Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
سنة تسع من الهجرة
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 56 of 840
** ذكر غزوة تبوك في رجب منها. **
** [أسباب الغزوة وتجهيز الجيش] **
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 28] (التوبة: 28، 29) روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم، أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج، وليذهبن ما كنا نصيب منها. فعوضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم; لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق; لقربهم إلى الإسلام وأهله. وقد قال الله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 123] (التوبة: 123) فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه، فأوعب معه بشر كثير، كما سيأتي، قريبا من ثلاثين ألفا، وتخلف آخرون، فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع، وفضحهم أشد الفضيحة، وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة " براءة " كما قد بينا ذلك مبسوطا في " التفسير " وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة: 41] ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] فقيل: إن هذه ناسخة لتلك. وقيل: لا. فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى
رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا، كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس، لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة: " يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " قد أذنت لك ". ففي الجد أنزل الله هذه الآية: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [التوبة: 49] (التوبة: 49) وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر. زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى فيهم {" وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون "} [التوبة: 81] (التوبة: 81، 82) .
قال ابن هشام حدثني الثقة، عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة عن أبيه، عن جده قال: «بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا،» فقال الضحاك في ذلك:
كادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال
من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
قال ابن هشام فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض ".» .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة قال: «جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة. قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده، ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة به. وقال: حسن غريب. وقاله عبد الله بن أحمد في " مسند " أبيه: حدثني أبو موسى العنزي. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: «خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان
بن عفان: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده، كالمتعجب: " ما على عثمان ما عمل بعد هذا» وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن بشار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به. وقال: غريب من هذا الوجه.
ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به. وقال: ثلاث مرات، وإنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: «فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: " ما ضر عثمان بعدها " أو قال: " بعد اليوم» .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال: «سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون
خطاما ولا عقالا قالوا: اللهم نعم» ورواه النسائي من حديث حصين به.
** [فصل في من تخلف معذورا من البكائين وغيرهم] **
قال الله تعالى: {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين - رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون - لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون - أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم - وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم - ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم - ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون - إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} [التوبة: 86 - 93] (التوبة: 86 - 93) قد تكلمنا على تفسير هذا كله في " التفسير " بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.
والمقصود ذكر البكائين الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم، حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه، فرجعوا وهم يبكون ; تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله، والنفقة فيه.
قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ; فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني وبعض الناس يقولون: بل هو عبد الله بن عمرو المزني. وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري.
قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه، وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق أما علبة بن زيد فخرج من الليل، فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك صلى الله عليه وسلم ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها ; في مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين
المتصدق هذه الليلة؟ " فلم يقم أحد ثم قال: " أين المتصدق؟ فليقم ". فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشر، فوالذي نفسي بيده، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» ".
وقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا حديث أبي موسى الأشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة، وهو في غزوة تبوك فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم. فقال: " والله لا أحملكم على شيء ". ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته فقال: أجب، رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين ". لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال: " انطلق بهن إلى أصحابك، فقل:
إن الله - أو قال: إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء فاركبوهم ". فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله. فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت. قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء» وأخرجه البخاري ومسلم جميعا، عن أبي كريب عن أبي أسامة. وفي رواية لهما، عن أبي موسى قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا، فقال: " والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه ". قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل، فأمر لنا بست ذود غر الذرى، فأخذناها، ثم قلنا: تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا. فرجعنا له فقال: " ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم ". ثم قال: " إني والله، إن شاء الله، لا أحلف
على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها ".» .
قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب ; منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم.
قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا، إن شاء الله تعالى، وهم الذين أنزل الله فيهم: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة: 118] (التوبة: 118) وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي.
** [خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وخلفه علي بن أبي طالب على أهله] **
فصل (خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك واستخلافه علي بن أبي طالب على أهله) .
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير، فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع،
ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب.
قال ابن هشام واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال: وذكر الدراوردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة.
قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه، ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف، فأخبره بما قالوا فقال «: كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» ؟ فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره.
ثم قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به.
وقد قال أبو داود الطيالسي في " مسنده ": حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟» وأخرجاه من طرق، عن شعبة نحوه. وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه، فقال علي: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان؟ - فقال: «يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» رواه مسلم والترمذي عن قتيبة زاد مسلم: ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما
إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا. ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة ". فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة. فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: " أولى لك يا أبا خيثمة! ". ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال خيرا، ودعا له بخير» .
وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط، وذكر أن خروجه، عليه السلام، إلى تبوك
كان في زمن الخريف. فالله أعلم.
قال ابن هشام وقال أبو خيثمة، واسمه مالك بن قيس، في ذلك:
لما رأيت الناس في الدين نافقوا ... أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: «لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: " دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ". حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: " دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد
أراحكم الله منه ". فتلوم أبو ذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل ماش على الطريق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا ذر ". فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» . قال: فضرب الدهر من ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب، فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» . فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن، ولم يخرجوه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن
محمد بن عقيل في قوله تعالى: {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] (التوبة: 117) . قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وخرجوا في حر شديد، فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر.
قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة. فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله «، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا. فقال: " أتحب ذلك؟ " قال: نعم. قال: فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر» إسناده جيد، ولم يخرجوه
من هذا الوجه.
وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه أن هذه القضية كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق: ويحك! هل بعد هذا من شيء؟ ! فقال سحابة مارة. وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت، فذهبوا في طلبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الأنصاري - وكان عنده -: إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته. وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها ". فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة إلى رحله، فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول: إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، اخرج عني يا عدو الله، فلا تصحبني. فقال بعض الناس: إن زيدا تاب. وقال بعضهم: لم يزل مصرا حتى هلك.
قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة. ثم روى من حديث الأعمش وقد رواه الإمام أحمد عن أبي
معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال: «لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا ". فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة، لعل الله أن يجعل فيها البركة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم ". فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف من التمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال لهم: " خذوا في أوعيتكم ". فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» . ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش به. ورواه الإمام أحمد من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة. ولم يذكر غزوة تبوك بل قال: كان في غزوة غزاها.
** [ذكر مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر] **
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: لا تشربوا من مياهها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا» هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم» . وتقنع بردائه وهو على الرحل. ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه.
وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين
فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".» ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر، عن عبد الله بن دينار نحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم» وهذا الحديث إسناده على شرط " الصحيحين " من هذا الوجه، ولم يخرجوه، وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض أبي ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به. قال البخاري: وتابعه أسامة عن نافع. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» إسناده صحيح، ولم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: «لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنودي في الناس: الصلاة جامعة. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ " فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله. قال: " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا» . إسناده حسن ولم يخرجوه.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن
حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس عن سهل بن سعد الشك مني - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ". ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له ; فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره، فاحتملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟ " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من تبوك - وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة» - قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما، فلم يحدثني بهما.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال:
«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " اخرصوا ". فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: " أحصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله ". قال: فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله ". قال أبو حميد فعقلناها، فلما كان من الليل، هبت علينا ريح شديدة، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيئ، ثم جاء رسول الله ملك أيلة، فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا، وكتب له ببحرهم، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادي القرى، فقال للمرأة: " كم جاءت حديقتك؟ " قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل ". قال: فخرج رسول الله وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأى أحدا قال: " هذا أحد يحبنا ونحبه ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: " خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني ساعدة ثم في كل دور الأنصار خير» . وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه.
وقال الإمام مالك رحمه الله عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره «أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: " إنكم ستأتون غدا، إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي " قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل مسستما من مائها شيئا؟ " قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا» . وأخرجه مسلم من حديث مالك به.
** [ذكر خطبته عليه الصلاة والسلام إلى تبوك] إلى نخلة هناك. **
روى الأمام أحمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه، حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه» . ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به. وقال: أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا عبد الله بن مصعب بن منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح
قال: " ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر؟ " فقال: يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك. قال: فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته، فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أيها الناس، أما بعد ; فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدي ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثى جهنم، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير
أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه. ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي ". قالها ثلاثا ثم قال: " أستغفر الله لي ولكم» وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي إسناده ضعف. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال أبو داود: ثنا أحمد بن سعيد الهمداني وسليمان بن داود قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد، فسأله عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي ; «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: " هذه قبلتنا ". ثم صلى إليها. قال: فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: " قطع صلاتنا قطع الله أثره» . قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا ثم رواه أبو داود من حديث سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن مولى
ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار، وهو يصلي، فقال: " اللهم اقطع أثره ". فما مشيت عليها بعد وفي رواية: " قطع صلاتنا قطع الله أثره ". .
** [ذكر الصلاة على معاوية بن معاوية] إن صح الخبر في ذلك. **
روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله، فقال: " يا جبريل، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟ " قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: " ومم ذاك؟ " قال: بكثرة قراءته {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] بالليل
والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: " نعم ". قال: فصلى عليه ثم رجع» . وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيد هذا، وقد تكلموا فيه.
ثم قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال: «جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن معاوية المزني أفتحب أن تصلي عليه؟ قال: " نعم ". فضرب بجناحه، فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له. قال: فصلى وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك. قال: قلت: " يا جبريل، بما نال هذه المنزلة من الله؟ " قال: بحبه {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] يقرؤها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال. قال عثمان: فسألت أبي: أين كان النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه» . وهذا أيضا منكر من هذا الوجه.
** [قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك] **
قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ الفند أو قرب. فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل؟ فقال: بلى، «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار، فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني إلى أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطه مالنا على أرضنا. فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من
برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم ولم يكد، وقال: إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم. ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب، قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال ; انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شيء يريبك. قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي، فوضعه في حجره ثم قال: " ممن أنت؟ " فقلت: أنا أخو تنوخ. قال: " هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ " قلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. فضحك وقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] (القصص: 56) يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير ". قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي. فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله! أين الليل إذا جاء النهار؟ ! " قال: فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي. فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: " إن لك حقا وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون ". قال: فناداه رجل من طائفة الناس، قال: أنا أجوزه ففتح رحله، فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان. ثم قال رسول الله: " أيكم ينزل هذا الرجل؟ " فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال: " تعال يا أخا تنوخ ". فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت
بين يديه، فحل حبوته عن ظهره، وقال: " هاهنا امض لما أمرت به ". فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحجمة الضخمة.» هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به تفرد به الإمام أحمد.
** [ذكر مصالحته عليه الصلاة والسلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح] وهو مخيم على تبوك قبل رجوعه. **
قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم، فكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر،
فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوه ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر» . زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا. وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
قال يونس عن ابن إسحاق وكتب لأهل جرباء وأذرح: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، ومائة أوقية طيبة وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين ". قال: وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم» . قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار.
** [بعثه عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة] **
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك ; رجل من كندة، كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: " إنك ستجده يصيد البقر ". فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ ! قال لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب ومعه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسان. فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذته وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه. قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» . .
قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله
صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من بني طيئ - يقال له: بجير بن بجرة - في ذلك:
تبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد
وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر: «لا يفضض الله فاك» . فأتت عليه تسعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن.
وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة. فذكر نحو ما تقدم، إلا أنه ذكر أنه ماكره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحه، فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك. فالله أعلم.
وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الأعراب في غزوة دومة الجندل. . فالله أعلم.
** [إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بتبوك] **
فصل (إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بتبوك) .
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة بتبوك لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة. قال وكان في الطريق ماء يخرج من وشل، يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له: وادي المشقق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه ". قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال: " من سبقنا إلى هذا الماء؟ " فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان. فقال: " أولم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه؟ " ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» .
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم،
قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وإذا هو يقول: " أدنيا إلي أخاكما ". فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: «اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» . قال: يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.
قال ابن هشام إنما سمي ذا البجادين ; لأنه كان يريد الإسلام، فمنعه قومه وضيقوا عليه، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد، وهو الكساء الغليظ فشقه باثنتين، فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين.
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة يقول: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه ونحن بالأخضر، وألقى الله علي النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، فيفزعني دنوها منه ; مخافة أن أصيب رجله في الغرز فطفقت أحوز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله: " حس ". فقلت: يا رسول الله استغفر لي. قال: " سر ". فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني
عمن تخلف عنه من بني غفار، فأخبره به، فقال وهو يسألني: " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط الذين لا شعر في وجوههم؟ " فحدثته بتخلفهم قال: " فما فعل النفر السود الجعاد القصار؟ " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: " بلى، الذين لهم نعم بشبكة شدخ ". فتذكرتهم في بني غفار، فلم أذكرهم، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله؟ إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني ; المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم» . .
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة، هم جماعة من المنافقين بالفتك به، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي، وصعد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبصر حذيفة غضبه، فرجع إليهم ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة، ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " هل عرفت هؤلاء القوم؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال: " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟ " قالا: لا. فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه، وسماهم لهما واستكتمهما ذلك فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ". .
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة، إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده، وهذا هو الأشبه. والله أعلم. ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد؟ - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم؟ - يعني عمارا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال: لا ولا أبرئ بعدك أحدا. يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل: كانوا اثني عشر رجلا.
وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن
إسحاق أسماءهم، قال: وفيهم أنزل الله عز وجل: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] (التوبة: 74) .
وروى البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان قال: «كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها. قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل عرفتم القوم؟ ". قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟ ". قلنا: لا. قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها ". قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: " لا، أكره أن تحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ". ثم قال: " اللهم ارمهم بالدبيلة ". قلنا: يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: " شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك» . .
وفي " صحيح مسلم " من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي ; أرأيا رأيتموه أم شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» .
وفي رواية له من وجه آخر عن قتادة: «إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة ; سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم» . .
قال الحافظ البيهقي: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر، أو خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد.
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في " مسنده " قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: «لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بالعقبة،
فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " قد قد ". حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هبط نزل ورجع عمار قال: " يا عمار هل عرفت القوم؟ " قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: " هل تدري ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه ". قال: فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.» .
** [قصة مسجد الضرار] **
قال الله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون - لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين - أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين - لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم} [التوبة: 107 - 110] (التوبة: 107 - 110) وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية، ولله الحمد. وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله، وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة. ومضمون ذلك ; أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ; حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد، وهو قوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} [التوبة: 107] الآية. أما قوله: (ضرارا) فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، (وكفرا) بالله لا للإيمان به، (وتفريقا) للجماعة عن مسجد قباء {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} [التوبة: 107] وهو أبو عامر الراهب الفاسق، قبحه الله، وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأبى عليه،
ذهب إلى أهل مكة فاستنفرهم فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ; ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين، ولهذا قال تعالى: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} [التوبة: 107] . ثم قال: {وليحلفن} [التوبة: 107] . أي الذين بنوه {إن أردنا إلا الحسنى} [التوبة: 107] أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال الله تعالى: {والله يشهد إنهم لكاذبون} [التوبة: 107] . ثم قال الله تعالى لرسوله: {لا تقم فيه أبدا} [التوبة: 108] فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره، ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في " صحيح مسلم " من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم ; لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في " التفسير " ولله الحمد.
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي - رضي الله عنهما، فأمرهما أن يذهبا إلى هذا
المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله.
قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وهم خذام بن خالد - وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحارث وبحزج وهو إلى بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية.
قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر، أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف فلما سلم الناس أعظموا ما وقع، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحسنتم وأصبتم ". وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا: حدثنا.
