Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة إحدى عشرة من الهجرة] — تتمة ٧
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 67 of 840
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، «أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن به لمما، وأنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا. قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له، فثع ثعة، فخرج منه مثل الجرو الأسود يسعى.» تفرد به أحمد. وفرقد السبخي رجل صالح ولكنه سيء الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغير واحد، واحتمل حديثه، ولما رواه ها هنا شاهد مما قدمناه. والله أعلم. وقد تكون هذه القصة هي ما سبق إيرادها، ويحتمل أن تكون أخرى غيرها. والله أعلم.
حديث آخر في ذلك:
قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا
مسلم بن إبراهيم، ثنا صدقة، يعني ابن موسى، ثنا فرقد وهو السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فجاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله، إن هذا الخبيث قد غلبني. فقال لها: " إن تصبري على ما أنت عليه تجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب ". قالت: والذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله. قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردني. فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتعلق بها وتقول له: اخسأ. فيذهب عنها.» قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقة ليس به بأس، وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه
طريق أخرى عن ابن عباس:
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن عمران أبي بكر، ثنا عطاء بن أبي رباح قال: «قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه السوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع وأتكشف فادع الله لي. قال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك ". قالت: لا، بل أصبر، فادع الله أن لا أتكشف. أو: لا ينكشف عني قال: فدعا لها» وهكذا رواه البخاري عن مسدد، عن يحيى، وهو ابن سعيد القطان، وأخرجه مسلم عن القواريري، عن يحيى القطان وبشر بن المفضل، كلاهما عن عمران بن مسلم أبي بكر
القصير البصري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، فذكر مثله.
ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريح قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك، امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة. وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في " الغابة " أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد قديما، وأنها عمرت حتى أدركها عطاء بن أبي رباح. فالله أعلم.
حديث آخر:
قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب القنوي، ثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: «جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ابعثني إلى أحب قومك إليك - أو أحب أصحابك إليك. شك قرة - فقال: " اذهبي إلى الأنصار ". فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، قد أتت الحمى علينا، فادع الله لنا بالشفاء. فدعا لهم، فكشفت عنهم. قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي فإني لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت لهم، فقال: " أيهما أحب إليك; أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين وتجب لك
الجنة؟ " فقالت: لا والله يا رسول الله، بل أصبر - ثلاثا - ولا أجعل والله لجنته خطرا» محمد بن يونس الكديمي ضعيف.
وقد قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا هشام بن لاحق سنة خمس وثمانين ومائة، ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: «استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " من أنت؟ " قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، وأمص الدم. قال: " اذهبي إلى أهل قباء ". فأتتهم، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى، فقال لهم: " ما شئتم; إن شئتم دعوت الله فكشفها عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم ". قالوا: بل ندعها يا رسول الله» وهذا الحديث ليس في " مسند الإمام أحمد " ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه، عليه السلام لأهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة، فاستجاب الله له ذلك، فإن المدينة كانت من أوبأ أرض الله، فصححها الله ببركة حلوله بها، ودعائه لأهلها، صلوات الله وسلامه عليه.
حديث آخر في ذلك:
قال الإمام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني، سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني. فقال:
" إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك ". قال: لا، بل ادع الله لي. قال فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه في. قال: فكان يقول هذا مرارا. ثم قال بعد: أحسب أن فيها: أن تشفعني فيه. قال: ففعل الرجل فبرأ» وقد رواه أحمد أيضا، عن عثمان بن عمر، عن شعبة به. وقال: اللهم شفعه في. ولم يقل الأخرى، وكأنها غلط من الراوي. والله أعلم.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان، وابن ماجه عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمر. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي. ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف، فذكر الحديث. وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر، عن حبان، عن حماد بن سلمة به. ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن
عمه عثمان بن حنيف به. وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبي جعفر الخطمي من الوجهين. والله أعلم.
وقد روى البيهقي والحاكم من حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب عن سعيد الحبطي، عن أبيه، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد، وقد شق علي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فتجلي بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي» قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط. قال البيهقي: ورواه أيضا هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف
حديث آخر:
قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بني سلامان بن سعد، عن أمه
«أن خالها حبيب بن فويك حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله " ما أصابك؟ " فقال: كنت أمري جملا لي، فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصري. قال: فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان.» قال البيهقي: كذا في كتابه، وغيره يقول: حبيب بن مدرك. قال وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه، فسالت حدقته على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعها، فكان لا يدري أيهما أصيبت. قلت: وقد تقدم ذلك في غزوة أحد، وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحه بيده الكريمة على رجل عبد الله بن عتيك وقد انكسر ساقه، فبرأ من ساعته. وذكر البيهقي بإسناده أنه صلى الله عليه وسلم مسح يد محمد بن حاطب وقد احترقت يده بالنار، فبرأ من ساعته، وأنه، عليه
الصلاة والسلام، نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به.
قلت: وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني علي وهو أرمد فبرأ
وروى الترمذي عن علي حديثه في تعليمه، عليه الصلاة السلام، ذلك الدعاء لحفظ القرآن، فحفظه.
وفي " الصحيح " أنه قال لأبي هريرة وجماعة: «من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي ". قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك. فقيل: كان ذلك حفظا من أبي هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم. قيل: وفي غيره.» فالله أعلم. ودعا لسعد بن أبي وقاص فبرأ
وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضة مرضها، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ربه، فبرأ من ساعته. والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها. وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه، وتركنا أحاديث ضعيفة الإسناد، واكتفينا بما أوردنا عما تركنا، وبالله المستعان
حديث آخر:
ثبت في " الصحيحين " من حديث زكريا بن أبي زائدة،
زاد مسلم: والمغيرة. كلاهما عن عامر بن شراحيل الشعبي «عن جابر بن عبد الله، أنه كان يسير على جمل قد أعيا، فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه ودعا لي، فسار سيرا لم يسر مثله - وفي رواية: فما زال بين يدي الإبل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه - فقال: " كيف ترى جملك؟ " فقلت: قد أصابته بركتك يا رسول الله. ثم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه منه، واختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة، وأنه استثنى حملانه إلى المدينة، ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل، فنقده ثمنه وزاده، ثم أطلق له الجمل» أيضا الحديث بطوله.
حديث آخر:
روى البيهقي واللفظ له، وهو في " صحيح البخاري " من حديث حسين بن محمد المروزي، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: «فزع الناس، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة بطيئا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لن تراعوا، إنه لبحر ". قال: فوالله ما سبق بعد ذلك اليوم»
حديث آخر:
قال البيهقي: أنا أبو بكر القاضي، أنا حامد بن محمد الهروي، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا رافع بن
سلمة بن زياد، حدثني عبد الله بن أبي الجعد، عن جعيل الأشجعي قال: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة. قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " سر يا صاحب الفرس ". فقلت: يا رسول الله، عجفاء ضعيفة. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مخفقة معه فضربها بها، وقال: " اللهم بارك له فيها ". قال: فلقد رأيتني وأنا أمسك برأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا» ورواه النسائي، عن محمد بن رافع، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، فذكره. وهكذا رواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الحباب، عن رافع بن سلمة الأشجعي فذكره. وقال البخاري في " التاريخ ": وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد: حدثني أبي عن عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم، عن جعيل، فذكره.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي، ثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة
قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة. فقال: " هلا نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شيئا ". قال: قد نظرت إليها. قال: " على كم تزوجتها؟ " فذكر شيئا. قال: " كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال! ما عندنا اليوم شيء نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه ". فبعث بعثا إلى بني عبس، وبعث الرجل فيهم، فأتاه فقال: يا رسول الله، أعيتني ناقتي أن تنبعث. قال: فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها فضربها برجله. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد» رواه مسلم في " الصحيح " عن يحيى بن معين، عن مروان.
حديث آخر:
قال البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا جعفر بن عون، أنا الأعمش، عن مجاهد، «أن رجلا اشترى بعيرا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني اشتريت بعيرا، فادع الله أن يبارك لي فيه. فقال: " اللهم بارك له فيه ". فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني اشتريت بعيرا، فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: " اللهم بارك له فيه ". فلم يلبث حتى نفق، ثم اشترى بعيرا
آخر، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد اشتريت بعيرين، فدعوت الله أن يبارك لي فيهما، فادع الله أن يحملني عليه. فقال: " اللهم احمله عليه ". فمكث عنده عشرين سنة» قال البيهقي: وهذا مرسل، ودعاؤه، عليه الصلاة والسلام، صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين.
حديث آخر:
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، ثنا علي بن سعيد العسكري، ثنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، أنا المستلم بن سعيد، ثنا حبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن إساف، عن أبيه، عن جده خبيب بن إساف قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا. قال: " أسلمتم؟ " قلنا: لا. قال: " فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين ". قال: فأسلمنا، وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني، فتعلقت يدي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل فيها وألزقها، فالتأمت وبرأت، وقتلت الذي ضربني، ثم تزوجت ابنة الذي قتلته وضربني، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح. فأقول: لا عدمت رجلا أعجل أباك إلى النار» وقد روى الإمام
أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون بإسناده، مثله، ولم يذكر فتفل فيها فبرأت.
