Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 387 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها جاءت الجند، فأحدقوا بدار الخلافة، وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصل بالناس. فخرج فصلى بهم وخطبهم، وقبض الغلمان على الوزير أبي علي بن مقلة، وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره، فرد الخيرة إليهم، فاختاروا علي بن عيسى، فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره، وأحرقت دار ابن مقلة، وسلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى، فضرب ضربا عنيفا، وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى، فعزل بعد خمسين يوما، وقلد الوزارة أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي، فصادر علي بن عيسى بمائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقلد سليمان بن الحسين، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، ولكن في السنة الآتية، وأحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في اليوم الذي أحرقت تلك فيه، بينهما سنة واحدة. وهذا كله من تخبيط الأتراك والغلمان. ولما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وضعف أمر الخلافة جدا، وبعث الراضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يستدعيه إليه ; ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، وأمر الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخلع، فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله، ومعه الأمير بجكم التركي غلام مرداويج، وهو الذي ساعد على قتله وأراح المسلمين منه، واستحوذ ابن رائق على أمر العراق بكماله، ونقل أموال بيت المال إلى داره، ولم يبق للوزير تصرف في شيء بالكلية، ووهى أمر الخلافة جدا، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها، ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها، وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأمراء. وأما بقية الأطراف، فالبصرة مع ابن رائق هذا، وأمر خوزستان في يدي أبي عبد الله البريدي، وقد غلب ياقوت في هذه السنة على ما كان بيده من مملكة تستر وغيرها، واستحوذ على حواصله وأمواله، وأمر فارس إلى عماد الدولة أبي الحسن علي بن بويه، والري وأصبهان والجبل بيد أخيه ركن الدولة ابن بويه، ومنازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج، وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع، وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، وبلاد إفريقية والمغرب في يد
القائم بأمر الله بن المهدي المدعي أنه فاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالناصر الأموي، وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، لعنه الله.
وفيها وقع ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير، بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهل البلد خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطرقات ليس لهم من يقوم بأمرهم، ويحمل على الجنازة الواحدة الاثنان من الموتى، وربما يوضع بينهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة، ومات من أصبهان نحو مائتي ألف إنسان.
ووقع فيها حريق بعمان احترق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خلق كثير، وكان من جملة ما احترق فيه أربعمائة حمل كافور.
وعزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام وأضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار المصرية.
وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ ابن مجاهد المقرئ
أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد
المقرئ، أحد الأئمة في هذا الشأن. حدث عن خلق كثير، وروى عنه الدراقطني وغيره، وكان ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي من بغداد وكان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله منه. وكانت وفاته يوم الأربعاء، وأخرج يوم الخميس لعشر بقين من شعبان من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ، فقال له: أما مت؟ فقال: بلى، ولكن كنت أدعو الله عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. رحمه الله. ### $ جحظة، الشاعر البرمكي
أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو الحسن النديم المعروف بجحظة، الشاعر الماهر الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنوادر الحاضرة، وكان جيد الغناء، ومن شعره:
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق في العمر واريته ... وجامع بددت ما يجمع