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ". فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ ! قال: " وهم بالمدينة، حبسهم العذر» . تفرد به من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أحد ; جبل يحبنا ونحبه» . ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من
ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه هاهنا أيضا.
قال البخاري رحمه الله: حديث كعب بن مالك رضي الله عنه،
حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: «لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا، وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو ; لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك قال: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل
منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: " تعال ". فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: " ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ". فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن
كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا
مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: " لا ولكن لا يقربك ". قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، عز وجل، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من
الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: " لا بل من عند الله ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} [التوبة: 117] إلى قوله: {وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته،
فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} [التوبة: 95] إلى قوله: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] (التوبة: 95، 96) قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا (التوبة: 118) . ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه» . وهكذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه. وهكذا رواه محمد بن إسحاق. عن الزهري مثل سياق البخاري وقد سقناه في " التفسير " من " مسند الإمام أحمد "، وفيه زيادات يسيرة، ولله الحمد والمنة.
** [ذكر أقوام تخلفوا من العصاة] غير هؤلاء. **
قال علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 102] (التوبة: 102) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك فلما حضر رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من المسجد عليهم، فلما مر بهم رسول الله قال: " من هؤلاء؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله، عز وجل، هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله عز وجل: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} [التوبة: 102] الآية. " وعسى " من الله واجب فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: " ما أمرت أن آخذ أموالكم ". فأنزل الله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103] إلى قوله {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} [التوبة: 106] (التوبة: 103، 106) . وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} [التوبة: 117] إلى قوله: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] إلى آخرها (التوبة: 117، 118) . وكذا رواه عطية بن سعد العوفي عن ابن عباس بنحوه.
وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة
وما كان من أمره يوم بني قريظة، وربطه نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكفيك من ذلك الثلث ". قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} [التوبة: 102] الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خير، رضي الله عنه وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه، واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم، كما دل عليه سياق ابن عباس. والله أعلم.
وروى الحافظ البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه، عن أبي مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان ". حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال: " إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية» . قال: فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم. .
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام ; مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاءون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون.
** [ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصرفه من تبوك] **
قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبي زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: «سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل لا يفضض الله فاك. فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر
أنت ولا مضغة ولا علق ... بل نطفة تركب السفين وقد
ألجم نسرا وأهله الغرق ... تنقل من صالب إلى رحم
إذا مضى عالم بدا طبق ... حتى احتوى بيتك المهيمن من
خندف علياء تحتها النطق ... وأنت لما ولدت أشرقت الأر
ض وضاءت بنورك الأفق ... فنحن في ذلك الضياء وفي
النور وسبل الرشاد نخترق
» ورواه البيهقي من طريق أخرى، عن أبي السكين زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروي عنه. قال البيهقي: وزاد: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، وهذه الشيماء بنت بقيلة الأزدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود ". فقلت يا رسول الله، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال: " هي لك ".» قال: ثم كانت الردة، فما ارتد أحد من طيئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام، فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طليحة بن خويلد وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا:
جزى الله عنا طيئا في ديارها ... بمعترك الأبطال خير جزاء
هم أهل رايات السماحة والندى ... إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هم ضربوا قيسا على الدين بعدما
أجابوا منادي ظلمة وعماء
قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد من الناس أعدى للعرب والإسلام من هرمز فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز، فبرز له فقتله خالد وكتب بخبره إلى الصديق فنفله سلبه، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم. قال: ثم أقبلنا على طريق الطف إلى الحيرة، فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت بقيلة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود ". فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعاني خالد عليها بالبينة، فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الأنصاري فسلمها إلي، فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح، فقال: بعنيها. فقلت: لا أنقصها والله عن عشر مائة درهم. فأعطاني ألف درهم، وسلمتها إليه فقيل: لو قلت مائة ألف لدفعها إليك. فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة.
** [قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع] **
تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النصري أنعم عليه وأعطاه، وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم، حتى ألجأهم إلى الدخول في الإسلام، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك.
قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه -: " إنهم قاتلوك ". وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع ; للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم. وكان فيهم
كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء أن لا يخالفوه ; لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له: أوس بن عوف. أخو بني سالم بن مالك، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له: وهب بن جابر. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم، وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج، فائتمروا بينهم، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن
عمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، وهم ; الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة.
وقال موسى بن عقبة كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد.
قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطا، ويكتتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه. ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات - ثلاث سنين، فما برحوا
يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: " «أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» ". فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص «أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم ولا خير في دين لا ركوع فيه ". وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، علمني القرآن واجعلني إمام قومي.» وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به.
وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح ثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم بن معقل بن منبه عن أبيه، عن وهب قال: «سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ".» .
قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان أحدثهم سنا - لأن الصديق قال: يا رسول الله، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.
وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن، فإن وجده نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام، وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا.
قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال: «كان من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف أن قال: " يا عثمان تجوز في الصلاة، واقدر
الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة ".» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص قال: «قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: " أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ".» رواه أبو داود والنسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق كما تقدم.
وروى أحمد عن عفان عن وهيب وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن داود بن أبي عاصم «عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال: " إذا صليت بقوم فخفف بهم ". حتى وقت لي {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] (العلق: 1) وأشباهها من القرآن» .