حديث آخر:
ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن ورقاء بن عمر اليشكري، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء، فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال: " من وضع هذا؟ " قالوا: ابن عباس. قال: " اللهم فقهه في الدين» .
وروى البيهقي عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، «عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي - أو قال: منكبي - شك سعيد - ثم قال: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» وقد استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه، ويقتدى بسناه في علوم الشريعة، ولا سيما في علوم التأويل، وهو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، وما كان عقله من كلام ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة، ففسر لهم سورة " البقرة "، أو قال: سورة ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا. رضي الله عنه وأرضاه
حديث آخر:
ثبت في " الصحيح " أنه، عليه الصلاة والسلام، دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، فكان كذلك، حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك» وقد روينا في " الصحيح " أنه ولد له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها. وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أطل عمره ".» فعمر مائة.
وقد «دعا صلى الله عليه وسلم لأم سليم ولأبي طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن» . ثبت ذلك في " الصحيح ".
وثبت في " صحيح مسلم " من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير العنبري، «عن أبي هريرة، أنه سأل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأمه فيهديها الله، فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب، فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فجعل أبو هريرة يبكي من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين. فدعا لهما فحصل ذلك. قال أبو هريرة: فليس مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا.» وقد صدق أبو هريرة في ذلك، رضي الله عنه وأرضاه، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام الجمع، حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، وهذا من التقييض القدري والتقدير المعنوي.
وثبت في " الصحيح " أنه عليه السلام، «دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريض فعوفي. ودعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللهم أجب دعوته، وسدد رميته» فكان كذلك، فنعم أمير السرايا والجيوش كان، وقد دعا على أبي سعدة أسامة بن قتادة - حين شهد فيه بالزور - بطول العمر
وكثرة الفقر والتعرض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
وثبت في " صحيح البخاري " وغيره أنه صلى الله عليه وسلم «دعا للسائب بن يزيد، ومسح بيده على رأسه، فطال عمره، حتى بلغ أربعا وتسعين سنة وهو تام القامة معتدل، ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتع بحواسه وقواه.»
وقال أحمد: ثنا حرمي بن عمارة، ثنا عزرة بن ثابت، ثنا علباء بن أحمر، حدثني أبو زيد الأنصاري قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادن مني ". فمسح بيده على رأسي، ثم قال: " اللهم جمله وأدم جماله ". قال: فبلغ بضعا ومائة - يعني سنة - وما في لحيته بياض إلا نبذ يسيرة، ولقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات» . قال البيهقي: إسناد صحيح موصول. ولقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة، وأسند روايات كثيرة في هذا المعنى، تشفي القلوب وتحصل المطلوب.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر، وقال يحيى بن معين وابن عبد الأعلى: ثنا معتمر، هو ابن سليمان قال: سمعت أبي يحدث، عن أبي العلاء قال: «كنت عند قتادة بن ملحان في مرضه الذي مات فيه. قال: فمر رجل في مؤخر الدار. قال: فرأيته في وجه قتادة. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مسح وجهه. قال: وكنت قل ما رأيته إلا ورأيت كأن على وجهه الدهان.»
وثبت في " الصحيحين " أنه، عليه الصلاة والسلام، «دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الردع من الزعفران لأجل العرس، فاستجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ففتح له في المتجر والمغانم حتى حصل له مال جزيل، بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الأربع عن ربع الثمن، على ثمانين ألفا.»
وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقدة أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبي الجعد البارقي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا، ليشتري له به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له
بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه. وفي رواية: فقال له: " بارك الله لك في صفقة يمينك ".»
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب، «عن أبي عقيل، أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام، فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان: أشركنا في بيعك; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا لك بالبركة. فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل.»
وقال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا ابن عدي، ثنا علي بن محمد بن سليمان الحلبي، ثنا محمد بن يزيد المستملي، ثنا شبابة بن عبد الله، ثنا أيوب بن سيار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، «عن بلال قال: أذنت في غداة باردة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير في المسجد أحدا، فقال: " أين الناس يا بلال؟ " فقلت: منعهم البرد. فقال: " اللهم أذهب عنهم البرد " فرأيتهم يتروحون.» ثم قال البيهقي: تفرد به أيوب بن سيار، ونظيره قد مضى في الحديث المشهور عن حذيفة في قصة الخندق.
حديث آخر: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني إملاء، أنا أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا علي بن أبي علي اللهبي، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، «عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت امرأة فقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة محرمة، ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعي لي زوجك ". فدعته وكان خرازا، فقال له: " ما تقول في امرأتك يا عبد الله؟ " فقال الرجل: والذي أكرمك ما جف رأسي منها. فقالت امرأته: ما مرة واحدة في الشهر؟! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتبغضينه؟ " قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أدنيا رءوسكما ". فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال: " اللهم ألف بينهما، وحبب أحدهما إلى صاحبه " ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب، فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم طرحته وأقبلت، فقبلت رجليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف أنت وزوجك؟ " فقالت: والذي أكرمك ما طارف ولا تالد ولا والد
أحب إلي منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أني رسول الله ". فقال عمر: وأنا أشهد أنك رسول الله» قال أبو عبد الله: تفرد به علي بن علي اللهبي، وهو كثير الرواية للمناكير. قال البيهقي: وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه، عن جابر بن عبد الله معنى هذه القصة; إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب.
حديث آخر:
قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا علي بن زيد بن جدعان، «عن أبي الطفيل، أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له بالبركة، وأخذ بجبهته، فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم، فسقطت الشعرة عن جبهته، فأخذه أبوه فقيده وحبسه، مخافة أن يلحق بهم. قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له: ألم تر إلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت؟ فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم. قال: فرد الله تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب»
وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أبي أسامة الكلبي، عن شريح بن مسلمة، عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن وهب عن أبي الطفيل، «أن رجلا من بني ليث يقال له:
فراس بن عمرو. أصابه صداع شديد، فذهب به أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه، وأخذ بجلدة بين عينيه فجذبها حتى تنقضت، فنبتت في موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرة، وذهب عنه الصداع فلم يصدع» . وذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم.
حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا يعلى بن الأشدق، سمعت عبد الله بن جراد العقيلي، حدثني النابغة، يعني الجعدي، قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته من قولي:
علونا العباد عفة وتكرما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال: " أين المظهر يا أبا ليلى؟ " قال: قلت: إلى الجنة. قال: " أجل إن شاء الله ". ثم قال: " أنشدني " فأنشدته من قولي:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال: " أحسنت، لا يفضض الله فاك ".» هكذا رواه البزار إسنادا ومتنا.
وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، أنا أبو بكر محمد بن المؤمل، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي، حدثني يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة نابغة بني جعدة يقول: «أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر فأعجبه:
بلغنا السماء مجدنا وثراؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: " أين المظهر يا أبا ليلى؟ " قلت: إلى الجنة. قال: " كذلك إن شاء الله ".
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أجدت، لا يفضض فوك ". قال يعلى: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن» . قال البيهقي: وروى ذلك عن مجاهد بن سليم، عن عبد الله بن جراد سمعت نابغة يقول: «سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنشد من قولي:
بلغنا السماء عفة وتكرما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ثم ذكر الباقي بمعناه. قال: فلقد رأيت سنه كأنها البرد المنهل، ما سقط له سن ولا انفلت.»
حديث آخر: قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا هشام بن يوسف، ثنا معمر، ثنا ثابت وسليمان التيمي، عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر قبل العراق والشام واليمن - لا أدري بأيتهن بدأ - ثم قال: " اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك وحط من ورائهم» ثم رواه عن الحاكم عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصاغاني، عن علي بن بحر بن بري، فذكره بمعناه.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليمن فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم ". ثم نظر قبل الشام فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم ". ثم نظر قبل العراق فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا ". وهكذا وقع الأمر، أسلم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير والبركة قبل العراق، ووعد أهل الشام بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر» وروى أحمد في
" مسنده ": لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق.
** [دعاؤه عليه الصلاة والسلام على بعض الناس] **
فصل دعاؤه عليه الصلاة والسلام على بعض الناس
وروى مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، أن أباه حدثه «أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال له: " كل بيمينك ". قال: لا أستطيع. قال: " لا استطعت، ما منعه إلا الكبر ". قال فما رفعها إلى فيه» وقد رواه أبو الوليد الطيالسي، عن عكرمة، عن إياس، عن أبيه قال: «أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر بن راعي العير وهو يأكل بشماله، فقال: " كل بيمينك ". قال: لا أستطيع. قال: " لا استطعت " قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد»
وثبت في " صحيح مسلم " من حديث شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: «كنت ألعب مع الغلمان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختبأت منه، فجاءني فحطأني حطأة أو حطأتين، وأرسلني إلى معاوية في حاجة
فأتيته، وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فأرسلني الثانية، فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل. فقال: " لا أشبع الله بطنه»
وقد روى البيهقي عن الحاكم، عن علي بن حمشاذ، عن هشام بن علي، عن موسى بن إسماعيل، حدثني أبو عوانة، عن أبي حمزة سمعت ابن عباس قال: «كنت ألعب مع الغلمان، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، فقلت: ما جاء إلا إلي. فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطأني حطأة وقال: " اذهب فادع لي معاوية ". وكان يكتب الوحي. قال: فذهبت فدعوته له، فقيل إنه يأكل. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنه يأكل. فقال: " اذهب فادعه لي ". فأتيته الثانية، فقيل: إنه يأكل. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال في الثالثة: " لا أشبع الله بطنه ". قال: فما شبع بعدها»
قلت وقد كان معاوية، رضي الله عنه، لا يشبع بعدها، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال: إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، وكان يقول: والله لا أشبع وإنما أعيى.
وقدمنا في غزوة تبوك أنه مر بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه، فأقعد فلم يقم بعدها. وجاء من طرق أوردها البيهقي «أن رجلا حاكى النبي صلى الله عليه وسلم في كلام واختلج بوجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن كذلك ". فلم
يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات» وقد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم. فالله أعلم.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني أنمار. فذكر الحديث في الرجل الذي عليه ثوبان قد خلقا، وله ثوبان في العيبة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسهما ثم ولى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما له ضرب الله عنقه؟! ". فقال الرجل: في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في سبيل الله ". فقتل الرجل في سبيل الله» . وقد ورد من هذا النوع كثير. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع، كما سنوردها قريبا في باب فضائله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «اللهم من سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة ".»
وقد قدمنا في أول البعثة حديث ابن مسعود في دعائه صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر السبعة الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه، حين طرحوا على ظهره، عليه الصلاة والسلام، سلا الجزور، وألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرف قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة ". ثم سمى بقية السبعة. قال ابن مسعود: فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر» . الحديث. وهو متفق عليه.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سليمان، يعني ابن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: «كان منا رجل من بني النجار قد قرأ " البقرة " و " آل عمران "، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب. قال: فرفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد. وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له وواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا» ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.
طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حميد عن أنس، «أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان قرأ " البقرة " و " آل عمران "، وكان الرجل إذا قرأ " البقرة " و " آل عمران " عز فينا، يعني عظم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي عليه: غفورا رحيما. فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: " اكتب كذا وكذا، اكتب كيف شئت ". ويملي عليه: عليما حكيما. فيقول: أكتب: سميعا بصيرا؟
فيقول: " اكتب كيف شئت ". قال: فارتد ذلك الرجل عن الإسلام، فلحق بالمشركين، وقال: أنا أعلمكم بمحمد، وإن كنت لأكتب إلا ما شئت. فمات ذلك الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأرض لا تقبله ". قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل، فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض» وهذا على شرط الشيخين، ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن أنس: قال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الرزاق، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلم، وقرأ " البقرة " و " آل عمران "، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيا، وكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم; نبشوا عن صاحبنا فألقوه. فحفروا له وأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه; نبشوا عن صاحبنا فألقوه. فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه
[المسائل التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب فيها بما يطابق الحق]
** باب المسائل التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب فيها بما يطابق الحق الموافق لما تشهد به الكتب المتقدمة الموروثة عن الأنبياء قبله **
** [مطابقة قول النبي لما تشهد به الكتب السابقة] **
قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش، وبعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق والمغارب. فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله، عز وجل، قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]
[سورة الكهف] . ثم شرح خبره وما وصل إليه من المشارق والمغارب، وما عمل من المصالح في العالم، وهذا الإخبار هو الواقع، وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب ما كان منها حقا، وأما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب; ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام. قال الله تعالى بعد ذكره التوراة والإنجيل {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 48]
[سورة المائدة] . وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام، وأنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: «أيها الناس، أفشوا السلام وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» "
وثبت في " صحيح البخاري " وغيره من حديث إسماعيل بن علية وغيره، عن حميد، عن أنس، «قصة سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث لا
يعلمهن إلا نبي; ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخبرني بهن جبريل آنفا ". ثم قال: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه» وقد رواه البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أبي معشر عن سعيد المقبري، فذكر مساءلة عبد الله بن سلام، إلا أنه قال: فسأله عن السواد الذي في القمر. بدل أشراط الساعة. فذكر الحديث إلى أن قال: وأما السواد الذي في القمر، فإنهما كانا شمسين فقال الله، عز وجل: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل} [الإسراء: 12] . فالسواد الذي رأيت هو المحو، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
حديث آخر في معناه: قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد، أنا الربيع بن نافع أبو توبة، ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام، يقول: أخبرني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان حدثه قال: «كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا
محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها. قال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول يا رسول الله؟! قال: إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد ". فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. فنكت بعود معه، فقال له " سل ". فقال له اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في الظلمة دون الجسر ". قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: " فقراء المهاجرين ". قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: " زيادة كبد نون ". قال: وما غذاؤهم على إثره؟ قال: " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: " من عين فيها تسمى سلسبيلا ". قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال " ينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله. وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله ". فقال اليهودي: صدقت وإنك لنبي. ثم انصرف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه سألني هذا الذي سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتاني الله به» وهكذا رواه مسلم، عن الحسن بن علي الحلواني، عن أبي توبة الربيع بن نافع به. وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام، ويحتمل أن
يكون غيره. والله أعلم.
حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: «حضرت عصابة من اليهود يوما النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي. قال: " سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا لتبايعني على الإسلام ". قالوا: لك ذلك. قال: " سلوا عما شئتم ". قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنها; أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الأنثى حتى تكون أنثى، وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم، ومن وليك من الملائكة. قال: " فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتبايعني ". فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. قال: " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا وطال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحمان الإبل؟ " قالوا اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد عليهم ". قال:
" فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ " قالوا: اللهم نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد عليهم ". قال: " وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ " قالوا: اللهم نعم. قال: " اللهم اشهد عليهم ". قالوا: أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: " وليي جبريل عليه السلام، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه ". قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره من الملائكة لتابعناك وصدقناك. قال: " فما يمنعكم أن تصدقوه؟ " قالوا: إنه عدونا من الملائكة. فأنزل الله عز وجل: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] الآية [البقرة: 97] . ونزلت {فباءوا بغضب على غضب} [البقرة: 90] الآية [البقرة: 90] »
حديث آخر: قال الإمام أحمد: ثنا يزيد، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي قال: «قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء: 101] . فقال: لا تقل له: نبي. فإنه
لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة أو قال: لا تفروا من الزحف. شعبة الشاك - وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت ". قال: فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي. قال: " فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا: إن داود، عليه السلام، دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق، عن شعبة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وفي رجاله من تكلم فيه، وكأنه اشتبه على الراوي التسع الآيات بالعشر الكلمات، وذلك أن الوصايا التي أوحاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة الطور بعدما خرجوا من ديار مصر وشعب بني إسرائيل حول الطور حضور، وهارون ومن معه من العلماء وقوف على الطور أيضا، وحينئذ كلم الله موسى آمرا له بهذه العشر كلمات، وقد فسرت في هذا الحديث، وأما التسع الآيات فتلك دلائل، وخوارق عادات أيد بها موسى، عليه السلام، وأظهرها الله على يديه بديار مصر، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات» ، وقد بسطنا
القول على ذلك في " التفسير " بما فيه كفاية. والله أعلم.
** [دعوة النصارى إلى المباهلة] **
فصل دعوة النصارى إلى المباهلة
وقد ذكرنا في " التفسير " عند قوله تعالى في سورة " البقرة ": {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} [البقرة: 94]
[الجمعة 6، 7] . وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك، وأن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة; أن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، وأن الدعوة تنقلب عليهم، ويعود وبالها إليهم، وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] . وهكذا دعا على
المشركين على وجه المباهلة في قوله: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75] . وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية. ولله الحمد والمنة.
** [اعتراف اليهود بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم] **
حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتضمن تحاكمهم إليه ورجوعهم إلى ما يحكم به ولكن بقصد منهم مذموم
وذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم فاتبعوه، وإلا فاحذروا ذلك وقد ذمهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد. قال عبد الله بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب، وعند سعيد رجل وهو يوقره، وإذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبية، وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء نفر من اليهود، وقد زنا رجل منهم وامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا حدا دون الرجم فعلناه، واحتججنا عند الله حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه - قال مرة عن الزهري: وإن أمرنا بالرجم عصيناه، فقد عصينا الله فيما كتب علينا من الرجم في التوراة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا:
يا أبا القاسم، ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن؟ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إليهم شيئا، وقام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود، فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر، اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن؟ " قالوا: نجبيه والتجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر - قال: وسكت حبرهم، وهو فتى شاب، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فإنا نجد في التوراة الرجم على من أحصن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فما أول ما ترخصتم أمر الله، عز وجل؟ " فقال: زنى رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم فزنا بعده آخر في أسرة من الناس، فأراد ذلك الملك أن يرجمه، فقام قومه دونه فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإني أحكم بما في التوراة ". فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما فرجما قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] . وله شاهد في " الصحيحين " عن ابن عمر. قلت: وقد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى:
{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] . يعني وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله. قال الله تعالى {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 41] إلى أن قال {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة: 43] فذمهم الله تعالى على سوء قصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، وإن فيه حكم الله بالرجم، وهم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من الجلد والتحميم والتجبية.
وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره. وعنده: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: " أنشدك بالله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ " فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما، فرجما عند باب مسجده في
بني غنم بن مالك بن النجار قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] الآيات» . وقد ورد ذكر عبد الله بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير وغيره بروايات صحيحة قد بيناها في " التفسير ".
حديث آخر: قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس «أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي؟ " فقال: لا. فقال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنا نجدك في التوراة; نعتك وصفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " أقيموا هذا عند رأسه، وغسلوا أخاكم» ورواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ.
حديث آخر: قال أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه قال: «إن الله
ابتعث نبيه صلى الله عليه وسلم لإدخال رجل الجنة; فدخل النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة، فإذا هو بيهود، وإذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك. قال: وفي ناحيتها رجل مريض، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لكم أمسكتم؟ " فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا. ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال: ارفع يدك. فقرأ حتى أتى على صفته، فقال هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " غسلوا أخاكم»
حديث آخر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على مدراس اليهود فقال: " يا معشر يهود، أسلموا، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله إليكم. فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال: " ذلك أريد»
** [اشتمال الكتب المتقدمة على بشارة النبي] **
فصل اشتمال الكتب المتقدمة على بشارة النبي
فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن حيث المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشرت به الأنبياء قبله، وأتباع الأنبياء يعلمون ذلك، ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه. قال الله تعالى: {بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 156]
[الأنعام: 114] . وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] . وقال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} [آل عمران: 20] . وقال تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به} [إبراهيم: 52] . وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . وقال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وقال تعالى: {لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين} [يس: 70]
فذكر تعالى عموم بعثته إلى الأميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له. قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار» رواه مسلم
وفي الصحيحين: «: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي; نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة» وفيهما: " بعثت إلى الأسود والأحمر ". قيل: إلى العرب والعجم. وقيل: إلى الإنس والجن. والصحيح أعم من ذلك.
والمقصود أن البشارات به صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة الموروثة عن الأنبياء قبله، حتى تناهت النبوة إلى آخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل، وقص الله خبره في ذلك، فقال تعالى {وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6] . فإخبار محمد، صلوات الله وسلامه عليه، بأن
ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة، كما تقدم، وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، وذلك لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، ولا يقدم على ذلك عاقل، والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الأمر ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب، وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لأمة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، ولو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، ولنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممهم عن اتباعهم، والاقتداء بهم، ونصوا على المسيح الدجال الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح صلى الله عليه وسلم - وهو أول الرسل - قومه ومعلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا التنفير عنه، ولا الإخبار عنه بشيء خلاف مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والأمر باتباعه، والنهي عن مخالفته، والخروج من طاعته. قال الله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 81]
[آل عمران: 81، 82] . قال ابن عباس، رضي الله عنهما: «ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق; لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به
ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه» رواه البخاري.
وقد وجدت البشارات به صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، وهي أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وقد قدمنا قبل مولده، عليه الصلاة والسلام، طرفا صالحا من ذلك، وقررنا في كتاب " التفسير " عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، ونحن نورد ها هنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، ويتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم; ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل، عليه السلام، ما مضمونه وتعريبه: أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم، عليه السلام، بعد ما سلمه من نار النمرود أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم، عليه السلام، أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق، حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك إسحاق فإنه يرزق ذرية عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته ماذ ماذ - يعني محمدا صلى الله عليه وسلم - وجعلت في ذريته اثني عشر إماما، وتكون له أمة عظيمة، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت، فعطشت وحزنت على ولدها، وجاء الملك فأنبع لها زمزم، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء. ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم
أعظم قدرا ولا أوسع جاها، ولا أعلى منزلة، ولا أجل منصبا من محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب، وحكموا على سائر الأمم.
وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم، وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن، وهذا لم يكن لأحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى، عليه السلام، أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، وأجعل وحيي بفيه وإياه يسمعون.
وفي السفر الخامس، وهو سفر الميعاد، أن موسى، عليه السلام، خطب بني إسرائيل في آخر عمره، وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه، وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعلموا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلني إليكم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويحل لكم الطيبات، ويحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
وأيضا في آخر السفر الخامس، وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران، وظهر من ربوات
قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الأمم وعليه تجتمع الشعوب. أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء، وهو الجبل الذي كلم الله موسى، عليه السلام، عنده، وأشرق من ساعير، وهي جبال بيت المقدس، المحلة التي كان بها عيسى بن مريم، عليه السلام، واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم; فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي; ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم، فقال تعالى: {والتين والزيتون} [التين: 1] . والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى، عليه السلام. {وطور سينين} [التين: 2] . وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى {وهذا البلد الأمين} [التين: 3] التين: 3] . وهو البلد الذي ابتعث الله منه محمدا صلى الله عليه وسلم. قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات. وفي زبور داود، عليه السلام، صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مثل ضربه لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه ختام القبة المبنية، كما ورد به الحديث في " الصحيحين «: " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة» ومصداق ذلك أيضا في قوله تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]
[الأحزاب: 40] . وفي الزبور صفة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين والهدايا، وأنه يخلص المضطر، ويكشف الضر عن الأمم، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويصلي عليه في كل وقت ويبارك الله عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه: فإني أبعث إليكم وإلى الأمم نبيا أميا، ليس بفظ، ولا غليظ القلب، ولا سخاب في الأسواق، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى في ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى ملته، والإسلام دينه، والقرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب المختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرابينهم دماؤهم، أناجيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وفي الفصل العاشر من كلام شعيا: يدوس الأمم كدوس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون قدامه.
وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، ويعطى أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله بمهجته.
وفي صحف إلياس، عليه السلام، أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة. فقالوا: يا نبي الله، فما الذي يكون معبودهم؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية.
ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يظهر في الأمم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة.
ومن كتاب النبوات أن نبيا من الأنبياء مر بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يبكيك يا نبي الله؟ فقال: نبي يبعثه الله من الحرة، يخرب دياركم ويسبي حريمكم. قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم. ومن كلام حزقيل، عليه السلام، يقول الله: من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك وجعلتك نبيا، وأرسلتك إلى سائر الأمم.
في صحف شعيا أيضا مثل مضروب لمكة شرفها الله: افرحي يا عاقر بهذا الولد الذي يهبه لك ربك، فإن ببركته تتسع لك الأماكن، وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك، ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم، وولدك هذا يرث جميع الأمم، ويملك سائر المدن والأقاليم، ولا تخافي ولا تحزني، فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، وجميع أيام ترملك تنسيها. وهذا كله إنما حصل على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر في هذا الكلام لا محالة. ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس فهذا لا يناسبه من كل وجه.
والله أعلم
وفي صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب أشعته صواعق، سهامه خوارق، دكت له الجبال. وهذا المراد به محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي الإنجيل يقول عيسى، عليه السلام: إني مرتق إلى جنات العلى، ومرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شيء، ولم يقل شيئا من تلقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6] . وهذا باب متسع، ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدي بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم، وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الفلتان بن عاصم قال: «كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره إلى رجل، فدعاه فأقبل رجل من اليهود، مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: " أتشهد أني رسول الله؟ " فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله. فيقول: " أتشهد أني رسول الله؟ " فيأبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتقرأ التوراة؟ " قال: نعم. قال: " والإنجيل؟ " قال: نعم، والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته. قال: " فأنشدك بالذي أنزل التوراة والإنجيل وأشياء حلفه بها - تجدني فيهما؟ " قال: نجد مثل نعتك يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به. قال: " من أين؟ " قال نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل. قال: فهلل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر، وهلل وكبر، ثم قال: " والذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين» "
** [جوابه صلى الله عليه وسلم لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شيء منه] **
حديث في جوابه صلى الله عليه وسلم لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شيء منه
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، ولم يسمعه منه، قال: حدثني
جلساؤه، وقد رأيته عن وابصة الأسدي، وقال عفان: ثنا غير مرة، ولم يقل: حدثني جلساؤه. قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: دعوني فأدنو منه فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه. قال: " دعوا وابصة ادن يا وابصة ". مرتين أو ثلاثا. قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: " يا وابصة أخبرك أم تسألني؟ " فقلت: لا بل أخبرني. فقال: " جئت تسأل عن البر والإثم ". فقلت: نعم. فجمع أنامله، فجعل ينكت بهن في صدري ويقول: " يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك - ثلاث مرات - البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك» "
[ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده]
** باب ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده، فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء **
** [إخبار بالغيوب المستقبلة] **
وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منه، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث.
