Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 521 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم وأحضروا نساء فنحن على الحسين كما جرت به سالف عادات بدعهم المتقدمة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم نقيب الطالبيين، وأنكر ذلك عليه، فاعتذر بأنه لم يعلم بذلك، وأنه حين علم به أزاله وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، ويتنصلون منه وخرج التوقيع بكفر من يسب الصحابة ويظهر البدع.
قال ابن الجوزي: في ربيع الأول ولد بباب الأزج صبية لها رأسان ووجهان ورقبتان وأربع أيدي على بدن كامل ثم ماتت. قال: وفي جمادى الآخرة كانت زلزلة بخراسان لبثت أياما تصدعت منها الجبال وأهلكت جماعة وخسفت بعدة قرى وخرج الناس إلى الصحراء وأقاموا هنالك، ووقع حريق بنهر معلى من بغداد فأحرق مائة دكان وثلاثة دور وذهب للناس شيء كثير ونهب الناس بعضهم بعضا.
قال ابن الجوزي: وفي شعبان وقع قتال بدمشق فضربوا دارا كانت مجاورة من الجامع بالنار فاحترق جامع دمشق كذا قال ابن الجوزي ; والمشهور أن حريق جامع دمشق إنما كان سنة إحدى وستين
وأربعمائة بعد ثلاث سنين. وأن غلمان الفاطميين اقتتلوا مع غلمان العباسيين فألقيت نار بدار الإمارة - وهي الخضراء - فاحترقت وتعدى حريقها إلى أن وصل إلى الجامع فسقطت سقوفه وزخرفته ورخامه وبقي كأنه خرابة وبادت الخضراء فصارت كوما من تراب، بعدما كانت في غاية الإحكام والإتقان وطيب الغناء وحسن البناء فهي إلى يومنا هذا لا يسكنها - لرداءة مكانها - إلا سفلة الناس وسقاطهم بعدما كانت دار الملك والإمارة منذ أسسها معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه. وأما الجامع فإنه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، إلى أن احترق فبقي خرابا مدة طويلة ثم شرع الملوك في تجديده وترميمه حتى بلط في زمن العادل أبي بكر بن أيوب، ولم يزل في تحسين معالمه إلى زماننا هذا فتماثل حاله بعض التماثل، وهو بالنسبة إلى حاله الأول كلا شيء، ولا زال التحسين فيه إلى أيام الأمير سيف الدين تنكز بن عبد الله الناصري في حدود سنة ثلاثين وسبعمائة وما قبلها وما بعدها بيسير.
وفيها رخصت الأسعار ببغداد رخصا بينا. ونقصت دجلة نقصا ظاهرا. وفيها أخذ الملك ألب أرسلان العهد بالملك من بعده لولده ملكشاه ومشى بين يديه بالغاشية، والأمراء بين يديه يتماشون بالخلع، وكان يوما مشهودا.
وحج بالناس في هذه السنة نور الهدى أبو طالب الحسين بن نظام الحضرتين
الزينبي وجاور بمكة.
** [من توفى فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، أحد الحفاظ الكبار له التصانيف التي سارت بها الركبان في سائر الأمصار والأقطار، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وكان واحد زمانه في الإتقان والحفظ والفقه والتصنيف، كان فقيها محدثا أصوليا أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، وسمع على غيره شيئا كثيرا، وجمع أشياء كثيرة نافعة جدا لم يسبق إلى مثلها ولا يدرك فيها ; من ذلك كتاب " السنن الكبير "، " ونصوص الشافعي " كل في عشر مجلدات، " والسنن والآثار "، " والمدخل "، " والآداب "، " وشعب الإيمان "، " والخلافيات "، " ودلائل النبوة "، " والبعث والنشور " وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة التي لا تسامى ولا تدانى، وكان زاهدا متقللا من الدنيا، كثير العبادة والورع رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بنيسابور ونقل تابوته إلى بيهق في جمادى الأولى من هذه السنة. ### $ الحسن بن غالب بن علي بن غالب بن منصور بن صعلوك، أبو علي التميمي ويعرف بابن المبارك المقرئ صحب ابن سمعون وأقرأ القرآن على
حروف أنكرت عليه، وجرب عليه الكذب ; إما عمدا وإما خطأ واتهم في روايات كثيرة وكان أبو الحسن القزويني ممن ينكر عليه. وكتب عليه محضر وألزم بعدم الإقراء بالحروف المنكرة قال أبو محمد بن السمرقندي: كان كذابا. وكانت وفاته في هذه السنة عن اثنتين وثمانين سنة ودفن عند إبراهيم الحربي قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي ثم غلب عليه الحديث واشتهر به ورحل في طلبه. ### $ القاضي أبو يعلى الحنبلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة وممهد مذهبهم في الفروع، ولد في محرم سنة ثمانين وثلاثمائة وسمع الحديث الكثير وحدث عن ابن حبابة. قال ابن الجوزي: وكان من سادات الثقات وشهد عند ابن ماكولا وابن الدامغاني فقبلاه، وتولى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة، وكان إماما في الفقه له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهى إليه المذهب وانتشرت تصانيفه وأصحابه، وجمع الإمامة والفقه والصدق وحسن الخلق والتعبد والتقشف والخشوع وحسن السمت، والصمت عما لا يعني.
وكانت وفاته في العشرين من رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة واجتمع في جنازته القضاة والأعيان من الفقهاء والشهود، وكان يوما حارا فأفطر بعض من اتبع جنازته ذلك اليوم، وترك من البنين عبيد الله أبا القاسم وأبا الحسين وأبا حازم، ورآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: رحمني وغفر لي وأكرمني ورفع منزلتي وجعل يعد ذلك بأصبعه. فقال: بالعلم؟ فقال: بل بالصدق. رحمه الله تعالى. ### $ ابن سيده اللغوي أبو الحسين علي بن إسماعيل المرسي كان إماما حافظا للغة، وكان ضرير البصر، أخذ علم العربية واللغة عن أبيه، وكان أبوه ضريرا أيضا، ثم اشتغل على أبي العلاء صاعد البغدادي وله " المحكم " في مجلدات عديدة، وله " شرح الحماسة " في ست مجلدات، وغير ذلك، وقرأ على الشيخ أبي عمر الطلمنكي كتاب الغريب لأبي عبيد سردا من حفظه، والشيخ يقابل نسخته بما يقرأ فسمع الناس بقراءته من حفظه وتعجبوا لذلك.
وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة، وله ستون سنة، وقيل: إنه توفي في سنة ثمان وأربعين والأول أصح، والله أعلم.