John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 396 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

فيها رجع الخليفة المتقي إلى بغداد وخلع من الخلافة وسملت عيناه. كان المتقي وهو مقيم بالموصل قد أرسل إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، فأقبل إليه وقدم عليه في المنتصف من المحرم من هذه السنة، وخضع للخليفة غاية الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما يقوم الغلمان، ويمشي والخليفة راكب، ثم عرض عليه أن يسير معه إلى الديار المصرية، أو يقيم ببلاد الشام فأبى عليه ذلك، فأشار عليه بالمقام بمكانه الذي هو فيه، ولا يذهب إلى توزون ببغداد، وحذره من توزون ومكره وخديعته، فلم يقبل، وكذلك أشار على الوزير أبي حسين بن مقلة فلم يسمع، فأهدى ابن طغج للخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك إلى الأمراء والكبراء والوزير، ثم كر راجعا إلى بلاده. وقد اجتاز بحلب، فانحاز عنها صاحبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان، وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى الديار المصرية نائبا عنه حتى يعود إليها.

وأما الخليفة فإنه ركب من الرقة في دجلة إلى بغداد وأرسل إلى توزون فاستوثق منه ما كان حلف له من الأيمان، فأكدها وقررها، فلما اقترب منها خرج إليه توزون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبل الأرض بين يديه، وأظهر له أنه قد وفى له بما كان حلف عليه، وأنزله في مضربه، ثم جاء فاحتاط على من معه من الكبراء، وأمر بسمل عيني الخليفة فسملت عيناه، فصاح صيحة عظيمة سمعها الحرم، فضجت الأصوات بالبكاء، فأمر توزون بضرب الدبادب ; حتى لا تسمع أصوات الحرم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد فبايع للمستكفي بالله، فكانت خلافة المتقي لله ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما، وقيل: وأحد عشر شهرا. وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته.

** خلافة المستكفي بالله أبي القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد **

لما رجع توزون إلى بغداد وقد خلع المتقي لله وسمله، استدعى بعبد الله بن المكتفي، فبايعه على الخلافة، ولقب بالمستكفي بالله، وذلك في العشر الأواخر من صفر من هذه السنة، وجلس توزون بين يديه، وخلع عليه المستكفي خلعة سنية، وكان المستكفي مليح الشكل ربعة، حسن الجسم والوجه، أبيض اللون

مشربا حمرة، أكحل، أقنى الأنف، خفيف العارضين، وكان عمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعين سنة، وأحضر المتقي بين يديه، وبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحبس المتقي في السجن، وطلب المستكفي أبا القاسم الفضل بن المقتدر - وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك، ولقب المطيع لله - فاختفى منه، ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دجلة.

** موت القائم الفاطمي وولاية ولده المنصور **

وفي رمضان من هذه السنة - والصحيح في شوال من التي بعدها - توفي القائم بأمر الله القاسم بن المهدي، وقد عهد بالأمر من بعده لولده المنصور إسماعيل، فكتم موت أبيه مدة حتى استقر أمره، ثم أظهره. وقد كان أبو يزيد الخارجي قد حاربهم في هذه السنة، وأخذ منهم مدنا كبارا، وكسروه مرارا متعددة، ثم يثور عليهم، ويجمع الرجال ويقاتلهم بمن قدر عليه، فانتدب المنصور لقتال أبي يزيد بنفسه، وركب في الجيوش، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، وقد بسطها ابن الأثير في " كامله ". وقد انهزم في بعض الأحيان جيش المنصور عنه، ولم يبق إلا في عشرين نفسا، فقاتل بنفسه قتالا عظيما، فهزم أبا يزيد بعدما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتا عظيما، فعظم في أعين

الناس، وزادت حرمته وهيبته، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه المنصور حتى ظفر به وقتله. ولما جيء برأسه سجد شكرا لله عز وجل، وكان أبو يزيد هذا قبيح الشكل، أعرج، قصيرا، خارجيا شديدا، يرى تكفير أهل الملة، قبحه الله في الدنيا والآخرة.

وفي ذي الحجة من هذه السنة قتل أبو الحسين البريدي وصلب ثم أحرق، وذلك لأنه قدم بغداد يستنجد بتوزون وأبي جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعدوه النصر، ثم شرع يفسد ما بين توزون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابن شيرزاد، فأمر بسجنه وضربه، وأحضر له بعض الفقهاء فتيا عليها خطوط الفقهاء بإباحة دمه، فاستظهر عليه بذلك وأمر بقتله وصلبه، ثم أحرقه، وانقضت أيام البريديين وزالت دولتهم، لا جمع الله بهم شملا.

وفيها أخرج المستكفي بالله القاهر من دار الخلافة - الذي كان خليفة، ثم سملت عيناه - وأنزله بدار ابن طاهر، وقد افتقر القاهر حتى لم يبق له من اللباس سوى قطن جبة يلتف بها، وفي رجله قبقاب من خشب.

وفي هذه السنة ركب معز الدولة في رجب منها إلى واسط ليحاصرها، فبلغ خبره إلى توزون فركب هو والمستكفي بالله، فلما سمع بهم معز الدولة رجع عنها إلى بلاده، وتسلمها الخليفة، وضمنها أبو القاسم بن أبي عبد الله

فضمنه توزون ثم رجع هو والخليفة إلى بغداد في شوال من هذه السنة.

وفيها ركب سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها، فجاءته جيوش الإخشيد محمد بن طغج مع مولاه كافور، فاقتتلوا، فانهزم كافور الإخشيدي، واستولى سيف الدولة على حمص ثم ركب إلى دمشق فحاصرها، فلم يفتحها أهلها له، فرجع عنها، وقصده الإخشيد بجيوش كثيفة، فالتقيا بقنسرين، فلم يظفر أحد منهما بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة ثم عاد إلى حلب فاستقر ملكه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى معهم، فظفر بهم فقتل منهم خلقا كثيرا.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com