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال: «حدث عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد
إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة ".» ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر غندر به.
وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الله بن الحكم أنه «سمع عثمان بن أبي العاص يقول: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، فكان آخر ما عهده إلي أن قال: " خفف عن الناس الصلاة ".» تفرد به من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبي العاص حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه، ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم، فإن فيهم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ".» ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال: «قال
لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أم قومك، وإذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة ; فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة ".» .
وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير «أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي. قال: ذاك شيطان يقال له: خنزب. فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ". قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.» ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به.
وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق، عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص «أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده، فقال له: " ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله. ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ".» وفي بعض الروايات «ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم.» .
وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن
عبد الله الأنصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبي، عن عثمان بن أبي العاص قال: «لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ابن أبي العاص؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: " ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله، عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: " ذاك الشيطان، ادنه ". فدنوت منه فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي، وقال: " اخرج عدو الله ". ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: " الحق بعملك ". قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.» تفرد به ابن ماجه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: «كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا، فيأتينا بالسحور، فإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع. فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور. ويأتينا بفطرنا، وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس بن
حذيفة قال: «قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف. قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه، حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول: " لا أنسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندال عليهم ويدالون علينا ". فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة. فقال: " إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه ". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.» لفظ أبي داود.
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين،
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتب دونه ; خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود. قال: وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، ويقلن: لتبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع.
قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك إهلاكك. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان وقال له: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية. فقضى ذلك عنهما.
قلت: كان الأسود قد مات مشركا، ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود رضي الله عنه.
وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا
أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر، فحرم عليهم ذلك كله، فسألوه عن الربة ما هو صانع بها. قال: " اهدموها ". قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب ويحك يا بن عبد ياليل! ما أجهلك! إنما الربة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب. ثم قالوا: يا رسول الله، تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا. فقال: " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها ". فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم، فسألوهم ما وراءكم؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ، قد ظهر بالسيف، يحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا: لا نطيع لهذا أبدا. قال: فأهبوا للقتال وأعدوا السلاح. فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرجعوا وأنابوا، وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه. قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله. قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان. فأسلموا مكانهم، ومكثوا أياما، ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فعمدوا إلى اللات، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساؤها والصبيان،
حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف.
فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض برجله، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة. وقالوا لأولئك: من شاء منكم فليقترب فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم إنه ضرب الباب فكسره ثم علا سورها، وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها. فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله.
قال ابن إسحاق: وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين ; إن عضاة وج وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن
تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا، وإن هذا أمر النبي محمد. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.» .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه، عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن الأسود حذوها، فاستقبل نخبا ببصره، يعني واديا، ووقف حتى اتقف الناس كلهم، ثم قال: " إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله ". وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا.» وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في " ثقاته ". وقال ابن معين: ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم، وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه. والله أعلم.
** [ذكر موت عبد الله بن أبي] **
قبحه الله.
قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات، فيه فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود ". فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه؟» .
وقال الواقدي: «مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه، فقال: " قد نهيتك عن حب يهود ". فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال يا رسول الله، ليس هذا بحين عتاب! هو الموت، فإن مت، فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جلدك، فكفني فيه، وصل علي واستغفر لي. ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وروى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي. فالله أعلم.
وقد قال إسحاق بن راهويه قلت لأبي أسامة: أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول «جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك الله عنه؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربي خيرني فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] (التوبة: 80) وسأزيد على السبعين: فقال: إنه منافق، أتصلي عليه؟ ! فأنزل الله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله} [التوبة: 84] (التوبة: 84) فأقر به أبو أسامة وقال: نعم» . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي أسامة.
وفي رواية للبخاري وغيره: «قال عمر رضي الله عنه: فقلت: يا رسول الله، تصلي عليه وقد قال في يوم كذا: كذا وكذا، وقال في يوم كذا: كذا وكذا؟ ! فقال: دعني يا عمر فإني بين خيرتين، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت ". ثم صلى عليه، فأنزل الله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] الآية. قال عمر: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم،» والله ورسوله أعلم.
وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه.» فالله أعلم.
وفي " صحيح البخاري " بهذا الإسناد مثله، وعنده أنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسا العباس رضي الله عنه قميصا حين قدم المدينة، فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي. وقد ذكر البيهقي هاهنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة، وقد حررنا ذلك في " التفسير " عند قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] الآية. (التوبة: 75) .
[غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم]
** فصل (في كون غزوة تبوك آخر غزوة وقصيدة حسان بن ثابت) . **
قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه، يعدد أيام الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه - قال ابن هشام وتروى لابنه عبد
الرحمن بن حسان -:
ألست خير معد كلها نفرا ... ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا
قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم ... مع الرسول فما ألوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد ... منهم ولم يك في إيمانهم دخل
ويوم صبحهم في الشعب من أحد ... ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم ... على الجياد فما خاموا ولا نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم ... مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا ... بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم ... لله والله يجزيهم بما عملوا
وليلة بحنين جالدوا معه ... فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم ... مع الرسول بها الأسلاب والنفل
وغزوة القاع فرقنا العدو به ... كما تفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته
على الجلاد فآسوه وما عدلوا ... وغزوة الفتح كانوا في سريته
مرابطين فما طاشوا ولا عجلوا ... ويوم خيبر كانوا في كتيبته
يمشون كلهم مستبسل بطل ... بالبيض ترعش في الأيمان عارية
تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل ... ويوم سار رسول الله محتسبا
إلى تبوك وهم راياته الأول ... وساسة الحرب إن حرب بدت لهم
حتى بدا لهم الإقبال فالقفل ... أولئك القوم أنصار النبي وهم
قومي أصير إليهم حين أتصل ... ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم
وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
[بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع]
** ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة " براءة ". **
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا. قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ; ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه، بمن معه من المسلمين، وفصل عن المدينة أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 1] إلى قوله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله} [التوبة: 3] إلى آخر القصة.
ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات، وقد بسطنا الكلام عليها في " التفسير " ولله الحمد والمنة، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه، بعد أبي بكر الصديق ; ليكون معه، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى
المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لكونه ابن عمه من عصبته.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: «لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر. فقال: " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ". ثم دعا علي بن أبي طالب فقال: " اخرج بهذه القصة من صدر " براءة " وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته ". فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور. ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ; ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.» وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقد قال البخاري: باب حج أبي بكر رضي الله عنه، بالناس سنة تسع، حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، بعثه في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.» .
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن «أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ب " براءة ". قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ب " براءة " أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان.» .
وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن «أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى. لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر. من أجل قول الناس: الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام
حجة الوداع - الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - مشرك.» ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي «عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي.» وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال: إنه يؤجل إلى أربعة أشهر ; لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية. والله تعالى أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ب " براءة " مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال: " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ". فبعث بها مع علي بن أبي طالب» وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة، وقال: حسن غريب من حديث أنس.
وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة، رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ".» وهذا ضعيف الإسناد، ومتنه فيه نكارة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - قال: «سألنا عليا: بأي شيء بعثت؟ - يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة - قال: بأربع ; لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا
يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.» وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به، وقال: حسن صحيح. ثم قال: وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال: عن زيد بن أثيل ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه، عن علي.
قلت: ورواه ابن جرير، من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة " حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم
يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقمت، فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة "، ثم صدرنا فأتينا منى، فرميت الجمرة، ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه، يوم عرفة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال علي: فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة.» وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في " التفسير ". وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.
قال الواقدي: وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة، منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة، ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ب " براءة " أمام الموسم. .
** [الأمور الحادثة سنة تسع من الهجرة] **
فصل (الأمور الحادثة سنة تسع) .
كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في
رجب منها كما تقدم بيانه. قال الواقدي: وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس. وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب، وقيل: غسلها نسوة من الأنصار فيهم أم عطية.
قلت: وهذا ثابت في " الصحيحين "، وثبت في الحديث أيضا أنه، عليه الصلاة والسلام، لما صلى عليها وأراد دفنها قال: " «لا يدخله أحد قارف الليلة أهله» ". فامتنع زوجها عثمان لذلك، ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال: " «لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء» ". إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد والله أعلم.
وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه. وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد، وهو دار حرب في الباطن فأمر به، عليه الصلاة والسلام،
فحرق. وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالأمان، وكسرت اللات كما تقدم، وفيها توفي عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، لعنه الله، في أواخرها، وقبله بأشهر توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك، وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه، بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك، وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب، ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.
** [كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
** [بداية مقدم الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه - قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود - قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش ; لأن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم، وقادة العرب، لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله - كما قال عز وجل - أفواجا، يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 1] (النصر: 1 - 3) أي فاحمد الله على ما أظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا.
وقد قدمنا حديث عمرو بن سلمة قال: وكانت العرب تلوم بإسلامهم
الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا، قال: " صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا ". وذكر تمام الحديث وهو في " صحيح البخاري ".
قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم، من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] (الحديد: 10) . وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية ".» فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعده الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة. والله أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه، وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن
أبيه عن جده قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة، وذلك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم ".» فرجعوا إلى بلادهم.
ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي بإسناده، أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم، فتأخروا عنه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا، فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه، فحموا له، وأسلموا معه، وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا. قال: وهو أخو عبد الله ذي البجادين.
وقال البخاري رحمه الله: باب وفد بني تميم، حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال: «أتى نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اقبلوا البشرى يا بني تميم ". قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا. فرئي ذلك في وجهه، فجاء نفر من اليمن، فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم ". قالوا: قد قبلنا يا رسول الله.» ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن
ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] (الحجرات: 1) حتى انقضت.» ورواه البخاري أيضا من غير وجه، عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخر، قد ذكرنا ذلك في " التفسير " عند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] الآية.
وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب، قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم، منهم ; الأقرع بن حابس التميمي والزبرقان بن بدر التميمي أحد بني سعد، وعمرو بن الأهتم والحبحاب بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم أخو بني سعد، في وفد عظيم من بني تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم
وفد بني تميم كانا معهم فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته ; أن اخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل ". فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم فأجب الرجل في خطبته ". فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة
واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله وزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فما ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حسان: فجاءني رسوله، فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر
بني تميم. قال: فخرجت وأنا أقول:
منعنا رسول الله إذ حل وسطنا ... على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزه وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت في قوله، وقلت على نحو ما قال. قال: فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ". فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم
عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ... إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم
أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا ... أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يطمعون ولا يرديهم طمع ... لا يبخلون على جار بفضلهم
ولا يمسهم من مطمع طبع ... إذا نصبنا لحي لم ندب لهم
كما يدب إلى الوحشية الذرع ... نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها
إذا الزعانف من أظفارها خشعوا ... لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع ... كأنهم في الوغى والموت مكتنع
أسد بحلية في أرساغها فدع ... خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا
ولا يكن همك الأمر الذي منعوا ... فإن في حربهم فاترك عداوتهم
شرا يخاض عليه السم والسلع ... أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفاوتت الأهواء والشيع ... أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره
فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... إن جد في الناس جد القول أو شمعوا
وقال ابن هشام وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع في كل غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال: فقام حسان فأجابه فقال:
هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا ... على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين ديارنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها
ولدنا نبي الخير من آل هاشم ... بني دارم لا تفخروا إن فخركم
يعود وبالا عند ذكر المكارم ... هبلتم علينا تفخرون وأنتم
لنا خول من بين ظئر وخادم ... فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم ... فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا
ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله، إنه قد كان رجل منا في رحالنا، وهو غلام حدث. وأزرى به. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم ... باد نواجذه مقع على الذنب
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم فقال لعمرو بن الأهتم: " أخبرني عن الزبرقان فأما هذا فلست أسألك عنه ". وأراه كان قد عرف قيسا. قال: فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. قال: فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، قد صدقت فيهما جميعا ; أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم فيه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا ".» وهذا مرسل من هذا الوجه.
قال البيهقي: وقد روي من وجه آخر موصولا أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد الله بن الحسين العلاف ببغداد، حدثنا علي بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن
الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: «جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك. يعني عمرو بن الأهتم فقال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله، لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو بن الأهتم: أنا أحسدك؟ ! فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة. والله يا رسول الله، لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا» وهذا إسناد غريب جدا.
وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فقدم رؤساؤهم بسبب أسرائهم، ويقال: قدم منهم تسعون أو ثمانون رجلا في ذلك، منهم ; عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن
الحارث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورباح بن الحارث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر، والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم، فعجل هؤلاء، فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل. ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم، وأنه، عليه الصلاة والسلام، أجازهم على كل رجل اثنتي عشرة أوقية ونشا، إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه. والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} [الحجرات: 4] .
قال ابن جرير حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4] قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين. فقال: ذاك الله عز وجل» وهذا إسناد جيد متصل.
وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل ; فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه «نادى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، يا محمد - وفي رواية: يا رسول الله - فلم يجبه فقال: يا رسول الله، إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين. فقال: " ذاك الله عز وجل ".» .
** [حديث في فضل بني تميم] **
قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة «عن أبي هريرة قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم: " هم أشد أمتي على الدجال ". وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: " أعتقيها ; فإنها من ولد إسماعيل ". وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو: قومي - ".» وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به.
وهذا الحديث يرد على ما ذكره صاحب " الحماسة " وغيره من شعر من ذمهم، حيث يقول:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق الرشاد لضلت
ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... رأته تميم من بعيد لولت
** [وفد بني عبد القيس] **
ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم: باب وفد عبد القيس، حدثنا أبو إسحاق حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرة عن أبي جمرة قال: «قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها نبيذ فأشربه حلوا في جر، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس، خشيت أن أفتضح. فقال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى ". فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فحدثنا بجمل من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة، وندعو به من وراءنا. قال: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ; الإيمان بالله هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع ; ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت» وهكذا رواه مسلم
من حديث قرة بن خالد عن أبي جمرة به، وله طرق في " الصحيحين " عن أبي حمزة.
وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده ": حدثنا شعبة عن أبي جمرة سمعت ابن عباس يقول: «إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ممن القوم؟ " قالوا: من ربيعة. قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى ". فقالوا: يا رسول الله، إنا حي من ربيعة، وإنا نأتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع ; عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال: والمقير - فاحفظوهن
وادعوا إليهن من وراءكم ".» وقد أخرجه صاحبا " الصحيحين " من حديث شعبة بنحوه. وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق، وعنده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: " إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل الحلم والأناة ". وفي رواية: " يحبهما الله ورسوله ". فقال: يا رسول الله، تخلقتهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: " بل جبلك الله عليهما ". فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوزاع تقول: أنها سمعت الوزاع يقول: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والأشج المنذر بن عامر أو عامر بن المنذر ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته، وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين
يحبهما الله، عز وجل، ورسوله ; الحلم والأناة ". فقال: يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: " بل جبلك الله عليهما ". قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله، عز وجل، ورسوله. فقال الوازع: يا رسول الله، إن معي خالا لي مصابا فادع الله له. فقال: " أين هو؟ ائتني به ". قال: فصنعت مثل ما صنع الأشج ; ألبسته ثوبيه، وأتيته، فأخذ طائفة من ردائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال: " اخرج عدو الله ". فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح» .