وكتب له بعض الملوك رقعة على صيرفي بمال أطلقه له، فلم يتحصل منها على شيء، وتعذر عليه قبضها، فكتب إلى الملك يذكر له صورة الحال:
إذا كانت صلاتكم رقاعا ... تخطط بالأنامل والأكف
ولم تجد الرقاع علي نفعا ... فها خطي خذوه بألف ألف
ومن شعره يهجو صديقا له، ويذمه على شدة بخله وحرصه:
لنا صاحب من أبرع الناس في البخل ... وأفضلهم فيه وليس بذي فضل
دعاني كما يدعو الصديق صديقه ... فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي
فلما جلسنا للغداء رأيته ... يرى أنما من بعض أعضائه أكلي
ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده ... وأعلم أن الغيظ والشتم من أجلي
أمد يدي سرا لآكل لقمة ... فيلحظني شزرا فأعبث بالبقل
إلى أن جنت كفي لحيني جناية ... وذلك أن الجوع أعدمني عقلي
فأهوت يميني نحو رجل دجاجة ... فجرت كما جرت يدي رجلها رجلي
ومن قوي شعره وجيده قوله:
رحلتم فكم من أنة بعد حنة ... مبينة للناس حزني عليكم
وقد كنت أعتقت الجفون من البكا ... فقد ردها في الرق شوقي إليكم
ومما أورده له القاضي ابن خلكان من الشعر الرائق قوله:
فقلت لها بخلت علي يقظى ... فجودي في المنام لمستهام
فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام
قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بن المعتز. وذلك لسوء منظره، كما قال فيه بعض من هجاه:
نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان
قال ابن خلكان: وكانت وفاته في سنة ست وعشرين. وقيل: سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، بواسط، وحمل إلى بغداد. قال الخطيب: وكان مولده في سنة أربع وعشرين ومائتين. ### $ ابن المغلس الفقيه الظاهري
عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس أبو الحسن، الفقيه الظاهري، المشهور، له المصنفات المفيدة في مذهبه، أخذ الفقه عن أبي بكر بن داود، وروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وعلي بن داود القنطري، وأبي قلابة الرقاشي، وآخرين. وكان فقيها ثقة فاضلا، وهو الذي نشر علم داود في تلك البلاد. توفي بالسكتة.
### $ أبو بكر بن زياد النيسابوري
عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون أبو بكر، الفقيه الشافعي النيسابوري، مولى أبان بن عثمان، رحل إلى العراق والشام ومصر، وسكن بغداد وحدث عن محمد بن يحيى الذهلي وعباس الدوري، وخلق، وعنه الدراقطني وغير واحد من الحفاظ.
قال الدراقطني: لم نر في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع.
وقال أبو عبد الله بن بطة: كنا نحضر مجلس ابن زياد، وكان يحزر من يحضره من أصحاب المحابر ثلاثين ألفا.
وقال الخطيب: أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا يوسف بن عمر بن مسرور، سمعت أبا بكر بن زياد النيسابوري، يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة، لم ينم إلا جاثيا، ويتقوت كل يوم خمس حبات، ويصلي صلاة الغداة بطهارة العشاء. ثم يقول: أنا هو، هذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوجني! ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير. توفي في هذه السنة عن ست وثمانين سنة. ### $ عفان بن سليمان بن أيوب أبو الحسن
التاجر، أقام بمصر، وأوقف بها
أوقافا دارة على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة، رضي الله عنهم. وكان تاجرا موسعا عليه، مقبول الشهادة عند الحكام، توفي في شعبان من هذه السنة. ### $ أبو الحسن الأشعري
علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، قدم بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي، وتفقه بابن سريج. وقد ذكرنا ترجمته في " طبقات الشافعية ".
وقد ذكر القاضي ابن خلكان في " الوفيات " أنه كان يجلس في حلقة الشيخ أبي إسحاق المروزي، وقد كان معتزليا قبل ذلك، فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائحهم وقبائحهم، وذكر له من التصانيف " الموجز " وغيره. وحكى عن ابن حزم أنه صنف خمسة وخمسين تصنيفا، وذكر أن مغله في كل سنة كان سبعة عشر درهما، وأنه كان من أكثر الناس دعابة، وأنه ولد سنة سبعين ومائتين، وقيل: سنة ستين ومائتين. ومات في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاثين. وقيل: في سنة بضع وثلاثين وثلاثمائة. فالله أعلم. ### $ محمد بن الفضل بن عبد الله أبو ذر التميمي
كان رئيس جرجان
سمع الكثير، وتفقه بمذهب الشافعي، وكانت داره مجمع العلماء، وله إفضال كثير على طلبة العلم من أهل زمانه. ### $ هارون بن المقتدر
أخو الخليفة الراضي، توفي في ربيع الأول منها، فحزن عليه أخوه الراضي، وأمر بنفي بختيشوع بن يحيى المتطبب إلى الأنبار ; لأنه اتهم في علاجه، ثم شفعت فيه أم الراضي، فرده.