John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 530 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

في صفر منها مرض القائم بأمر الله مرضا شديدا انتفخ منه حلقه وامتنع من الفصد، فلم يزل الوزير فخر الدولة عليه حتى افتصد فصلح الحال، وكان الناس قد انزعجوا ففرحوا بعافيته.

وجاء في هذا الشهر سيل عظيم، قاسى الناس منه شدة عظيمة، ولم تكن أكثر أبنية بغداد تكاملت من الغرق الأول فخرج الناس إلى الصحراء فجلسوا على رءوس التلول تحت المطر.

ووقع وباء عظيم بالرحبة، فمات من أهلها قريب من عشرة آلاف، وكذلك وقع بواسط والبصرة وخوزستان وأرض خراسان وغيرها والله أعلم

** [صفة موت الخليفة القائم بأمر الله] **

افتصد في يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب من ماشرا كانت تعتاده من عام الغرق، ثم نام بعد ذلك فانفجر فصاده، فاستيقظ وقد سقطت قوته وحصل الإياس منه، فاستدعي بحفيده وولي عهده من بعده عدة الدين أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم وأحضر إليه القاضي والنقباء، وأشهدهم عليه ثانيا بولاية العهد له من بعده فشهدوا، ثم كانت وفاته ليلة

الخميس الثالث عشر من شعبان عن أربع وسبعين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام، وكانت مدة خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوما، ولم يبلغ أحد من العباسيين قبله هذه المدة وقد جاوزت خلافة أبيه قبله أربعين سنة، فكان مجموع أيامهما خمسا وثمانين سنة وأشهرا، وذلك مقارب لدولة بني أمية كلها، وقد كان القائم بأمر الله جميلا مليح الوجه أبيض مشربا حمرة، فصيحا ورعا زاهدا أديبا كاتبا بليغا شاعرا، كما تقدم ذكر شيء من شعره وهو بحديثة عانة سنة خمسين، وكان عادلا كثير الإحسان إلى الناس رحمه الله

وغسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي عن وصية الخليفة بذلك، فعرض على الشريف أبي جعفر ما هنالك من الأثاث والأموال، فلم يقبل منه شيئا، وصلي على الخليفة في صبيحة يوم الخميس المذكور ودفن عند أجداده، ثم نقل إلى الرصافة فقبره يزار إلى الآن، وغلقت الأسواق لموته، وعلقت المسوح وناحت عليه نساء الهاشميين وغيرهم، وجلس الوزير ابن جهير وابنه للعزاء على الأرض، وخرق الناس ثيابهم، وكان يوما عصيبا، واستمر الحال كذلك ثلاثة أيام، وقد كان من خيار بني العباس دينا واعتقادا ودولة، وقد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره ومفارقته أهله وأولاده ووطنه، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة، ثم أعاد الله تعالى عليه نعمته وخلافته. كما قال الشاعر:

فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر

وقد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} [ص: 34] وقد ذكرنا ملخص ما ذكره المفسرون في سورة " ص " وبسطنا الكلام في هذه القصة العباسية والفتنة البساسيرية في سنة خمسين وإحدى وخمسين وأربعمائة.

** [خلافة المقتدي بأمر الله] **

وهو أبو القاسم عدة الدين عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد بن الخليفة القائم بأمر الله بن القادر العباسي، وأمه أرمنية تسمى أرجوان وتدعى قرة العين، وأدركت خلافته وخلافة ولديه المستظهر والمسترشد. وقد كان أبوه توفي وهو حمل، فحين ولد ذكرا فرح به جده والمسلمون فرحا شديدا، إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري ; لأن من عداهم يبتذلون في الأسواق مع العوام وكانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس، ونشأ هذا في حجر جده القائم بأمر الله يربيه بما يليق بأمثاله، ويدربه على أحسن السجايا ولله الحمد.

