Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 633 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام ; لأجل حفظه من أيدي الفرنج المخذول، ولكن قد دهمه أمر شغله عنه ; وذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يسمع بمثله ; في كثرة مراكبه وما فيه من آلات الحصار، وكثرة الرجال والمقاتلة ; من جملة ذلك مائتا شيني في كل منها مائة وخمسون مقاتلا وأربعمائة قطعة أخرى، وكان قدومهم من صقلية إلى ظاهر إسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إليهم أهلها فقاتلوهم دونها قتالا شديدا، واستمر القتال أياما، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل البلد على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات والدبابات، ففعلوا ذلك فأضعف ذلك قلوب الفرنج، ثم كبسهم المسلمون في منازلهم فقتلوا منهم جماعة وغنموا منهم ما أرادوا فانهزم الفرنج في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم وخيامهم - وبالجملة قتلوا خلقا من الرجال وغنموا شيئا كثيرا من الأموال - وركب من بقي منهم في الأسطول راجعين إلى بلادهم خائبين.
ومما عوق الملك الناصر عن الشام أيضا، أن رجلا يعرف بالكنز - سماه
بعضهم عباس بن شادي - وكان من مقدمي الديار المصرية ومن الدولة الفاطمية - وإنما هي العبيدية - كان قد انتزح إلى أسوان، وجعل يجمع عليه الناس، فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والعربان، وكان يزعم لهم أنه سيعيد الدولة الفاطمية ويدحض الأتابكة التركية فالتف عليه خلق كثير وجم غفير، ثم قصد قوص وأعمالها، وقتل طائفة من أمرائها ورجالها، فجرد إليه الملك صلاح الدين طائفة من الجيش المصري، وأمر عليهم أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر الكردي، فلما التقيا هزمه أبو بكر، وأسر أهله وقتله كما جرى لمقدم بني حنيفة، ولهذا جعل الله دولة بني أيوب عالية منيفة.
** فصل **
لما تمهدت الديار المصرية، ولم يبق بها رأس من بقية الدولة العبيدية، برز السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في الجيوش التركية قاصدا البلاد الشامية وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي وأخيف سكانها وتضعضعت أركانها، واختلف حكامها وفسد نقضها وإبرامها، وقصده رحمه الله جمع شملها والإحسان إلى أهلها وأمن سهلها وجبلها ونصرة الإسلام ودفع الطغام وإظهار القرآن وإخفاء سائر الأديان وتكسير الصلبان ورضا الرحمن وإرغام الشيطان فخرج من الديار المصرية إلى البركة في مستهل صفر، وأقام بها حتى اجتمع إليه العسكر، وقد استناب على مصر أخاه سيف الدين أبا بكر، ثم سار إلى بلبيس في الثالث عشر من ربيع
الأول، ثم ساق حتى اجتاز بمدينة بصرى فسار في خدمته صاحبها صديق بن جاولي، فدخل مدينة دمشق في يوم الاثنين سلخ ربيع الأول، ولم ينتطح فيها عنزان، ولا اختلف عليه سيفان ; وذلك أن نائبها شمس الدين بن مقدم، كان قد كتب إليه أولا فأغلظ له في الكتاب، فلما رأى أمره متوجها جعل يكاتبه ويستحثه على القدوم إلى دمشق ويعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة فسلم البلد إليه بلا مدافعة فنزل السلطان أولا في دار والده ; وهي دار العقيقي التي بنيت مدرسة للملك الظاهر، وجاء القاضي وأعيان الدماشقة للسلام على السلطان فرأوا منه غاية الإحسان، وكان في القلعة إذ ذاك الطواشي جمال الدين ريحان الخادم، فلم يزل يكاتبه ويفتل له في الذروة والغارب حتى استماله وأجزل ثوابه فسلمها إليه، ووفد عليه، ومثل بين يديه، فأكرمه واحترمه وأحسن إليه، وأظهر الملك الناصر أنه أحق الناس بتربية ولد نور الدين ; لما لنور الدين عليهم من الإحسان المتين، وذكر أنه خطب لنور الدين بالديار المصرية، وضرب باسمه السكة، ثم عامل الناس بالإحسان وأمر بإبطال ما أحدث بعد نور الدين من المكوس والضرائب وأقام الحدود وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ولله عاقبة الأمور.
