Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 648 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها قدم من جهة الخليفة رسل إلى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبي نصر محمد الملقب بالظاهر بن الخليفة الناصر، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدولعي بالدعاء له، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا عظيمة، وهدايا سنية، وأرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوى، من دار الخلافة، فكان بالأقدام يداس، بعدما كان يعظم ويباس، وصار يبصق عليه بعدما كان يسجد إليه، والصحيح أن هذا الصليب إنما هو الذي كان منصوبا على قبة الصخرة، وكان من نحاس مطليا بالذهب، وقد انحط إلى أسفل الرتب.
** [قصة عكا وما كان من أمرها] **
لما كان شهر رجب اجتمع من كان بصور من الفرنج وساروا إلى مدينة عكا فأحاطوا بها يحاصرونها، فتحصن من فيها من المسلمين، وأعدوا للحصار ما يحتاجون إليه، وبلغ السلطان خبرهم فسار إليهم من دمشق مسرعا، فوجدهم
قد أحاطوا بها، كإحاطة الخاتم بالخنصر، فلم يزل يدافعهم عنها ويمانعهم منها، حتى جعل طريقا إلى باب القلعة يصل إليه كل من أراده، من جندي وسوقي، وامرأة وصبي، ثم أولج فيها ما أراد من آلات وأمتعة، ومقاتلة، ودخل بنفسه الكريمة، فعلا سورها ونظر إلى الفرنج وجيشهم وكثرة عددهم وعددهم، والميرة تفد إليهم من البحر في كل وقت، وكل ما لهم في ازدياد، وفي كل حين تصل إليهم الأمداد، وعاد السلطان إلى مخيمه والجنود تصل إليه، وتقدم عليه من كل جهة ومكان، منهم رجالة وفرسان.
** [وقعة مرج عكا] **
ثم برزت الفرنج في نحو من ألفي فارس وثلاثين ألف راجل في العشر الأخر من شعبان، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من السادة الشجعان، فاقتتلوا بمرج عكا قتالا عظيما، وهزم جماعة من المسلمين في أول النهار، ثم كانت الكرة على الفرنج في آخره {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] فقتل من المسلمين قريب المائتين، وأما الفرنج فكانت القتلى منهم أزيد من سبعة آلاف قتيل، ولما تمت هذه الوقعة تحول السلطان من مكانه الأول إلى موضع بعيد من رائحة القتلى، خوفا من الوخم والأذى ; ليستريح الخيالة والخيل، ولم يعلم أن ذلك كان من أكبر المصالح للعدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفترة، فحفروا حول مخيمهم خندقا لجميع جيشهم من البحر إلى البحر محدقا، واتخذوا من ترابه سورا شاهقا، وجعلوا له أبوابا يخرجون منها إذا أرادوا، وتمكنوا في منزلهم ذلك الذي له اختاروا وارتادوا، وتفارط الأمر، وقوي الخطب، وصار الداء عضالا، وازداد الحال وبالا، وكان رأي السلطان أن يناجزوا بعد الكرة سريعا،
ولا يتركوا حتى يطيب ريح البحر فتأتيهم الأمداد من كل صوب هريعا، فاعتذر الأمراء بالملال والضجر، وكل لأمر الفرنج قد احتقر، ولم يدر ما قد حتم في القدر، فأرسل السلطان إلى جميع الملوك يستنفر ويستنصر، وكتب إلى الخليفة بالبث، وبث الكتب بالتحضيض والحث، فجاءته الأمداد جماعات وآحادا، وأرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل، فقدم عليه، ويستعجل الأسطول، فوصل إليه في خمسين قطعة في البحر مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، فحين وصل الأسطول حادت مراكب الفرنج يمنة ويسرة، وخافت كلها منه، واتصلت بالبلد الميرة والعدد والعدد وانشرحت الصدور بعد الضيق والكمد، وانسلخت هذه السنة والحال على ما هو عليه، ولا ملجأ من الله إلا إليه. والله أعلم بالصواب.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ القاضي شرف الدين أبو سعد
عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون، أحد أئمة الشافعية، له كتاب " الانتصار "، وقد ولي قضاء القضاة بدمشق، ثم أضر قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده محيي الدين مكانه تطييبا لقلبه، وبلغ القاضي شرف الدين ثلاثا وتسعين سنة ونصفا، ودفن بالمدرسة العصرونية، التي أنشأها غربي سويقة باب البريد، قبالة داره، بينهما عرض الطريق، وكان من الصالحين والعلماء العاملين، رحمه الله. وقد ذكره القاضي
ابن خلكان فقال: أصله من حديثة الموصل ورحل في طلب العلم إلى بلدان شتى، وأخذ عن أسعد الميهني وأبي علي الفارقي وجماعة، وولي قضاء سنجار وحران، وباشر في أيام نور الدين تدريس الغزالية، ثم انتقل إلى حلب فبنى له نور الدين مدرسة بحلب وبحمص أيضا، ثم قدم دمشق في أيام صلاح الدين، فولي قضاءها في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة إلى أن توفي في هذه السنة، وقد جمع جزءا في قضاء الأعمى، وأنه جائز ; وهو خلاف المذهب، لكن حكاه صاحب " البيان " وجها لبعض الأصحاب. قال: ولم أره في غيره. وقد صنف كتبا كثيرة، منها: " صفوة المذهب في نهاية المطلب " في سبع مجلدات، و " الانتصار " في أربع، و " الخلاف " في أربع، و " الذريعة في معرفة الشريعة "، و " المرشد " وغير ذلك، وكتابا سماه " مآخذ النظر "، ومختصرا في الفرائض وغيرها، وقد ذكره ابن عساكر في " تاريخه "، والعماد فأثنى عليه، وكذلك القاضي الفاضل
وأورد له العماد أشعارا كثيرة، ومما أورده ابن خلكان عنه قوله:
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ... تمر بي الموتى تهز نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي ... بقايا ليال في الزمان أعيشها
### $ أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان
أبو العباس، المعروف بابن أفضل الزمان، قال ابن الأثير: كان عالما متبحرا في علوم كثيرة من الفقه، والأصول والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغير ذلك، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات بها، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا. ### $ الفقيه الأمير ضياء الدين عيسى الهكاري
كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر، وحظي عنده، ثم كان ملازما للسلطان صلاح الدين حتى توفي في ركابه بمنزلة الخروبة قريبا من عكا فنقل إلى القدس الشريف فدفن به، وكان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم بن البزري الجزري. وكان الفقيه عيسى من الفضلاء والنبلاء والأمراء الكبار، رحمه الله تعالى. ### $ المبارك بن المبارك الكرخي
مدرس النظامية، تفقه بابن الخل، وكانت له مكانة عند الخليفة والعامة، وكان يضرب بحسن خطه المثل. وقد ذكرته في " الطبقات "، رحمه الله تعالى.