John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 528 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

في يوم الخميس حادي عشر المحرم حضر إلى الديوان أبو الوفا علي بن محمد بن عقيل العقيلي الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتابا يتضمن توبته من الاعتزال ومخالطة أهله، وأنه رجع عن اعتقاد كون الحلاج من أهل الخير، وقد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك، وأنه قد قتل بإجماع علماء أهل عصره، وقد كانوا مصيبين وهو مخطئ، وشهد عليه جماعة في الكتاب، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبي جعفر، فسلم عليه وصالحه واعتذر إليه، وعظمه، ولله الحمد والمنة.

** [وفاة السلطان ألب أرسلان وملك ولده ملكشاه] **

كان السلطان قد سار في أول هذه السنة في مائتي ألف مقاتل يريد غزاة ما وراء النهر فاتفق في بعض المنازل أنه غضب على رجل يقال له: يوسف الخوارزمي، فأوقف بين يديه فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه، ثم أمر أن يضرب له أربعة أوتاد ويصلب بينها، فقال للسلطان: يا مخنث أمثلي يقتل هكذا؟ فاحتد السلطان من ذلك، وأمر بإرساله، وأخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه، وأقبل يوسف نحو السلطان فنهض السلطان عن السرير، فنزل فعثر، فوقع فأدركه يوسف فضربه بخنجر كان في يده في خاصرته، وأدركه الجيش فقتلوه، وقد جرح السلطان جرحا منكرا، فتوفي في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة ويقال إن أهل بخارا

لما اجتاز بهم، ونهب عسكره أشياء كثيرة لهم دعوا عليه فهلك.

ولما توفي جلس ولده ملكشاه على سرير الملك وقام الأمراء بين يديه فقال له الوزير نظام الملك: تكلم أيها السلطان فقال: الأكبر منكم أبي والأوسط أخي، والأصغر ابني وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه فأمسكوا، فأعاد القول فأجابوه بالسمع والطاعة وقام بأعباء أمره الوزير لأبيه نظام الملك، فزاد في أرزاق الجند سبعمائة ألف دينار وساروا إلى مرو فدفنوا بها السلطان، وسيأتي ذكر شيء من ترجمته في الوفيات. ولما بلغ موته أهل بغداد أقام الناس له العزاء، وغلقت الأسواق وأظهر الخليفة الجزع عليه، وتسلبت ابنته الخاتون زوجة الخليفة ثيابها وجلست على التراب. وجاءت الكتب من السلطان في رجب إلى الخليفة يتأسف فيها على والده ويسأل أن تقام له الخطبة ففعل ذلك.

وخلع ملكشاه على الوزير نظام الملك خلعا سنية وأعطاه تحفا كثيرة، من جملة ذلك عشرون ألف دينار ولقبه أتابك، ومعناه الأمير الكبير الوالد، فسار سيرة حسنة ولما بلغ قاورت بك موت أخيه ألب أرسلان ركب في جيوش كثيرة قاصدا قتال ابن أخيه ملكشاه فالتقيا فاقتتلا، فانهزم أصحاب قاورت وأسر هو فأنبه ابن أخيه ثم اعتقله ثم أرسل إليه من قتله.

وفيها جرت فتنة عظيمة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلائين فاقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واحترق جانب كبير من الكرخ فانتقم المتولي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة فأخذ من أموالهم شيئا كثيرا جناية لهم على ما

صنعوا. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس، وفيها ملك صاحب سمرقند وهو ألتكين مدينة ترمذ، وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلوي.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ السلطان ألب أرسلان الملقب بسلطان العالم، ابن جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن تقاق التركي صاحب الممالك المتسعة، وقد ملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياما، وكان عادلا يسير في الناس سيرة حسنة كريما رحيما شفوقا على الرعية، رفيقا على الفقراء بارا بأهله وأصحابه ومماليكه كثير الدعاء بدوام ما أنعم به عليه، كثير الصدقات، يتصدق في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة بل يقنع من الرعايا بالخراج في قسطين ; رفقا بهم.