** فصل **
فلما استقرت له دمشق بحذافيرها لم يلبث أن نهض إلى حلب مسرعا ; لما فيها من التخبيط والتخليط واستناب على دمشق أخاه طغتكين بن أيوب،
الملقب بسيف الإسلام، فلما اجتاز بحمص أخذ ربضها ولم يشتغل بقلعتها لعلمه بحصولها، ثم سار إلى حماة فتسلمها من صاحبها عز الدين جرديك، وسأله أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك فسار إليهم فحذرهم بأس صلاح الدين فلم يلتفتوا إليه ولم يعولوا عليه بل أمروا بسجنه واعتقاله فجمعوا بينه وببني الداية في البئر الذي هم فيه فأبطأ الجواب على صلاح الدين، فكتب إليهم كتابا بليغا يلومهم فيه على ما هم فيه من الاختلاف وعدم الائتلاف فردوا عليه أسوأ جواب، وأحد من الحراب، فأرسل إليهم يذكرهم أيامه وأيام أبيه وعمه في خدمة نور الدين في المواقف المحمودة التي يشهد لهم بها أهل الدين، ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن فخاف من سطوته كل ذي جوشن، فنودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد إليهم وتباكى لديهم وحرضهم على قتال صلاح الدين وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد واشترط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان ب: حي على خير العمل، وأن يذكر في الأسواق، وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز وأن يكبروا على الجنازة خمسا وأن تكون عقود أنكحتهم إلى
الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني فأجيبوا إلى ذلك كله فأذن في الجامع وغيره بسائر البلد ب حي على خير العمل، وعجز أهل البلد عن مقاومة الناصر، وأعملوا في مكيدته كل خاطر فأرسلوا أولا إلى سنان صاحب الحشيشية فأرسل نفرا من أصحابه إلى الناصر ; ليقتلوه فلم يظفروا منه بشيء، بل قتلوا بعض الأمراء، ثم ظهر عليهم فقتلوا عن آخرهم فلله الحمد والمنة، فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس الفرنجي، ووعدوه بأموال جزيلة إن هو رحل عنهم السلطان الملك الناصر، وكان هذا القومص قد أسره نور الدين وهو معتقل عنده مدة عشر سنين، ثم افتدى نفسه بمائة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، فكان لا ينساها لنور الدين رحمه الله، فركب القومص - لعنه الله - من بلده طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقاتلة السلطان، بل قصد حمص ليأخذها بغتة، فركب إليه السلطان الناصر، وقد أرسل سرية إلى بلده فقتلوا منها وأسروا وغنموا، فلما اقترب السلطان منه نكص على عقبيه وكر راجعا إلى بلده، ورأى أنه قد أجابهم إلى ما أرادوا منه، فلما رجع صلاح الدين إلى حمص لم يكن قد أخذ قلعتها في ذهابه فتصدى لأخذها فنصب عليها المنجنيقات التي ملكته إياها قسرا، وقهرت ساكنيها قهرا، ثم كر راجعا إلى حلب فأناله الله في هذه الكرة ما طلب.
وكتب إليهم القاضي الفاضل على لسان السلطان كتابا بليغا فصيحا رائقا فائقا على يدي الخطيب شمس الدين يقول فيه: فإذا قضى التسليم حق اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفترى وجواري أمور إن قال فيها كثيرا، فأكثر منه ما قد جرى، وليشرح صدرا منها لعله يشرح منا صدرا، وليوضح الأحوال المستسرة فإن الله لا يعبد سرا:
ومن الغرائب أن تسير غرائب ... في الأرض لم يعلم بها المأمول
كالعيس أقتل ما يكون لها الصدى ... والماء فوق ظهورها محمول
فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونلقى السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصفاح بصدورنا وغيرنا يدعي التصدير، ولابد أن نسترد بضاعتنا بموقف العدل الذي ترد به الغصوب، وتظهر طاعتنا فنأخذ بحظ الألسن كما أخذنا بحظ القلوب، وكان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتح الفتوح مباشرين بأنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين بعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا، فأي مدينة فتحت أو معقل ملك أو عسكر للعدو كسر أو مصاف للإسلام معه ضرب ولم نكن فيه؟ فما يجهل أحد صنعنا، ولا يجحد عدونا أنا نصطلي الجمرة ونملك الكرة، ونتقدم الجماعة
ونرتب المقاتلة، وندبر التعبئة، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها. ثم ذكر ما صنعوا بمصر من كسر الكفر وإزالة المنكر وقمع الفرنج وهدم البدع التي كانت هنالك، وما بسط من العدل ومد من الفضل، وما أقامه من الخطب العباسية ببلاد مصر واليمن والنوبة وإفريقية، وغير ذلك بكلام بسيط حسن.
