Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة خمس وتسعين ومائتين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 358 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين
فيها كانت المفاداة بين المسلمين والروم وكان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء ورجال نحو من ثلاثة آلاف نسمة، ولله الحمد.
وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خراسان وقد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما جوادا ممدحا، وهو الذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي ويعظمه ويكرمه ويحترمه ويقوم له في مجلس ملكه، وقد ولي بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني وبعث إليه الخليفة المكتفي بالله بالولاية والتشريف. وقد تذاكر الناس عند إسماعيل بن أحمد ذات ليلة الفخر بالأنساب، فقال: ينبغي أن يكون الإنسان عصاميا لا عظاميا، أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه وبلده وجده كما قال بعضهم:
وبجدي سموت لا بجدودي
وقال آخر:
حسبي فخارا وشيمتي أدبي ... ولست من هاشم ولا العرب
إن الفتى من يقول هأنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وفي ذي القعدة منها كانت:
وفاة الخليفة المكتفي بالله أبي محمد علي بن المعتضد. وهذه ترجمته، وذكر وفاته:
أبو محمد علي ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد ابن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور - رحمهم الله - وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء العباسيين من اسمه علي سواه بعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يكن من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن علي، وموسى الهادي، والمستضيء بأمر الله، وكان مولده في رجب من سنة أربع وستين ومائتين وبويع له بالخلافة بعد أبيه - في حياته - في يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره نحو من خمس وعشرين سنة وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق اللون حسن الشعر وافر اللحية عريضها ولما مات أبوه المعتضد وباشر هو منصب الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:
أجل الرزايا أن يموت إمام ... وأسنى العطايا أن يقوم إمام
فأسقى الذي مات الغمام وجاده ... ودامت تحيات له وسلام
وأبقى الذي قام الإله وزاده ... مواهب لا يفنى لهن دوام
وتمت له الآمال واتصلت بها ... فوائد موصول بهن تمام
هو المكتفي بالله يكفيه كلما ... عناه بركن منه ليس يرام
فأمر له بجائزة سنية.
وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله:
من لي بأن يعلم ما ألقى ... فيعرف الصبوة والعشقا
ما زال لي عبدا وحبي له ... صيرني عبدا له رقا
العتق من شأني ولكنني ... من حبه لا أملك العتقا
وكان نقش خاتمه: علي متوكل على ربه وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك.
وفي أيامه فتحت أنطاكية واستنقذت من أيدي الروم وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، وأخذ المسلمون من غنائمهم شيئا كثيرا جدا كما تقدم، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد فصح عنده أنه بالغ فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد جعل الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفي المكتفي بالله بعد ثلاثة أيام، رحمه الله. وقيل: في آخر يوم السبت بين الظهر والعصر. وقيل: بعد المغرب ليلة الأحد لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر عن ثنتين، وقيل: عن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما. وكان قد أوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة
ألف دينار كان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير رحمه الله.
** [خلافة المقتدر بالله أمير المؤمنين] أبي الفضل جعفر بن المعتضد **
جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعني سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر وأحد وعشرون يوما ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر سنا منه، ولما أجلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة ثم بايعه الناس بيعة العامة وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله. وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بنى أمية وأيام بني العباس قد تناهى جمعها فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره ثم أعاده ثم عزله بغيره ثم أعاده ثم عزله ثم قتله وقد تقصى ذكرهم أبو الفرج بن الجوزي، وكان له من الخدم والحجاب والحشمة التامة شيء كثير
جدا وكان كريما جدا، وفيه عبادة مع هذا كله، وكثرة صلاة وصيام تطوع.
وفي يوم عرفة أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس ومن الإبل ألفي بعير، ورد الرسوم والكلف والأرزاق إلى ما كانت عليه في أوائل العباسيين، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، ووكل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت أبنية في الرحبة دخلها في كل شهر ألف دينار فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات وسيأتي ذكر شيء من أيامه وترجمته فيما بعد.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ إبراهيم بن محمد بن نوح بن عبد الله أبو إسحاق المزكي الحافظ الزاهد إمام أهل عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الإمام أحمد وذاكره وكان مجلسه مهيبا ويقال إنه كان مجاب الدعوة وكان لا يملك إلا داره التي كان يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله وكان لا يقبل من أحد شيئا وكان يطبخ له الجزر بالخل فيتأدم به طول الشتاء، وقال أبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري: لم تر عيناي مثله.
### $ أبو الحسين النوري أحد أئمة الصوفية.
أحمد بن محمد ويقال محمد بن محمد والأول أصح، أبو الحسين النوري، ويعر ف بابن البغوي أصله من خراسان وحدث عن سري السقطي ثم صار هو من أكابر أئمة القوم.
قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبي الحسين النوري. قيل له: ولا الجنيد؟ قال: ولا الجنيد. وقال غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيرهم. وتوفي في مسجد وهو مقنع، فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام. ### $ إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان الساماني.
أحد ملوك خراسان للخلفاء، وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي وكتب بذلك إلى الخليفة المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الرى وما وراء النهر وبلاد الترك فأوقع بهم بأسا شديدا وبنى الربط في الطرقات، يسع الرباط منها ألف فارس وأوقف عليهم أوقافا جزيلة وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا عظيمة، منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبعة مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار،
فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه، ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبي نواس:
لن يخلف الدهر مثلهم أبدا ... هيهات هيهات شأنهم عجب ### $ المعمري الحافظ.
صاحب " عمل اليوم والليلة " وهو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا، منهم علي بن المديني ويحيى بن معين وعنه ابن صاعد والنجاد والخلدي وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث صدوقا ثبتا وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر لأنه جاوز الثمانين وكان يكنى أولا بأبي القاسم ثم بأبي علي وقد ولي القضاء للبرتي على القصر وأعمالها وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبي سفيان صاحب معمر بن راشد، وكانت وفاته لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم. ### $ عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، واسم أبي شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث ولد سنة
ست وثمانين ومائتين، وسمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا، توفي في ذي الحجة منها. ### $$$$ علي بن أحمد المكتفي ابن المعتضد، تقدم ذكر ترجمته قريبا من هذه السنة.
أبو جعفر الترمذي محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي وكان من أهل العلم والزهد، قال الدارقطني: هو ثقة، كان مأمونا ناسكا وقال القاضي أحمد بن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعي بالعراق أرأس منه ولا أشد ورعا، وكان من التقلل في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم وكان لا يسأل أحدا شيئا وكان قد اختلط في آخر عمره. توفي في المحرم من هذه السنة.