وروى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد الله بن سعد أنه سمع جده مزيدة العصري «قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق ". فقام عمر فتوجه نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكبا فقال: من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس. قال: فما أقدمكم هذه البلاد؟ التجارة؟ قالوا: لا. قال: أما إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا. ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون. فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى، ومنهم من هرول، ومنهم من سعى، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا بيده فقبلوها وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء
يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله ". قال: جبل جبلت عليه أم تخلق مني؟ قال: " بل جبل ". فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله» .
وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس. قال ابن هشام هو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن الحسن قال: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد، إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه ". قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: " والله ما عندي ما أحملكم عليه ". قال: يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: " لا، إياك وإياها فإنما تلك حرق النار ". قال: فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام، فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي فأسلم فحسن إسلامه ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين.
ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة عن ابن عباس قال: أول جمعة جمعت - بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين. .
وروى البخاري عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس، حتى صلاهما بعد العصر في بيتها.» .
قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة ; لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر، لا نصل إليك إلا في شهر حرام. والله أعلم.
** [قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب] لعنه الله. **
قال البخاري: باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أثال ; حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث بن سعد حدثني سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال. فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة؟ " قال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: " أطلقوا ثمامة ". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان دين أبغض
إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.» وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر ; وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه، وإنما أسر وقدم به في الوثاق، فربط بسارية من سواري المسجد. ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر ; وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح، لأن أهل مكة عيروه بالإسلام وقالوا: أصبوت؟ فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة، حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد. والله أعلم. ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه، ولكن ذكرناه هاهنا اتباعا للبخاري رحمه الله.
وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد الله بن أبي حسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس قال: «قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته.
وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني ". ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك أرى الذي أريت فيه ما أريت ". فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي ; أحدهما العنسي والآخر مسيلمة» .
ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر ثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا علي، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما ; صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» .
ثم قال البخاري: ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن عبيدة بن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث، وكان تحته بنت الحارث بن كريز، وهي أم عبد الله بن عامر بن كريز، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس - وهو الذي يقال له: خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خليت بينك وبين الأمر ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني ". فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبيد الله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكر، فقال ابن عباس: ذكر لي أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم، رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب، ففظعتهما وكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان ". فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة الكذاب.» .
وقال محمد بن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب. وقال ابن هشام هو مسيلمة بن ثمامة، ويكنى أبا ثمامة.
وقال أبو القاسم السهيلي: هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة، وقيل أبا هارون. وكان قد تسمى بالرحمن، فكان يقال له: رحمن اليمامة. وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من
النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله، ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها.
قلت وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله، لعنه الله.
قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث، امرأة من الأنصار، ثم من بني النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة «أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه» قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة، أن حديثه كان على غير هذا، وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا. قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم وقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا ". أي لحفظه ضيعة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم
انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إني قد أشركت في الأمر معه. وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: " أما إنه ليس بشركم مكانا؟ " ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه. ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول ; مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان.
وذكر السهيلي وغيره أن الرجال بن عنفوة واسمه نهار بن عنفوة كان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان، فقال لهم: " «أحدكم ضرسه في النار مثل أحد» ". فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرجال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الأمر معه، وألقى إليه شيئا مما كان
يحفظه من القرآن، فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة، وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي.
قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له: حجير. وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل وأضيف إليهم سجاح، وكانت تكنى أم صادر، تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل: جنبة بن طارق. ويقال: إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا، ثم أسلم. وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، فإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر، ولكن قريشا قوم يعتدون. فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين " قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر. يعني ورود هذا الكتاب.
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه، يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول؟ " قالا: نعم. فقال: " أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ".» .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: «جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: " أتشهدان أني رسول الله؟ " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ".» قال عبد الله بن مسعود: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. قال عبد الله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه.
قال الحافظ البيهقي: أما أسامة بن أثال فإنه أسلم، وقد مضى الحديث في إسلامه، وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا جعفر بن عون أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرءون قراءة
ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. قال: فأرسل إليهم عبد الله فأتي بهم، وهم سبعون رجلا، ورأسهم عبد الله بن النواحة. قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكنا نحوزهم إلى الشام، لعل الله أن يكفيناهم.
وقال الواقدي: كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم ; الرجال ابن عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم الضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء ; مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومرة خبزا وسمنا، ومرة تمرا ينثر لهم. فلما قدموا المسجد أسلموا، وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، ولما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما
أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم، فقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا ". فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك ; لأنه عرف أن الأمر لي من بعده. وبهذه الكلمة تشبث، قبحه الله، حتى ادعى النبوة. قال الواقدي: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بإدواة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم، وينضحوا هذا الماء مكانها ويتخذوه مسجدا، ففعلوا، وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بني حنيفة، إن شاء الله تعالى.
** [وفد أهل نجران] **
قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن أبي إسحاق: عن صلة بن زفر عن حذيفة قال: «جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ". فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " قم يا أبا عبيدة بن الجراح ". فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين
هذه الأمة ".» وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه، عن جده قال يونس: وكان نصرانيا فأسلم - «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه " طس " سليمان: " باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، وأهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم، آذنتكم بحرب والسلام» .
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة - وكان من أهل همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم ولا السيد ولا
العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال له الأسقف: تنح فاجلس. فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل. وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي، فقال له مثل قول شرحبيل فقال له الأسقف: تنح فاجلس. فتنحى فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن فيض. من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت المسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا