Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 656 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوي لهوبها، واشتد هبوبها، فتدافعت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صعقات، فرجفت لها الجدران، واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج، فقيل: لعل هذه على هذه قد انطبقت. ولا تحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سرج النجوم ; ومزقت أديم السماء، ومحت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال الله تعالى {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} [البقرة: 19] وكما قلنا: يردون أيديهم على أعينهم من البوارق. لا عاصم من الخطف للأبصار، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار، وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافا وثقالا ; {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} [النساء: 98] ، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، بوجوه عانية، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف
خفي، ويتوقعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، وقاموا إلى صلاتهم، وودوا لو كانوا من الذين هم عليها دائمون إلى أن أذن الله في الركود، وأسعف الهاجدين بالهجود، وأصبح كل يسلم على رفيقه، ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة، والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غرة، ووردت الأخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار، والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار. . . إلى أن قال: ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفا، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما وعظنا، ونبهنا بما ولهنا، فما من عباده من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا إلا أهل بلدنا ; فما قص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، ولا تخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور إذا عنا
وفيها كتب القاضي الفاضل من الديار المصرية إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الإسلام فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب: هذه الأوقات التي أنتم فيها
عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بياض ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقعات، وما أعود بالطمأنينة تلك الرجفات، وكتب إليه أيضا: أدام الله ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر والطروس، وحياة للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس، وعرف المملوك ما عرفه من الأمر الذي اقتضته المشاهدة، وجرت به العاقبة في سرور، ولا مزيد على تشبيه الحال بقوله:
ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره
ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، ومن قلم من الأصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا، ودفع عنه ضررا.
وتجشم المكروه ليس بضائر ... ما خلته سببا إلى المحمود
وآخر كل شقوة أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها، وتجشم الكلف وحملها، فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد، وهو وجه الله، صرف الله إليه الوجوه كلها {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69]
وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين
للفرنج فأقبلوا بقضهم، وقضيضهم فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم وغنمهم وفتح يافا عنوة؛ ولله الحمد والمنة.
وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكه سريعا، وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة من غير قتال ولا نزال، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة:
سلم الحصن ما عليك ملامه ... ما يلام الذي يروم السلامه
فعطاء الحصون من غير حرب ... سنة سنها ببيروت شامه
** [من توفي فيها من الأعيان] **
### $ ومات في هذه السنة ملك الفرنج كندهري ; سقط من شاهق فمات، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راع، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوجوه بالملكة امرأة كندهري، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل أبي بكر بن أيوب، ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم، ويقتل خلقا من المقاتلة؛ ولله الحمد. ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية. ### $ وفي هذه السنة توفي ملك اليمن سيف الإسلام طغتكين
أخو السلطان صلاح الدين، وكان قد جمع أموالا جزيلة جدا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدخره كذلك، وقام في الملك بعده ولده إسماعيل، وكان أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أن ادعى أنه قرشي أموي، وتلقب بالهادي،
فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ويتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه ولا التفت إليه، بل تمادى وأساء التدبير إلى الأمراء والرعية، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك أبيه. ### $ وفيها توفي: الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي، كان من أكابر أمراء الملك الناصر صلاح الدين، وهو الذي كان نائبا على عكا وخرج منها قبل أخذ الفرنج، ثم دخلها بعد المشطوب فأخذت منه، واستنابه صلاح الدين على القدس ثم لما أخذها العزيز عزل عنها، فطلب إلى بغداد فأكرم إكراما زائدا، وأرسله الخليفة مقدما على العساكر إلى همذان فمات هناك. ### $ وفيها توفي: قاضي قضاة بغداد أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن البخاري
سمع الحديث على أبي الوقت وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن فضلان، وتولى نيابة الحكم ببغداد، ثم اشتغل بالمنصب، وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء، ثم أعيد ومات وهو حاكم، نسأل الله العافية، وكان فاضلا بارعا من بيت فقه وعدالة، وله شعر:
تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده ### $ وفيها توفي: السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد
أبو محمد الحسن بن
علي بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي الحسيني، المعروف بابن الأقساسي، الكوفي مولدا ومنشأ، كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرياسة والمروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر فولاه النقابة كان شيخا مهيبا، جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها:
اصبر على كيد الزما ... ن فما يدوم على طريقه
سبق القضاء فكن به ... راض ولا تطلب حقيقه
كم قد تغلب مرة ... وأراك من سعة وضيقه
ما زال في أولاده ... يجري على هذي الطريقه ### $$ وفيها توفيت الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب ودفنت بمدرستها داخل باب النصر. ### $$ والست خاتون والدة الملك العادل، ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه