John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 641 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

في خامس المحرم كان بروز السلطان من الديار المصرية قاصدا بلاد الشام ; لمناجزة الأعداء والإحسان إلى الأولياء، وكان ذلك آخر عهده بمصر لم يعد إليها بعد ذلك، وقد أغار في طريقه على أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك وجعل أخاه تاج الملوك بوري بن أيوب على الميمنة يسير ناحية عنه ; ليتمكنوا من بلاد العدو فالتقوا على الأزرق بعد سبعة أيام، وقد أغار نائب دمشق عز الدين فروخشاه على بلاد طبرية وما حولها، وافتتح حصونا جيدة، وأسر منهم ألفا، وغنم عشرين ألف رأس من الأنعام، بيض الله وجهه. وكان دخول السلطان إلى دمشق سابع عشر من صفر ثم خرج في العشر الأول من ربيع الأول، فاقتتل مع الفرنج في نواحي طبرية وبيسان تحت حصن كوكب، فقتل خلق من الفريقين، ولكن كانت الدائرة للمسلمين، ورجع مؤيدا منصورا.

ثم ركب السلطان في جحافله وعساكره قاصدا حلب وبلاد الشرق ليأخذها ; وذلك أن المواصلة والحلبيين قد كاتبوا الفرنج حتى يغزوا على أطراف البلاد ; ليشغلوا الناصر بنفسه عنهم، فكان مسيره على بلاد البقاع ثم إلى حماة ثم إلى حلب فحاصرها ثلاثا، ورأى العدول عنها إلى غيرها أولى به،

فسار حتى قطع الفرات، واستحوذ على بلاد الجزيرة والخابور وحران والرها والرقة ونصيبين، وغير ذلك، وخضعت له الملوك هنالك، ثم عاد إلى حلب فتسلمها من صاحبها عماد الدين زنكي وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعودا بها إلى سنجار، كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية، فاستوسقت له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وتمكن حينئذ من قتال أعدائه من الفرنج - لعنهم الله - وأمكنه الله من نواصيهم، فله الحمد على ما أولاه.

** فصل **

ولما عجز إبرنس الكرك - لعنه الله - عن إيصال الأذى للمسلمين في البر، عمل مراكب في بحر القلزم ; ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، وخاف أهل المدينة النبوية من شرهم، فأمر العادل أبو بكر - نائب مصر الأمير حسام الدين - لؤلؤا صاحب الأسطول أن يعمل مراكبه في بحر القلزم لمحاربة أصحاب إبرنس، ففعل ذلك فظفروا بهم في كل موطن، فقتلوا منهم وحرقوا وغرقوا وسبوا وقهروا وأسروا في مواطن كثيرة، ومواقف هائلة كبيرة، وأمن البر والبحر بإذن الله الذي بيده النفع والضر، وأرسل السلطان إلى أخيه يشكر من مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخلافة يعرفهم بما أنعم الله عليه من الفتوحات برا وبحرا، وبما هو متقلب فيه من أنعم الله وإحسانه سرا وجهرا، والحمد لله رب العالمين.

** فصل في وفاة الملك المنصور عز الدين **

فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك ونائب دمشق لعمه الملك صلاح الدين، وهو والد الملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك أيضا بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفروخشاهية بالشرق الشمالي، وإلى جانبها التربة الأمجدية لولده، وهما وقف على الحنفية والشافعية، وقد كان فروخشاه شهما شجاعا بطلا عاقلا ذكيا فاضلا كريما ممدحا، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبي اليمن الكندي، عرفه من مجلس القاضي الفاضل له، وللعماد الكاتب فيه مدائح بدائع، وله هو، رحمه الله، شعر رائق لطيف، من ذلك قوله:

أنا في أسر السقام ... من هوى هذا الغلام

رشأ ترشق عينا ... ه فؤادي بسهام

كلما أرشفني فا ... ه على حر الأوام

ذقت منه الشهد في الثل ... ج المصفى في المدام

وكان ابنه الملك الأمجد شاعرا جيدا أيضا، وقد ولاه عم أبيه صلاح الدين بعلبك بعد أبيه، واستمر فيها مدة طويلة، ومن محاسن المنصور عز الدين فروخشاه صحبته لتاج الدين الكندي، وله في الكندي مدائح، وقد أورد الشيخ شهاب الدين ذلك كله مستقصى في " الروضتين " ; ومن ذلك أنه دخل يوما

إلى الحمام فرأى رجلا كان يعرفه من أصحاب الأموال، وقد نزل به الحال حتى إنه تستر ببعض يديه حتى لا يبدو جسمه، فرق له وأمر غلامه أن ينقل بقجة وبساطا إلى موضع الرجل، وأحضر به بغلة وألف دينار وتوقيعا له في كل شهر بعشرين دينارا، فدخل الرجل من أفقر الناس، وخرج وهو من أغنى الناس، فرحمة الله على الأجواد الأكياس.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الشيخ أبو العباس الرفاعي

أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد، المعروف بابن الرفاعي، شيخ الطائفة الأحمدية والرفاعية البطائحية لسكناه أم عبيدة من قرى البطائح وهي بين البصرة وواسط، كان أصله من العرب فسكن هذه البلاد، والتف عليه خلق كثير، ويقال: إنه حفظ " التنبيه " في الفقه. وقد ذكرته في طبقات الشافعية.

قال ابن خلكان: ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تضطرم، فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود. قال: وليس للشيخ أحمد عقب، وإنما النسل لأخيه، وذريته يتوارثون المشيخة بتلك البلاد. وقال: ومن شعر الشيخ أحمد، على ما قيل:

إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق

وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار بالأسى تتدفق

سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق

فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق

ومن شعره قوله:

أغار عليها من أبيها وأمها ... ومن كل من يدنو إليها وينظر

وأحذر للمرآة أيضا بكفها ... إذا نظرت منك الذي أنا أنظر

قال: ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، رحمه الله. ### $ خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال

أبو القاسم القرطبي الحافظ المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف، له كتاب " الصلة " جعله ذيلا على تاريخ أبي الوليد بن الفرضي، وله كتاب " المستغيثين بالله "، وله مجلد في تعيين الأسماء المبهمة في الروايات على طريقة الخطيب، وأسماء من روى " الموطأ "، على حروف المعجم، بلغوا ثلاثة وسبعين رجلا، وكانت وفاته في رمضان عن أربع وثمانين سنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

### $ العلامة قطب الدين أبو المعالي

مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، تفقه على محمد بن يحيى صاحب الغزالي، قدم دمشق ودرس بالغزالية والمجاهدية، وبحلب بمدرسة نور الدين وأسد الدين، ثم بهمذان، ثم رجع إلى دمشق ودرس بالغزالية، وانتهت إليه رياسة المذهب، ومات بها في سلخ رمضان يوم العيد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، عن ثلاث وتسعين سنة، وعنه أخذ الفخر بن عساكر وغيره، وهو الذي صلى على الحافظ ابن عساكر. والله سبحانه أعلم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com