أما القرآن فقال تعالى في سورة " المزمل " وهي من أوائل ما نزل بمكة: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] . ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة.
وقال تعالى في سورة " اقتربت "، وهي مكية {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 44]
[القمر: 45، 44] . ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش، ورماهم بقبضة من الحصباء، فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك.
وقال تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد قل هو} [المسد: 1]
[سورة المسد] . فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته، فقدر الله عز وجل، أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة.
وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . وقال تعالى في سورة البقرة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [البقرة: 23] الآية [البقرة: 23، 24] . فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته، وبلاغته، وحلاوته، وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، و " لن " لنفي التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الإخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع بأن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه، عز وجل.
وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} [النور: 55] الآية [النور: 55] . وهكذا وقع سواء بسواء; مكن الله هذا الدين وأظهره وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه
وأمضاه، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره، كما ثبت في " الصحيح ": «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33] . وهكذا وقع، وعم هذا الدين، وغلب وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم، وذلت لهم سائر البلاد، ودان لهم جميع أهلها على اختلاف أصنافهم، وصار الناس إما مؤمنا داخلا في الدين، وإما مهادنا باذلا الطاعة والمال، وإما محاربا خائفا وجلا من سطوة الإسلام وأهله. وقد ثبت في الحديث «: " إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها»
وقال تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] الآية [الفتح: 16] . وسواء كان هؤلاء هم هوازن، أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك.
وقال تعالى: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا} [الفتح: 20]
[الفتح: 20، 21] . وسواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء.
وقال تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} [الفتح: 27] . فكان هذا الوعد في سنة الحديبية عام ست، ووقع إنجازه في سنة سبع، عام عمرة القضاء كما تقدم. وذكرنا هناك الحديث بطوله، وفيه أن عمر قال: «يا رسول الله، ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا. قال: " فإنك آتيه ومطوف به»
وقال تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} [الأنفال: 7] . وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريشا خروجه إلى عيرهم، فنفروا في قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير وإما النفير، فود كثير من الصحابة ممن كان معه أن يكون الوعد للعير; لما فيه من
الأموال وقلة الرجال، وكرهوا لقاء النفير; لما فيه من العدد والعدد فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير، فأوقع بهم بأسه الذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون، وأسر سبعون، وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} [الأنفال: 7] . وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر.
وقال تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70] . وهكذا وقع; فإن الله عوض من أسلم منهم بخير الدنيا والآخرة.
ومن ذلك ما ذكره البخاري، «أن العباس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا فقال له: " خذ ". فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله، ثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحتمله على كاهله، وانطلق به،» كما ذكرناه في موضعه مبسوطا، وهذا من تصديق هذه الأية الكريمة.
وقال تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] الآية [التوبة: 28] . وهكذا وقع; عوضهم الله عما كان يفد إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم; من قتال أهل الكتاب، وضرب الجزية
عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها. قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33]
وقال تعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس} [التوبة: 95] الآية [التوبة: 95] . وهكذا وقع; لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها، ولا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا، كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه صلى الله عليه وسلم إياه.
وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76]] الإسراء: 76] . وهكذا وقع; لما اشتوروا عليه ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، رضي الله عنه، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها، كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله: {شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 39] . وهو المراد من قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] . ولهذا قال: (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) . وقد وقع كما أخبر; فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرءوس، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه; من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف: أما إني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك. فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فإنه والله لا يكذب. وسيأتي الحديث في بابه.
وقد قدمنا أنه عليه الصلاة والسلام جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى: {الم - غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون - بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم - وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 1 - 6]
[الروم: 1 - 6] . وهذا الوعد وقع كما أخبر به; وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، واغتم بذلك المؤمنون; لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة ببضع سنين، وكان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا " التفسير "، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن; غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، وقصتهم في ذلك مما يطول بسطها، وقد شرحناها في " التفسير " بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53] . وكذلك وقع; أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق; بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة ومخالفي الشرع; ممن كذب به من أهل الكتابين والمجوس والمشركين ما دل ذوي البصائر والنهى على أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقع الله له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا، كما ثبت عنه في " الصحيحين " أنه قال:
" «نصرت بالرعب مسيرة شهر» وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله، عز وجل; وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر وقيل: كان إذا عزم على غزو قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم ووروده عليهم بشهر، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين
** [ذكر الأخبار المستقبلة] **
فصل ذكر الأخبار المستقبلة
وأما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر; فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش، وتمالئوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يؤووهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب; بمسلمهم وكافرهم شعب أبي طالب أنفين لذلك، ممتنعين منه أبدا ما بقوا، دائما ما تناسلوا وتعاقبوا، وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها:
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
وكانت قريش قد علقت صحيفة التعاقد في سقف الكعبة، فسلط الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم
والفجور، وقيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله عز وجل، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخي قد أخبرني بخبر عن صحيفتكم، فإن الله قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله - أو كما قال - فأحضروها، فإن كان كما قال، وإلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها، فإذا الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك نقضوا حكمها، ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره، ولله الحمد.
ومن ذلك حديث خباب بن الأرت. حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم، لما هم فيه من العذاب والإهانة، فجلس محمرا وجهه، وقال: " «إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون» "
ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري، ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى، أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين
يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر»
ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت. فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد. فقال أبو جهل تطوف بالكعبة آمنا، وقد آويتم محمدا وأصحابه؟! فقال: نعم فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك. وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟! قال: نعم. قال: والله
ما يكذب محمد إذا حدث. فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما يكذب محمد. قال فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله الله. وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدم بأبسط من هذا السياق.
ومن ذلك قصة أبي بن خلف الذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه.
ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر، كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول: " هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان ". قال: فوالذي بعثه بالحق ما رام أحد منهم عن مكانه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قوله لذلك الرجل الذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر. وهو الصحيح. وقيل:
في يوم حنين فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان. يقال: إنه قزمان. فقال: " إنه من أهل النار " فقال بعض الناس: أنا صاحبه. فاتبعه فجرح فاستعجل الموت، فوضع ذباب سيفه في صدره، ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال " وما ذاك " فقال: إن الرجل الذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت وذكر الحديث كما تقدم.
ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمنا.
ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، ومات من أكله معه بشر بن البراء بن معرور.
ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر، «أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: " اللهم أنج أصحاب السفينة ". ثم مكث ساعة، ثم قال: " قد استمرت» . والحديث بتمامه في " دلائل النبوة " للبيهقي، وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق، وفيها الأشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر.
ومن ذلك إخباره عن قبر أبي رغال حين مر عليه وهو ذاهب إلى الطائف،
وأن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه. رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير عن عبد الله بن عمرو به.
ومن ذلك قوله، عليه السلام، للأنصار لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم; من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، ورءوس قريش وغيرهم، فقال: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟» وقال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» وقال: «إن الناس يكثرون وتقل الأنصار» وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: «بل المحيا محياكم والممات مماتكم» وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.
وقال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: وأخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده،
والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» ورواه مسلم، عن حرملة، عن أبي وهب، عن يونس به. وقال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة رفعه: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» وقال: «لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير، وزاد البخاري وأبي عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به، وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، وأنفقت أموال كنوز قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس في سبيل الله، على ما سنذكره بعد إن شاء الله. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، وهو أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، وملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكونه بعد ذلك ولله الحمد والمنة. وفيه دلالة على صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان والشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله، على الوجه المرضي الممدوح.
وقال البخاري: ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: " يا عدي هل رأيت الحيرة؟ ". قلت لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله عز وجل - قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: " كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالا وولدا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم ". قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة» قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم
صلى الله عليه وسلم: " يخرج ملء كفه
ثم رواه البخاري، عن عبد الله بن محمد، هو أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي عاصم النبيل، عن سعدان بن بشر، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن محل، عنه به. وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، ورواه النسائي من حديث شعبة، عن محل عنه: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل، عن عدي مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وكذلك أخرجاه في " الصحيحين " من حديث الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الرحمن، عن عدي وفيها من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة عن خيثمة، عن عدي به. وهذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الذي أوردناه، وقد تقدم في غزوة الخندق الإخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس،
عن خباب قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له فقلنا: «يا رسول الله، ادع الله لنا واستنصره. قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: " لقد كان من قبلكم يحفر له الحفرة ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب، ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون» وهكذا رواه البخاري، عن مسدد ومحمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به.
ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، عن عقبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: «أنا فرطكم، وأنا شهيد عليكم إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها» وقد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، ومسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب كرواية
الليث عنه. ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها: أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، وهكذا وقع، فإن هذا كان في مرض موته، عليه الصلاة والسلام، ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته عليهم، وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض أي فتحت له البلاد، كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم. قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم تفتحونها كفرا كفرا. أي بلدا بلدا وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده. وهكذا وقع ولله الحمد والمنة، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، وقد وقع هذا في زمان علي ومعاوية، رضي الله عنهما، ثم من بعدهما، وهلم جرا إلى زماننا هذا.