فلما وصلهم الكتاب أساءوا الجواب، وقد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود أخي نور الدين محمود بن زنكي فبعث إليهم أخاه عز الدين في عساكره، وأقبل عليهم في دساكره، فانضاف إليهم الحلبيون وقصدوا حماة في غيبة الناصر واشتغاله بقلعة حمص وعمارتها، فلما بلغه خبرهم سار إليهم في قل من الجيش فانتهى إليهم وهم في جحافل كثيرة، فواقفوه وطمعوا فيه لقلة من معه، وهموا بمناجزته فجعل يداريهم ويدعوهم إلى المصالحة لعل الجيش يلحقونه حتى قال لهم في جملة ما قال: أنا أقنع بدمشق وحدها، وأقيم بها الخطبة للملك الصالح إسماعيل، وأترك ما عداها من أرض الشام. فامتنع من المصالحة الخادم سعد الدين كمشتكين إلا أن يجعل لهم الرحبة التي هي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين، فقال: ليس لي ذلك، ولا أقدر عليه. فأبوا الصلح وأقدموا على القتال فجعل جيشه كردوسا واحدا، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من رمضان عند قرون حماة وصبر صبرا عظيما، وجاءه في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه ومعه أخوه فروخشاه في طائفة من الجيش، وقد ترجح دسته عليهم، وخلص رعبه
إليهم فولوا هنالك هاربين، وتولوا منهزمين فأسر من أسر من رءوسهم ونادى أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح، ثم أطلق من وقع في أسره وسار على الفور إلى حلب وقد انعكس عليهم الحال، وآلوا إلى شر مآل ; فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة والمسالمة، وهم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم ويرجع، على أن المعرة وكفرطاب وبارين له زيادة على ما بيده من أراضي حماة وحمص وبعلبك مع دمشق فقبل ذلك، وكف عنهم، وحلف على أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على سائر منابر بلاده، وشفع في بني الداية أخوه مجد الدين أن يخرجوا من السجن، ففعل ذلك ثم رجع مؤيدا منصورا مسلما محبورا.
فلما كان بحماة وصلت إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله ومعهم الخلع السنية والتشريفات العباسية والأعلام السود وتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأصهاره وأعوانه وأنصاره، وكان يوما مشهودا واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمودا، ثم سار إلى حمص فأطلقها إلى ابن عمه ناصر الدين، كما كانت من قبله لأبيه شيركوه أسد الدين، ثم إلى بعلبك ثم إلى البقاع ورجع إلى دمشق في ذي القعدة.
وفي هذه السنة ظهر رجل من قرية مشغرا من معاملة دمشق وكان مغربيا فادعى النبوة، وأظهر شيئا من المخاريق والمخاييل والشعبذة والأبواب النيرنجية،
فافتتن به طوائف من أهل تلك الناحية من الطغام والهمج والعوام فتطلبه السلطان فهرب في الليل من مشغرا إلى معاملة حلب فالتف عليه كل مقطوع الذنب وأضل خلقا من الفلاحين لا المفلحين، وتزوج امرأة أحبها، وكانت من أهل تلك البطاح فعلمها أن ادعت النبوة فأشبها قصة مسيلمة وسجاح، فلعنهما الله كلما غب الحمام وهدر، وكلما ضب الغمام وقطر.
وفيها هرب وزير الخليفة ونهبت داره.
وفيها درس أبو الفرج بن الجوزي بمدرسة أنشئت للحنابلة فحضر عنده قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني والفقهاء والكبراء وكان يوما مشهودا وخلعت عليه خلعة سنية.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وفيها توفي من الأعيان: ### $ روح بن أحمد أبو طالب الحديثي
قاضي القضاة ببغداد في بعض الأحيان وكان ابنه بأرض الحجاز، فلما بلغه موت أبيه مرض بعده فمات بعد أيام وكان ينبذ بالرفض. ### $ شملة التركماني
كان قد تغلب على بلاد فارس واستحدث قلاعا وتغلب على السلجوقية وانتظم له الدست نحوا من عشرين سنة ثم إنه حاربه بعض التركمان فقتلوه.
### $ قايماز بن عبد الله
قطب الدين المستنجدي وزر للخليفة المستضيء، وكان مقدما على العساكر كلهم ثم إنه خرج على الخليفة وقصد أن ينهب دار الخلافة فصعد الخليفة فوق سطح في داره وأمر العامة بنهب دار قايماز فنهبت وكان ذلك بإفتاء الفقهاء فهرب فهلك وهلك من كان معه في المهامه والقفار.