وكان عمر المقتدي حين ولي الخلافة عشرين سنة، وهو في غاية الجمال خلقا، وخلقا وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، وجلس في دار الشجرة بقميص أبيض وعمامة بيضاء لطيفة وطرحة قصب درية، وجاء الوزراء والأمراء والأشراف ووجوه الناس فبايعوه، فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي

وأنشده قول الشاعر:

إذا سيد منا مضى قام سيد

ثم أرتج عليه فلم يدر ما بعده فقال الخليفة:

قئول لما قال الكرام فعول

وبايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ أبو نصر بن الصباغ الشافعيان، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي، وبرز فصلى بالناس العصر ثم بعد ساعة أخرج تابوت جده بسكون ووقار من غير صراخ ولا نوح، فصلى عليه وحمل إلى المقبرة، رحمه الله، وقد كان المقتدي بالله شهما شجاعا، أيامه كلها مباركة والرزق دار، والخلافة معظمة جدا، وتصاغرت الملوك له وتضاءلوا بين يديه، وخطب له بالحرمين وبيت المقدس والشامات كلها، واسترجع المسلمون الرها وأنطاكية من أيدي العدو، وعمرت بغداد وغيرها من البلاد واستوزر ابن جهير ثم أبا شجاع ثم أعاد ابن جهير وقاضيه الدامغاني ثم أبو بكر الشامي وهؤلاء من خيار القضاة والوزراء ولله الحمد.

وفي شعبان أخرج المفسدات من الخواطئ من بغداد على حمرات ينادين على أنفسهن بالعار والفضيحة، وخرب دورهن وأسكنهن الجانب الغربي، وخرب أبرجة الحمام ومنع من اللعب بها، وألزم الناس بالمآزر في الحمامات،

ومنع أصحاب الحمامات أن يصرفوا فضلاتها إلى دجلة، وألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة صيانة لماء الشرب.

وفي شوال وقعت نار في أماكن متعددة في بغداد، حتى في دار الخلافة فأحرقت شيئا كثيرا من الدور والدكاكين.

ووقع بواسط حريق في تسعة أماكن، واحترق فيها أربعة وثمانون دارا وستة خانات، وأشياء كثيرة غير ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها عمل الرصد للسلطان ملكشاه اجتمع عليه جماعة من أعيان المنجمين وأنفق عليه أموالا كثيرة وبقي الرصد دائرا حتى مات السلطان فبطل.

وفي ذي الحجة أعيدت الخطبة بمكة للمصريين وقطعت خطبة العباسيين، وذلك لما قوي أمر صاحب مصر بعدما كان ضعيفا بسبب غلاء بلده، فلما أرخصت تراجع الناس إليها وطاب العيش بها، وقد كانت الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر، وستعود كما كانت على ما سيأتي بيانه في موضعه

وفي هذا الشهر انجفل أهل السواد من شدة الوباء وقلة ماء دجلة ونقصها. وحج بالناس الشريف أبو طالب الحسيني بن محمد الزينبي وأخذ البيعة للخليفة المقتدي.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الخليفة القائم بأمر الله عبد الله وقد ذكرنا شيئا من ترجمته عند ذكر

وفاته. رحمه الله. ### $ الداودي

راوي " صحيح البخاري " عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود أبو الحسن بن أبي طلحة الداودي، ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، سمع الكثير وتفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني وأبي بكر القفال، وصحب أبا علي الدقاق وأبا عبد الرحمن السلمي، وكتب الكثير ودرس وأفتى وصنف ووعظ الناس، وكانت له يد طولى في النظم والنثر، وكان مع ذلك كثير الذكر لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، دخل عليه يوما الوزير نظام الملك فجلس بين يديه فقال له الشيخ: إن الله قد سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم. وكانت وفاته ببوشنج في هذه السنة وقد جاوز التسعين. ومن شعره قوله:

كان في الاجتماع بالناس نور ... فمضى النور وادلهم الظلام

فسد الناس والزمان جميعا ... فعلى الناس والزمان السلام ### $ أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي الشاعر المشهور، اشتغل أولا على الشيخ أبي محمد الجويني ثم عدل إلى الكتابة

والشعر ففاق أقرانه وله ديوان مشهور فيه:

وإني لأشكو لسع أصداغك التي ... عقاربها في وجنتيك تحوم

وأبكي لدر الثغر منك ولي أب ... فكيف يديم الضحك وهو يتيم

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com