كتب إليه بعض السعاة في نظام الملك فاستدعاه وقال له: إن كان هذا صحيحا، فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن لم يكن صحيحا فاغفر لهم زلتهم بمهم يشغلهم عن السعاية بالناس. وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغه أن غلاما من غلمانه أخذ إزارا لبعض التجار فصلبه، فارتدع سائر المماليك به خوفا من سطوته.

وترك من الأولاد ملكشاه الذي قام من بعده وإياز وتكش وبوري برس

وأرسلان أرغون وسارة وعائشة وبنتا أخرى. وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وأربعين سنة ودفن عند والده بالري رحمه الله تعالى. ### $ أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة

وأمه من بني سليم، توفي أبوه وهو طفل فقرأ الأدب والعربية، وصحب الشيخ أبا علي الدقاق وأخذ الفقه عن أبي بكر بن محمد الطوسي والكلام عن أبي بكر بن فورك، وصنف الكثير فله " التفسير الكبير "، و " الرسالة " التي ترجم فيها جماعة من المشايخ والصالحين وحج صحبة إمام الحرمين وأبي بكر البيهقي وكان يعظ الناس.

توفي بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة، ودفن إلى جانب شيخه أبي علي الدقاق، ولم يدخل أحد من أهل بيته بيت كتبه إلا بعد سنين احتراما له، وكان له فرس يركبها قد أهديت إليه، فلما توفي لم تأكل علفا حتى نفقت بعده بيسير، ذكره ابن الجوزي.

وقد أثنى عليه القاضي ابن خلكان في " الوفيات " ثناء كثيرا وذكر شيئا من شعره الرائق. فمن ذلك قوله:

سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك

أقمنا زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك

وقوله أيضا رحمه الله تعالى:

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت حين نكرر التوديعا

أيقنت أن من الدموع محدثا ... وعلمت أن من الحديث دموعا

وقوله أيضا:

ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لها غير ذائق

وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق

ابن صربعر الشاعر اسمه علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور الكاتب المعروف بابن صربعر، وكان نظام الملك يقول له: أنت صردر لا صربعر وقد هجاه بعضهم فقال:

لئن نبز الناس قدما أباك ... وسموه من شحه صربعرا

فإنك تنثر ما صره ... عقوقا له وتسميه شعرا

قال ابن الجوزي: وهذا ظلم فاحش فإن شعره في غاية الحسن ثم أورد له قطعا حسانا من شعره فمن ذلك قوله:

إيه أحاديث نعمان وساكنه ... إن الحديث عن الأحباب أسمار

أفتش الريح عنكم كلما نفحت ... من نحو أرضكم نكباء معطار

قال: وقد حفظ القرآن وسمع الحديث من ابن بشران وغيره وحدث كثيرا، وركب يوما دابة فتردى هو والدابة في بئر فماتا ودفن بباب أبرز، وذلك في صفر من هذه السنة قال ابن الجوزي قرأت بخط ابن عقيل كان صربعر خازنا بالرصافة وكان ينبز بالإلحاد، وقد أورد له ابن خلكان شيئا من أشعاره وأثنى عليه في فنه، والله أعلم بحاله. ### $ محمد بن علي

محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي

بالله أبو الحسين، ويعرف بابن الغريق ولد سنة سبعين وثلاثمائة وسمع الدارقطني وهو آخر من حدث عنه في الدنيا، وابن شاهين، وتفرد عنه وسمع خلقا آخرين وكان ثقة دينا كثير الصلاة والصيام وكان يقال له راهب بني هاشم، وكان غزير العلم والعقل كثير التلاوة رقيق القلب غزير الدمعة، رحل إليه الطلبة من الآفاق، ثم ثقل سمعه فكان يقرأ على الناس، وذهبت إحدى عينيه، وخطب وله ست عشرة سنة وشهد عند الحكام سنة ست وأربعمائة، وولي الحكم سنة تسع وأربعمائة، وأقام خطيبا بجامع المنصور وجامع الرصافة ستا وسبعين سنة، وحكم ستا وخمسين سنة وتوفي في سلخ ذي القعدة من هذه السنة، وقد جاوز تسعين سنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا ورئيت له منامات صالحة.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com