب
حجاب من النار لا شك فيه ... تميز بين الرضا والغضب
وستر رقيق إلى المصطفى ... ونص مبين لكشف الريب
فيا عالما أجمع العالمون ... على فضل رتبته في الرتب
سبقت الأئمة في ما جمعت ... وفزت على زعمهم بالقصب
نفيت الضعيف من الناقلين ... ومن كان متهما بالكذب
وأبرزت في حسن ترتيبه ... وتبويبه عجبا للعجب
فأعطاك مولاك ما تشتهيه ... وأجزل حظك فيما وهب