ثم قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون أنبأني موسى بن أنس بن مالك، عن أنس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أعلم لك علمه فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا. قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: " اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» ". تفرد به البخاري، وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة، كما سيأتي تفصيله. وهكذا ثبت
في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الإسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات، رضي الله عنه، على أكمل أحواله وأجملها، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته; لإخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام. وكذلك وقع.
وقد ثبت في الصحيح الإخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل ثبت أيضا الإخبار عنه، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة. وقيل وخمسمائة. ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء، رضي الله عنه، عاش إلا حميدا، ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة. وهذا من أعلام النبوات، ودلالات الرسالة
** [الإخبار بغيوب ماضية ومستقبلة] **
فصل في الإخبار بغيوب ماضية ومستقبلة
روى البيهقي من حديث إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن فلانا مات. فقال: " لم يمت ". فعاد الثانية
فقال: إن فلانا مات. فقال: " لم يمت ". فعاد الثالثة فقال: إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده. فلم يصل عليه» . ثم قال البيهقي: تابعه زهير عن سماك. ومن ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة.
وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم بن سفيان، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم قال: «مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها. قال: وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع الناس. قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: " صاحب الجبيذة؟ " قال: قلت: والله لا أعود. قال فبايعني» . ورواه النسائي، عن محمد بن عبد الله المخرمي عن أسود بن عامر به. ثم رواه أحمد عن سريج عن يزيد بن عطاء، عن بيان بن بشر، عن قيس، عن أبي شهم فذكره.
وفي " صحيح البخاري "، عن أبي نعيم، عن سفيان عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: «كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم; خشية أن ينزل فينا شيء، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم تكلمنا
وانبسطنا» .
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أنه قال: «والله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته، وهو وإياها في ثوب واحد; تخوفا أن ينزل فيه شيء من القرآن» .
وقال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر: " أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه ". فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه، ثم قال: " أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها ". قال: فأرسلت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إلي بثمنها، فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلي بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أطعميه الأسارى»
** [ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة بعده صلى الله عليه وسلم] **
فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة بعده صلى الله عليه وسلم
ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، وقد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه» .
وقال البخاري: ثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر; مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: " نعم ". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم. وفيه دخن ". قلت وما دخنه؟ فقال: " قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها ". قلت يا رسول الله، صفهم لنا قال: " هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم
جماعة المسلمين وإمامهم ". قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام. قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» وقد رواه البخاري أيضا ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن الوليد بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.
ثم قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، عن قيس، عن حذيفة قال: تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر. تفرد به البخاري.
وفي " صحيح مسلم " من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة قال: «لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة منها؟» .
وفي " صحيح مسلم " من حديث علباء بن أحمر، عن أبي يزيد عمرو بن أخطب قال: «أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا» . وفي الحديث الآخر حتى دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار وقد تقدم حديث خباب بن الأرت: " والله ليتمن الله هذا الأمر، ولكنكم تستعجلون ".
وكذا حديث عدي بن حاتم في ذلك، وقال الله تعالى: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] . وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55] الآية [النور: 55] .
وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء; فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ".» وفي حديث آخر: «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» وفي " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عروة بن المسور، عن عمرو بن عوف، فذكر قصة بعث أبي عبيدة إلى البحرين، وفيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «: " أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»
في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «: " هل لكم من أنماط؟ " قال: قلت: يا رسول الله، وأنى يكون لنا أنماط؟ فقال: " أما إنها ستكون لكم أنماط ". قال: فأنا أقول لامرأتي نحي عني أنماطك. فتقول: ألم يقل رسول الله: " أنها ستكون لكم أنماط "؟ فأتركها»
وفي " الصحيحين " و " المسانيد " و " السنن " وغيرها من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن أبي زهير قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ".» كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون، وقد أسنده الحافظ بن عساكر من حديث مالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وأبي معاوية، ومالك بن سعير بن الخمس، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وعبد العزيز بن أبي حازم، وسلمة بن دينار، وجرير بن عبد الحميد. ورواه أحمد، عن يونس، عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة وعبد الرزاق، عن ابن
جريج، عن هشام. ومن حديث مالك، عن هشام به بنحوه.
ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إسماعيل بن جعفر، أخبرني يزيد بن خصيفة أن بسر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة، وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «ويوشك الشام أن يفتتح فيأتيه رجال من هذا البلد - يعني المدينة - فيعجبهم ريفه ورخاؤه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل. ورواه الحافظ بن عساكر من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وكذا حديث ابن حوالة.
ويشهد لذلك: منعت الشام مديها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم " وهو في
" الصحيح " وكذا حديث المواقيت لأهل الشام واليمن، وهو في " الصحيحين "، وعند مسلم ميقات أهل العراق ويشهد لذلك أيضا حديث: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، عز وجل»
وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك، أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: " اعدد ستا بين يدي الساعة " فذكر موته، عليه الصلاة والسلام، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتانا - وهو الوباء - ثم كثرة المال، ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين والروم» . وسيأتي الحديث فيما بعد.
وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «: " إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا ; فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها» قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة، فخرج منها. يعني ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين، كما سيأتي.
وقد روى ابن وهب، عن مالك والليث، عن الزهري عن ابن لكعب
بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا; فإن لهم ذمة ورحما» رواه البيهقي من حديث إسحق بن راشد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. وحكى أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة، أنه سئل عن قوله " ذمة ورحما ". فقال: من الناس من قال: إن أم إسماعيل هاجر كانت قبطية. ومن الناس من قال: أم إبراهيم. قلت: الصحيح الذي لا شك فيه أنهما قبطيتان، كما قدمنا ذكر ذلك ومعنى قوله: " ذمة ". يعني بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة. والله تعالى أعلم.
وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وانتشار الأمن وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد، وفي الحديث أن عديا شهد الفتح، ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم من كثرة المال حتى لا يقبله أحد. قال البيهقي: وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز. قلت: ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي، كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم، عليه السلام، بعد قتله الدجال، فإنه
قد ورد في " الصحيح " أنه يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد. والله تعالى أعلم.
وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن أبي ذئب، عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض» الحديث بمعناه.
وتقدم حديث عبد الرزاق، عن معمر ، عن همام عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، عز وجل» أخرجاه وقال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر عن الشام، ولا يبقى كبقاء ملكه على الروم; لقوله، عليه السلام، لما عظم كتابه: " ثبت ملكه ". وأما ملك فارس فباد بالكلية لقوله له: " مزق الله ملكه ".
وقد روى أبو داود، عن محمد بن عبيد، عن حماد، عن يونس، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب - وروينا في طريق أخرى، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه - لما جيء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه
وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم وقال: قل: الحمد لله الذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابي من البادية. قال الشافعي: إنما ألبسه ذلك; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: " كأني بك قد لبست سواري كسرى ". والله أعلم.
وقال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها ". فقام رجل فقال: يا رسول الله، هب لي ابنة بقيلة. قال " هي لك ". فأعطوه إياها. فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم. قال: فبكم؟ احكم ما شئت. قال ألف درهم. قال: قد أخذتها. فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لأخذها. فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية، عن ضمرة بن حبيب، أن ابن زغب الإيادي حدثه قال: «نزل على عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: " اللهم لا تكلهم إلي فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم ". ثم قال: " لتفتحن لكم الشام والروم وفارس - أو: الروم وفارس - وحتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا
وكذا، وحتى يعطى أحدكم مائة دينار فيسخطها ". ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال: " يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» ورواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح.
وقال أحمد حدثنا حيوة بن شريح ويزيد بن عبد ربه، قالا: ثنا بقية حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي قتيلة، عن ابن حوالة، أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة; جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق ". فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك. فقال " عليك بالشام; فإنه خيرة الله من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدره; فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» وهكذا رواه أبو داود، عن حيوة بن شريح به. وقد رواه أحمد أيضا، عن عصام بن خالد وعلي بن عياش، كلاهما عن حريز
بن عثمان، عن سليمان بن شمير، عن عبد الله بن حوالة، فذكر نحوه. ورواه الوليد بن مسلم الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول وربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة به.
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة، يرد الحديث إلى جبير بن نفير قال: «قال عبد الله بن حوالة: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه العري والفقر وقلة الشيء، فقال: " أبشروا، فوالله لأنا بكثرة الشيء أخوفني عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام - أو قال: أرض فارس - وأرض الروم وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة; جندا بالشام، وجندا بالعراق، وجندا باليمن، وحتى يعطى الرجل المائة فيسخطها ". قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله، ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون؟! قال: " والله ليفتحنها الله عليكم، وليستخلفنكم فيها، حتى تظل العصابة البيض منهم قمصهم، الملحمة أقفاؤهم قياما على الرويجل الأسود منكم المحلوق، ما أمرهم من شيء فعلوه» وذكر الحديث، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن جبير
يقول: فعرف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله، فيتعجبون لنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيهم.
