John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

سنة خمس من الهجرة النبوية — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 49 of 840

قلت: وكان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة، كما قال يونس، عن محمد بن إسحاق، حدثني أبو جعفر محمد

بن علي بن الحسين قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وساق عنه أربعمائة دينار» .

وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو، «أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال لها: أبرهة. كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت علي فأذنت لها فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجكه. فقلت: بشرك الله بالخير. وقالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك. قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص، فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارين من فضة، وخدمتين من فضة كانتا علي وخواتيم من فضة كانت في كل أصابع رجلي؛ سرورا بما بشرتني به، فلما أن كان من العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله، أحمده

وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا، فإن من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا» .

قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق إنما كان في قضية أم حبيبة. فالله أعلم.

لكن قال الحافظ البيهقي: ذكر أبو عبد الله بن منده أن تزويجه، عليه السلام بأم حبيبة كان في سنة ست وأن تزويجه بأم سلمة كان في سنة أربع.

قلت: وكذا قال خليفة وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن البرقي: إن تزويج أم حبيبة كان في سنة ست. وقال بعض الناس: سنة سبع. قال البيهقي: وذهب ابن إسحاق إلى أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بأم حبيبة قبل أم سلمة. قال البيهقي: وهو أشبه.

قلت: قد تقدم تزويجه، عليه السلام، بأم سلمة في أواخر سنة أربع، وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك، ويحتمل أن يكون بعده، وكونه بعد الخندق أشبه؛ لما تقدم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي، فهو في قضيتها. والله أعلم.

وقد حكى الحافظ ابن الأثير في " الغابة " عن قتادة، أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى المدينة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها. وحكى عن بعضهم أنه تزوجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح، واحتج هذا القائل بما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار اليمامي، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس «أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. قال: " نعم " قال: تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: " نعم " قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: " نعم " قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها» . الحديث بتمامه. قال ابن الأثير: وهذا الحديث مما أنكر على مسلم؛ لأن أبا سفيان «لما جاء يجدد العقد قبل الفتح، دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أدري أرغبت بي عنه، أو به عني؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك. فقال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر» .

وقال ابن حزم: هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار. وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون: أراد أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم: لأنه اعتقد انفساخ نكاح ابنته بإسلامه. وهذه كلها ضعيفة، والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عزة، لما رأى في ذلك من الشرف له، واستعان بأختها أم حبيبة كما في " الصحيحين " وإنما وهم الراوي هذا بتسميته أم حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءا مفردا.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: توفيت قبل معاوية بسنة، وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين.

** [تزويجه عليه السلام بزينب بنت جحش] بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدية أم المؤمنين **

** [قصة زينب مع زيد بن حارثة] **

، وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه.

قال قتادة والواقدي، وبعض أهل المدينة: تزوجها عليه السلام سنة خمس. زاد بعضهم: في ذي القعدة. قال الحافظ البيهقي: تزوجها بعد بني قريظة. وقال خليفة بن خياط، وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن منده: تزوجها سنة ثلاث. والأول أشهر، وهو الذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ. وقد ذكر غير واحد من المفسرين والفقهاء وأهل التاريخ في سبب تزويجه إياها عليه السلام، حديثا ذكره أحمد بن حنبل في

" مسنده " تركنا إيراده قصدا؛ لئلا يضعه بعض من لا يفهم على غير موضعه، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا - ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 37 - 38] (الأحزاب: 37 38) .

وقد تكلمنا على ذلك في " التفسير " بما فيه كفاية، فالمراد بالذي أنعم الله عليه هاهنا زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق، وزوجه بابنة عمته زينب بنت جحش قال مقاتل بن حيان: وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زوجها يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول له: " اتق الله وأمسك عليك زوجك " قال الله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37]

" قال علي بن الحسين زين العابدين، والسدي: كان الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، فهو الذي كان في نفسه، عليه السلام. وقد تكلم كثير من السلف هاهنا بآثار غريبة، وبعضها فيه نظر، تركناها قصدا.

قال الله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] وذلك أن زيدا طلقها، فلما انقضت عدتها، بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها إلى نفسها، ثم تزوجها، وكان الذي زوجها منه رب العالمين تبارك وتعالى، كما ثبت في " صحيح البخاري " عن أنس بن مالك أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وفي رواية من طريق عيسى بن طهمان، عن أنس قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: أنكحني الله من السماء. وفيها أنزلت آية الحجاب: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] الآية (الأحزاب: 53)

وروى البيهقي من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «جاء زيد يشكو زينب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اتق الله، وأمسك عليك زوجك» قال أنس: فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه،

فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. ثم قال: رواه البخاري، عن أحمد، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن حماد بن زيد.

ثم روى البيهقي من طريق عفان، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: «جاء زيد يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك أهلك» فنزلت: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] ثم قال: رواه البخاري، عن محمد بن عبد الرحيم، عن معلى بن منصور، عن حماد مختصرا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة، عن الشعبي قال: «كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن؛ أن جدي وجدك واحد - تعني عبد المطلب؛ فإنه أبو أبي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أمها أميمة بنت عبد المطلب - وأني أنكحنيك الله عز وجل من السماء وأن السفير جبريل عليه السلام.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم - يعني ابن القاسم أبا النضر -

حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، «عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب، قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: " اذهب فاذكرها علي " فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها، عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب، أبشري، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل. ثم قامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا، أو أخبر. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] الآية» . وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة. 5

[نزول آية الحجاب]

** ذكر نزول آية الحجاب صبيحة عرسها الذي ولي الله عقد نكاحه **

فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولأخواتها من أمهات المؤمنين وذلك وفق الرأي العمري.

قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل

فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 53] الآية. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي، من طرق عن معتمر. ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، بنحوه.

وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: «بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال: " فارفعوا طعامكم ". وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته " قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته،

أم أخبر أن القوم خرجوا؟ فخرج حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب» تفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم رواه منفردا به أيضا، عن إسحاق هو ابن منصور، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد، عن أنس، بنحو ذلك وقال: رجلان. بدل ثلاثة. فالله أعلم. قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان اليشكري، عن أنس بن مالك قال: «أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته في تور، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أن هذا منا له قليل. قال أنس: والناس يومئذ في جهد فجئت به فقلت: يا رسول الله

بعثت بهذا أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل. فنظر إليه ثم قال: " ضعه ". فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: " اذهب فادع لي فلانا وفلانا ". فسمى رجالا كثيرا. قال: " ومن لقيت من المسلمين " فدعوت من قال لي، ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟ قال: كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جئ به ". فجئت به إليه، فوضع يده عليه ودعا، وقال: " ما شاء الله " ثم قال: " ليتحلق عشرة عشرة ويسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه ". فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعه ". قال: فجئت فأخذت التور فنظرت، فما أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته. قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس حياء، ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله

صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا، وأنزل الله القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما - إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما} [الأحزاب: 53 - 54] (الأحزاب: 53 54) . قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس، وأنا أحدث الناس بهن عهدا.» وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضا، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الجعد أبى عثمان، به. وقد روى هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي، من طرق، عن بيان أبي بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس، بنحوه. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس، بنحوه، ولم يخرجوه. ورواه ابن جرير،

من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك.

قلت: كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها من المهاجرات الأول وكانت كثيرة الخير والصدقة، وكان اسمها أولا برة فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تكنى بأم الحكم، قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة.

وثبت في " الصحيحين " - كما سيأتي في حديث الإفك - عن عائشة أنها قالت: «وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عني زينب بنت جحش، وهي التي كانت تساميني من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا.»

وقال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى السيناني، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " قالت: فكنا نتطاول أينا أطول يدا. قالت: فكانت زينب أطولنا يدا؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق» انفرد به مسلم.

قال الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي والتواريخ: توفيت سنة عشرين من الهجرة. وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودفنت بالبقيع، وهي أول امرأة صنع لها النعش.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com