Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 578 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها أقطع السلطان محمود الأمير إيلغازي مدينة ميافارقين فبقيت في يد أولاده إلى أن أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ثمانين.
وفيها أقطع أيضا آق سنقر البرسقي مدينة الموصل وأمره بقتال الفرنج.
وفيها حاصر بلك بن بهرام - وهو ابن أخي إيلغازي - مدينة الرها، فأسر ملكها جوسلين الفرنجي وجماعة من رءوس أصحابه وسجنهم بقلعة خرتبرت.
وفيها هبت ريح سوداء، فاستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والدواب والأنعام.
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالحجاز، فتضعضع بسببها الركن اليماني، وتهدم بعضه، وتهدم شيء من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة النبوية.
وفيها ظهر رجل علوي بمكة، كان قد اشتغل بالنظامية في الفقه وغيره، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فاتبعه ناس كثير، فنفاه صاحبها ابن أبي هاشم إلى البحرين.
وفيها احترقت دار السلطان بأصبهان، فلم يبق فيها شيء من الأثاث والفراش والجواهر والذهب والفضة سوى الياقوت الأحمر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقبل ذلك بأسبوع احترق جامع أصبهان أيضا، وكان جامعا عظيما فيه أخشاب تساوي ألف ألف دينار، وفي جملة ما احترق فيه خمسمائة مصحف ; من جملتها مصحف بخط أبي بن كعب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي شعبان منها جلس الخليفة المسترشد في دار الخلافة في أبهة الخلافة ; البردة على كتفيه والقضيب بين يديه وجاء الأخوان الملكان محمود ومسعود فوقفا بين يديه، وقبلا الأرض، فخلع على محمود سبع خلع وطوقا وسوارين وتاجا، وأجلس على كرسي، ووعظه الخليفة وتلا عليه قوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7]
[الزلزلة: 7، 8] وأمره بالإحسان إلى الرعايا، وعقد له الخليفة لواءين بيده، وقلده الملك، وخرجا من بين يديه مطاعين معظمين، والجيش بين أيديهما إلى دارهما في أبهة عظيمة جدا.
وحج بالناس نظر الخادم. ### $ وقد توفي فيها:
ابن القطاع اللغوي أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد بن زيادة الله بن محمد بن
الأغلب السعدي الصقلي ثم المصري اللغوي، مصنف كتاب " الأفعال " الذي برز فيه على ابن القوطية وله مصنفات كثيرة، وقد قدم مصر في حدود سنة خمسمائة لما أشرفت الفرنج على أخذ صقلية، فأكرمه المصريون، وبالغوا في إكرامه وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، وله شعر جيد قوي، أورد له القاضي ابن خلكان منه قطعة جيدة، وقد جاوز الثمانين.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي من الأعيان: ### $ أبو القاسم شاهنشاه، الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي، مدبر دولة الفاطميين بمصر، وإلى أبيه تنسب قيسارية أمير الجيوش، العامة تقول: مرجيوش. وأبوه باني الجامع الذي بثغر الإسكندرية بسوق العطارين، ومشهد الرأس بعسقلان أيضا، وكان أبوه نائب المستنصر على مدينة صور وقيل: على عكا، ثم استدعاه إليه في فصل الشتاء، فركب البحر، فاستنابه على ديار مصر، فسدد الأمور بعد فسادها، ومات في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقام في الوزارة بعده ولده الأفضل هذا، فكان كأبيه في الشهامة والصرامة.
ولما مات المستنصر أقام المستعلي واستمرت الأمور على يديه، وكان عادلا حسن السيرة، موصوفا بجودة السريرة، فالله أعلم.
ضربه فداوي وهو راكب فقتله في رمضان من هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة، وكانت إمارته من ذلك بعد أبيه ثمان وعشرين سنة.
وكانت داره دار الوكالة اليوم بمصر، وقد وجدت له أموال عظيمة جدا تفوق العد والإحصاء ; من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والنفائس، فانتقل ذلك كله إلى الخليفة الفاطمي، فجعل في خزانته، وذهب جامعه إلى سواء الحساب على الفتيل من ذلك والنقير والقطمير. واعتاض عنه الخليفة بأبي عبد الله البطائحي ولقب المأمون
قال القاضي ابن خلكان: ترك الأفضل من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم مائتين وخمسين إردبا، وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثين راحلة أحقاق ذهب عراقي، ودواة ذهب فيها جوهرة باثني عشر ألف دينار، ومائة مسمار ذهب ; زنة كل مسمار مائة مثقال، في عشرة مجالس ; على كل مسمار منديل مشدود بذهب، كل منديل على لون من الألوان من ملابسه، وخمسمائة صندوق كسوة للبس بدنه. قال: وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والمسك والطيب والحلي ما لا يعلم قدره إلا الله عز وجل، وخلف من البقر والجواميس والغنم ما يستحيى من ذكر عده، وبلغ ضمان ألبانها في السنة ثلاثين ألف دينار، وترك صندوقين كبيرين فيهما إبر ذهب برسم النساء.
### $ عبد الرزاق بن عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي
ابن أخي نظام الملك، تفقه بإمام الحرمين، وأفتى ودرس وناظر، ووزر للملك سنجر، وتوفي في هذه السنة. ### $$ خاتون السفرية
حظية السلطان ملكشاه وهي أم السلطانين محمد وسنجر، كانت كثيرة الصدقة والإحسان إلى الناس، لها في كل سنة سبيل يخرج مع الحجاج، وفيها دين وخير، ولم تزل تبحث حتى عرفت مكان أمها وأهلها، فبعثت الأموال الجزيلة حتى استحضرتهم، ولما قدمت عليها أمها كان لها عنها أربعون سنة لم ترها، فأحبت أن تستعلم فهمها، فجلست بين جواريها، فلما سمعت أمها كلامها عرفتها، فقامت إليها فاعتنقا وبكيا، ثم أسلمت أمها على يديها، جزاها الله خيرا وأحسن إليها.
وقد تفردت بولادة ملكين في دولة الأتراك والعجم، ولا يعرف لها نظير إلا اليسير ; من ذلك: ولادة بنت العباس ولدت لعبد الملك الوليد وسليمان وشاهفرند، ولدت للوليد يزيد وإبراهيم وليا الخلافة أيضا، والخيزران ولدت للمهدي الهادي والرشيد. ### $ الطغرائي
ناظم " لامية العجم " الحسين بن علي بن عبد الصمد
مؤيد الدين الأصبهاني العميد فخر الكتاب المنشئ الشاعر المعروف بالطغرائي، وقد ولي الوزارة بإربل مدة، أورد له القاضي ابن خلكان قصيدته اللامية التي ألفها في سنة خمس وخمسمائة في بغداد، يشرح فيها أحواله وأموره، وتعرف بلامية العجم أولها:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
وقد سردها القاضي ابن خلكان بكمالها وأورد له غير ذلك من الشعر أيضا.