John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة سبع وستين ومائتين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 330 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين

فيها وجه أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس في نحو من عشرة آلاف فارس وراجل في أحسن هيئة، وأكمل تجمل لقتال الزنج، فساروا نحوهم، فكان بينهم من القتال والنزال في أوقات متعددات ووقعات مشهورات ما يطول بسطه، وقد استقصاه الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في " تاريخه " مبسوطا.

وحاصل ذلك أنه آل الحال، وانتهى الحرب والجلاد والجدال والنزال إلى أن استحوذ أبو العباس بن الموفق على ما كان استولى عليه الزنج ببلاد واسط وأراضي دجلة، هذا وهو شاب حدث لا خبرة له بالحرب، ولكن سلمه الله وغنمه، وأعلى كلمته، وسدد رميته، وأجاب دعوته، وفتح على يديه، وأسبغ نعمته عليه، وهذا الشاب هو الذي ولي الخلافة بعد عمه المعتمد، ولقب بالمعتضد كما سيأتي.

ثم ركب أبو أحمد الموفق ناصر دين الله من بغداد في صفر من هذه السنة في جيوش كثيفة، فدخل واسط في ربيع الأول منها، فتلقاه ابنه وأخبره عن

الجيوش الذين معه، وما تحملوا من أعباء الجهاد، فخلع عليه وعلى الأمراء كلهم خلعا سنية، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزنج وهو بالمدينة التي أنشأها، وسماها المنيعة، فقاتلوا دونها قتالا عظيما فقهرهم، ودخلها عنوة وهربوا منها، فبعث في آثارهم جيشا فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون، وغنم أبو أحمد من المنيعة شيئا كثيرا، واستنقذ من النساء المسلمات خمسة آلاف امرأة، وأمر بإرسالهن إلى أهاليهن بواسط، ثم أمر بهدم سور البلد وطم خندقها وجعلها بلقعا بعدما كانت للبشر مجمعا، وعادت يبابا بعد كونها للخبيث جنابا.

ثم سار الموفق إلى المدينة التي يقال لها: المنصورة. من إنشاء الزنج أيضا وبها سليمان بن جامع، فحاصرها وقاتلوه دونها فقتل خلق كثير من الفريقين، ورمى أبو العباس بن الموفق أحمد بن مهدي بسهم فأصابه في دماغه فقتله، وكان من أكابر أمراء صاحب الزنج فشق ذلك عليه جدا، وأصبح الناس محاصرين مدينة الزنج، وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر والجيوش الموفقية مرتبة أحسن ترتيب، فتقدم الموفق فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله في الدعاء، واجتهد في حصارها، فهزم الله مقاتلتها، وانتهى إلى

خندقها ; فإذا هو قد حصن غاية التحصين، وإذا هم قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سورا قاتلوه دون الآخر فيقهرهم ويجوزه إلى الذي يليه، حتى انتهى إلى البلد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وهرب بقيتهم وأسر من نساء الزنج ومن حلائل سليمان بن جامع وذويه نساء كثيرة وصبيانا، واستنقذ من أيديهم من النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة وواسط نحوا من عشرة آلاف نسمة فسيرهم إلى أهاليهم، جزاه الله خيرا. ثم أمر بهدم خنادقها وأسوارها وردم خنادقها وأنهارها، وأقام بها سبعة عشر يوما، وبعث في آثار من انهزم من الزنج، فكان لا يؤتى بأحد منهم إلا استماله إلى الخير برفق ولين وصفح، وأضافه إلى بعض الأمراء، وكان مقصوده رجوعهم إلى الحق، ثم ركب إلى الأهواز فأجلاهم عنها، وطردهم منها، وقتل خلقا كثيرا من أشرافهم ; منهم أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري، وكان رئيسا فيهم مطاعا، وغنم شيئا كثيرا من أموالهم، وكتب الموفق إلى صاحب الزنج - قبحه الله - كتابا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة مما ارتكبه من المآثم والمظالم والمحارم ودعوى النبوة والرسالة وخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال، يبذل له الأمان إن هو رجع إلى الحق، فلم يرد عليه صاحب الزنج جوابا.

** ذكر مسير أبي أحمد الموفق إلى المدينة التي فيها صاحب الزنج، وهي المختارة ; ليحاصرها **

لما كتب أبو أحمد إلى صاحب الزنج يدعوه إلى الحق فلم يجبه، استهانة به، ركب في جيوش عظيمة قريب من خمسين ألف مقاتل قاصدا إلى مدينته التي أنشأها وسماها المختارة فلما انتهى إليها وجدها في غاية الإحكام، وقد حوط عليها من آلات الحصار شيئا كثيرا، وقد التف على صاحب الزنج نحو من ثلاثمائة ألف مقاتل بسيف ورمح ومقلاع، ومن يكثر سوادهم، فقدم الموفق ولده أبا العباس بين يديه، فتقدم حتى وقف تحت قصر الملك فحاصره محاصرة لم ير مثلها، وتعجب الزنج من إقدامه وجرأته، مع صغر سنه، وحداثة عمره فتراكمت الزنوج عليه من كل مكان، فهزمهم، وأثبت بهبوذ أكبر أمرائه بالسهام والحجارة، ثم خامرت جماعة من أمراء صاحب الزنج وأجناده إلى الموفق، فأكرمهم وأعطاهم خلعا سنية، فرغب إلى ذلك جماعة كثيرون فصاروا إليه، ثم ركب أبو أحمد الموفق في يوم النصف من شعبان، ونادى في الناس كلهم بالأمان إلا صاحب الزنج فتحول خلق كثير من جيشه إلى أبي أحمد، ولله الحمد.

وابتنى الموفق تجاه مدينة صاحب الزنج مدينة سماها الموفقية، وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها، فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في

بلد قبلها، وعظم شأنها، وامتلأت من المعايش والأرزاق وصنوف التجارات والسكان والدواب وغيرهم، وإنما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزنج ثم جرت بينهم حروب عظيمة، وما زالت الحرب ناشبة بينهم حتى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون البلد الخبيث ومن فيه، وقد تحول منهم خلق كثير فصاروا على صاحب الزنج بعد أن كانوا معه، فبلغ عددهم قريبا من خمسين ألفا من الأمراء الخواص والأجناد، والموفق وأصحابه - ولله الحمد - كل ما لهم في زيادة وقوة ونصر وظفر.

وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $$$$ إسماعيل سمويه. وإسحاق بن إبراهيم شاذان. وبحر بن نصر الخولاني. وعباس الترقفي. ومحمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر

المقرئ صاحب خلف بن هشام البزار، ببغداد في ربيع الأول، ومحمد بن عزيز الأيلي. ويحيى بن محمد بن يحيى الذهلي حيكان، ويونس بن حبيب راوي " مسند أبي داود الطيالسي " عنه.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com