وقال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبي، عن عبد الله بن حوالة الأزدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نجا من ثلاث فقد نجا ". قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: " موتي، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه، والدجال»
وقال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل دومة، وعنده كاتب له يملي عليه، فقال: «ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله. فأعرض عني وقال إسماعيل مرة في الأولى: " نكتبك يا ابن حوالة؟ " قلت: فيم يا رسول الله؟
فأعرض عني - وأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: " ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله. فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه. قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت: إن عمر لا يكتب إلا في خير. ثم قال: " أنكتبك يا ابن حوالة؟ " قلت: نعم. فقال: " يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله. قال: " فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله. قال: " اتبعوا هذا ". قال: ورجل مقف حينئذ. قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا؟ قال: " نعم ". قال فإذا هو عثمان بن عفان، رضي الله عنه»
وثبت في " صحيح مسلم " من حديث يحيى بن آدم، عن زهير بن معاوية، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه. قال يحيى بن آدم وغيره من أهل
العلم: هذا من دلائل النبوة; حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر، قبل وجود ذلك، صلوات الله وسلامه عليه. وقد اختلف الناس في معنى قوله، عليه الصلاة والسلام: " منعت العراق ". إلى آخره، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج. ورجحه البيهقي. وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: " وعدتم من حيث بدأتم ". أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك، كما ثبت في " صحيح مسلم " «: " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء»
ويؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري، عن أبي نضرة قال: «كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذاك. قال: ثم سكت هنيهة. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، لا يعده عدا» ". قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية
وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، عن جابر كما تقدم. والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين. وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه.
وثبت في " الصحيحين " من غير وجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم. وفي " صحيح " مسلم عن جابر: ولأهل العراق ذات عرق. فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق، صلوات الله وسلامه عليه.
وفي " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم» "
وثبت في " الصحيحين " من حديث ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: «كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة " الجمعة " {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] . فقال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» " وهكذا وقع كما أخبر به، عليه الصلاة والسلام.
وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عرق، عن عبد الله بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله عز وجل» "
وروى الإمام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد، من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة، عن أخيه سهل، عن أبيه عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب مرفوعا: " «ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو; فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء» " وهذا الحديث يعد من غرائب " المسند "، ومنهم من يجعله موضوعا. فالله أعلم. وقد تقدم حديث أبي هريرة من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقع أيضا.
وفي " صحيح البخاري " من حديث شعبة، عن فرات القزاز، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون ". قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال " فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»
وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويعملون ما ينكرون» "
وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عباد الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الأموال، فمغير بيده ومغير بلسانه، ومغير بقلبه وليس وراء ذلك من الإيمان شيء»
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله عز وجل» " وهذا كله واقع.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي من حديث سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا» " وفي رواية: «ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» " وهكذا وقع سواء; فإن أبا بكر، رضي الله عنه، كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة إلا اثنتي عشر يوما، وكانت خلافة علي بن أبي طالب خمس سنين إلا شهرين. قلت: وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه وتفصيله.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن فضيل، ثنا مؤمل، ثنا حماد
بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله الملك من يشاء» " فقال معاوية: رضينا بالملك. وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب، فإن قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا وبين حديث جابر بن سمرة المتقدم في " صحيح مسلم ": «لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس اثنا عشر خليفة كلهم من قريش؟» فالجواب: إن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائما حتى ولي اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون، فمنهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، رضي الله عنه، وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل، رضي الله عنه: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز. ومنهم من ذكر من هؤلاء المهتدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا، بالنص
على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامراء ; فإن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض. وقد تقدم في " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك وأكتب كتابا; لئلا يقول قائل أو يتمنى متمن» " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: " «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» " وهكذا وقع، فإن الله ولاه، وبايعه المؤمنون قاطبة، كما تقدم.
وفي " صحيح البخاري " «أن امرأة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تعرض بالموت - فقال: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر» ".
وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن» " قال الشافعي، رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: " وفي نزعه ضعف ". قصر مدته، وعجلة موته، واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته. قلت: وهذا فيه البشارة
بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان، من حديث ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي; أبي بكر وعمر» ، رضي الله عنهما، وقال الترمذي: حسن. وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدم من طريق الزهري، عن رجل، عن أبي ذر حديث تسبيح الحصا في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يد أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وقوله عليه الصلاة والسلام: " هذه خلافة النبوة.
وفي الصحيح عن أبي موسى قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا فدلى رجليه في القف، فقلت: لأكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست خلف الباب، فجاء رجل فقال: افتح. فقلت: من أنت؟ قال: أبو بكر. فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " افتح له وبشره بالجنة ". ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ". فدخل وهو يقول: الله المستعان»
وثبت في " صحيح البخاري " من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان،
فرجف بهم الجبل، فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» "
وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن حراء ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثبت، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان» وقال معمر: قد سمعت قتادة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وقد روى مسلم عن قتيبة، عن الداروردي عن، سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» ". وهذا من دلائل النبوة; فإن هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، واختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مراتب الرسالة والنبوة، واختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية وقد ثبت في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية. وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة. وقيل: خمسمائة. فكلهم استمر على السداد والاستقامة حتى مات، رضي الله عنهم أجمعين. وثبت في " صحيح البخاري " البشارة
لعكاشة بأنه من أهل الجنة، فقتل شهيدا يوم اليمامة.
وفي " الصحيحين " من حديث يونس، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر ". فقام عكاشة بن محصن الأسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعله منهم ". ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " سبقك بها عكاشة» . وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تفيد القطع، وسنورده في باب صفة الجنة، وسنذكر في قتال أهل الردة أن طليحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا، رضي الله عنه، ثم رجع طليحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى الله عز وجل، وقدم على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، واعتمر وحسن إسلامه.
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران ففظعتهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان; صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» " وقد تقدم في الوفود «أنه، عليه الصلاة
والسلام، قال لمسيلمة حين قدم مع قومه وجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: " والله لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت» . وهكذا وقع; عقره الله وأهانه وكسره وغلبه يوم اليمامة، كما قتل الأسود العنسي بصنعاء، على ما سنورده، إن شاء الله تعالى.
وروى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيلمة، فقال له مسيلمة: أتشهد أني رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " آمنت بالله وبرسله ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الرجل أخر لهلكة قومه» "
وقد ثبت في الحديث الآخر «أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم; من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك; أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك; فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشا قوم يعتدون. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى; أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»
وقد جعل الله العاقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم; لأنهم هم المتقون، وهم العادلون المؤمنون، لا من عداهم. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه صلى الله عليه وسلم في الإخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق، فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين الله أفواجا، وعذب ماء الإيمان كما كان، بعد ما صار أجاجا، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] الآية. [المائدة: 54] .
قال المفسرون هم أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم.
وثبت في " الصحيحين " من حديث عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة في قصة مسارة النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وإخباره إياها «بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، " وأنه عارضني العام مرتين، وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي فبكت، ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهله لحوقا به، فكان كما أخبر» . قال البيهقي: واختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: شهران. وقيل: ثلاثة. وقيل: ستة. وقيل: ثمانية. قال: وأصح الروايات رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: مكثت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. أخرجاه في الصحيحين.
[دلائل النبوة]
** ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره، عليه الصلاة والسلام، عن الغيوب المستقبلة **
** [إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع من الفتن] **
فمن ذلك ما ثبت في " الصحيحين " من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب»
وقد قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن موسى، أنا أبو إسرائيل، كوفي، عن الوليد بن العيزار، عن عمرو بن ميمون، عن علي، رضي الله عنه، قال: ما كنا ننكر ونحن متوافرون - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - أن السكينة تنطق على لسان عمر. قال البيهقي: تابعه زر بن حبيش والشعبي عن علي.
قال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك، وقد ذكرنا في " سيرة عمر بن الخطاب "، رضي الله عنه، أشياء كثيرة، من مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات، كقصة سارية بن زنيم،
وما شاكلها ولله الحمد والمنة.
ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، «أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده، فقلن يوما: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقا؟ فقال: " أطولكن يدا ". وكانت سودة أطولنا ذراعا، فكانت أسرعنا به لحوقا.» هكذا وقع في " الصحيح " عند البخاري أنها سودة، وقد رواه يونس بن بكير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، فذكر الحديث مرسلا، وقال: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة. والذي رواه مسلم، عن محمود بن غيلان، عن الفضل بن موسى، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، فذكرت الحديث، وفيه: فكانت زينب أطولنا يدا; لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق. وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاة. قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب. قلت: وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا. قاله ابن أبي خيثمة.
ومن ذلك ما رواه مسلم من حديث أسير بن جابر، عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني، وإخباره، عليه الصلاة والسلام، عنه بأنه خير التابعين
وأنه كان به برص، فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده، وأنه بار بأمه، وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له، وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء، وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الذي جمعته من " مسند عمر بن الخطاب "، رضي الله عنه، ولله الحمد والمنة.
ومن ذلك ما رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني الشهادة. فقال لها: " قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة» فكانت تسمى الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في بيتها مؤذنا، فأذن لها، وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل، فغماها في قطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس، وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجيء بهما - يعني فجيء بهما -
فأمر بهما فصلبا، وكانا أول مصلوبين بالمدينة. وقد رواه البيهقي من حديث أبي نعيم، ثنا الوليد بن جميع، حدثتني جدتي، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة. فذكر الحديث وفي آخره: فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول «: " انطلقوا بنا نزور الشهيدة»
ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك في حديثه، عنه في الآيات الست بعد موته، وفيه «: " ثم موتان يأخذكم كقعاص الغنم» وهذا قد وقع في أيام عمر، وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم، معاذ بن جبل، وأبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو جندل سهل بن عمر، وأبوه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا النهاس بن قهم، ثنا شداد أبو
عمار، عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ست من أشراط الساعة; موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغدر الروم فيسيرون إليكم بثمانين بندا، تحت كل بند اثنا عشر ألفا»
وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن حيان، أنه سمع سليمان بن موسى يذكر «أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة، فقام عمرو بن العاص فقال يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه. فقام شرحبيل بن حسنة فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبكم، وإني والله لقد أسلمت وصليت وإن عمرا لأضل من بعير أهله، وإنما هو بلاء أنزله الله عز وجل، فاصبروا. فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمة بكم، ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة. فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل، يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم، ويزكي به
أموالكم ". اللهم إن كنت تعلم أني قد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الأوفى، ولا تعافه منه. قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول: اللهم بارك فيها، فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا. ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] . فقال {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] » [الصافات: 102] .
وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا. قال: هات إنك لجريء. فقلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال ليس هذا أعني، إنما أعني التي تموج موج البحر. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: ويحك، أيفتح الباب أم يكسر؟ قلت بل يكسر. قال: إذا لا يغلق أبدا. قلت: أجل. فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب؟ قال نعم، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال: عمر. وهكذا وقع من بعد مقتل عمر وقعت الفتن في الناس وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنهما.
وقد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش، عن شقيق، عن عزرة بن قيس
قال: خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند. فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير، فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا، وإنما ذاك بعده.
وقد روى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: «أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال: " أجديد ثوبك أم غسيل؟ " قال: بل غسيل. قال " البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا " وأظنه قال: " ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة» . وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق به، ثم قال النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، وقد روي عن الزهري من وجه آخر مرسلا. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، وما أحسبه بالصحيح، والله أعلم. قلت رجال إسناده واتصاله على شرط " الصحيحين "، وقد قبل الشيخان تفرد معمر عن الزهري في غيرما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من طريق جابر الجعفي، وهو ضعيف، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله،
مرفوعا مثله سواء، وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث; فإنه، رضي الله عنه، قتل شهيدا وهو قائم يصلي الفجر في محرابه من المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. وقد تقدم حديث أبي ذر في تسبيح الحصا في يد أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله، عليه الصلاة والسلام «: " هذه خلافة النبوة»
وقال نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك، أنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء يكونون الخلفاء بعدي» وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة قوله صلى الله عليه وسلم: " «ثلاث من نجا منهن فقد نجا; موتي، وقتل خليفة مصطبر، والدجال» " وفي حديثه الآخر الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة.
وثبت في " الصحيحين " من حديث سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمير، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى قال: «توضأت في بيتي، ثم خرجت فقلت: لأكونن اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا: خرج وتوجه هاهنا. فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس،
وبابها من جريد، فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حاجته وجلس، فجئته فسلمت عليه، فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه، ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه، فرجعت إلى الباب وقلت: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم أنشب أن دق الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر. قلت: على رسلك. وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن. فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". قال: فخرجت مسرعا حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة. قال: فدخل حتى جلس إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في القف على يمينه، ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ، وقد كان قال لي: أنا على إثرك. فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به. قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر. قلت: على رسلك قال: وجئت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة ". قال: فجئت وأذنت له، وقلت له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة. قال: فدخل حتى جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره، وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر. قال: ثم رجعت فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به - يريد أخاه - فإذا تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان بن عفان. قلت: على رسلك. وذهبت إلى رسول الله فقلت: هذا عثمان يستأذن. فقال: " ائذن
له وبشره بالجنة مع بلوى أو بلاء يصيبه ". قال: فجئت فقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك. فدخل وهو يقول: الله المستعان. فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، رضي الله عنهما» قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان.
وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن عبد الرحمن بن بجير، عن زيد بن أرقم قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. ثم انطلق حتى تأتي الثنية، فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل: إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع، فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد ". فذكر الحديث في ذهابه إليهم، فوجد كلا منهم كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلا منهم يقول: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: في مكان كذا وكذا. فيذهب إليه، وأن عثمان لما رجع قال: يا رسول الله، وأي بلاء يصيبني؟ والذي
بعثك بالحق ما تغيبت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأي بلاء يصيبني؟ فقال: " هو ذاك» ثم قال البيهقي: عبد الأعلى ضعيف، فإن كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم زيد بن أرقم، فجاءوا وأبو موسى جالس على الباب كما تقدم. وهذا البلاء الذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم، فوقع ما سنذكره في دولته، إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما لا يصلى عليه ولا يلتفت إليه، حتى غسل بعد ذلك وصلي عليه ودفن بحش كوكب - بستان في طرف البقيع - رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن إسماعيل بن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان، عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعوا لي بعض أصحابي ". قلت: أبو بكر؟ قال " لا ". قلت عمر؟ قال: " لا ". قلت ابن عمك علي؟ قال: " لا ". قلت: عثمان؟ قال: " نعم ". فلما جاء عثمان قال: " تنحى ". فجعل يساره ولون عثمان يتغير. قال أبو سهلة: فلما كان يوم الدار وحصر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا، وإني صابر نفسي عليه» تفرد به أحمد، ثم قد رواه أحمد عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن عائشة، فذكر مثله،
وأخرجه ابن ماجه من حديث وكيع.
وقال نعيم بن حماد في كتابه " الفتن والملاحم ": حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بين يديه يناجيه، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان: أظلما وعدوانا يا رسول الله؟! فما دريت ما هو حتى قتل عثمان، فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عنى قتله. قالت عائشة: وما أحببت أن يصل إلى عثمان شيء إلا وصل إلي مثله، غير أن الله علم أني لم أحب قتله، ولو أحببت قتله لقتلت. وذلك لما رمي هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ»
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب، عن المطلب، عن حذيفة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم»
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا علي بن محمد المصري، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، أنه حدثه أنه جلس
يوما مع شفي الأصبحي، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «سيكون فيكم اثنا عشر خليفة; أبو بكر الصديق، لا يلبث خلفي إلا قليلا، وصاحب دارة رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا ". فقال رجل: ومن هو يا رسول الله؟ قال: " عمر بن الخطاب ". ثم التفت إلى عثمان فقال: " وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله، والذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» "
ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة «: حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا ". فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ أو: ما تأمرنا؟ فقال: " عليكم بالأمين وأصحابه ". وهو يشير إلى عثمان بذلك» وقد رواه الإمام أحمد عن عفان، عن وهيب، عن موسى بن عقبة به. وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن
ربعي، عن البراء بن ناجية، عن عبد الله هو ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من قد هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما ". قال: قلت: أبما مضى أو بما بقي؟ قال: وبما " بقي» ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبد الرحمن بن مهدي به، ثم رواه أحمد عن إسحاق وحجاج، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن رحى الإسلام ستزول بخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن تهلك فسبيل ما هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما ". قال: قال عمر: يا رسول الله، أبما مضى أو بما بقي؟ قال: " بل بما بقي» وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور به. فقال له عمر، فذكره. قال البيهقي: وقد تابع إسرائيل الأعمش وسفيان الثوري، عن منصور. قال: وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي، وأراد بالسبعين ملك بني أمية، فإنه بقي بين ما بين أن استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة
بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه، نحوا من سبعين سنة.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أم ذر قالت: «لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه. قال: فلا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين ". وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت» تفرد به أحمد رحمه الله، وقد رواه البيهقي من حديث علي بن المديني، عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا والحديث مشهور في موته، رضي الله عنه، بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، وكان في النفر الذين قدموا عليه وهو في السياق عبد الله بن مسعود، وهو الذي صلى عليه، ثم قدم المدينة، فأقام بها عشر ليال، ومات رضي الله عنه.
حديث آخر: قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل
بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الأشعري، عن أبي الدرداء قال: «قلت: يا رسول الله، بلغني أنك تقول: " ليرتدن أقوام بعد إيمانهم ". قال: " أجل، ولست منهم ". قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان»
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا صفوان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله، أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد الله، عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال: «سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني فرطكم على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فلا ألفين أنازع أحدكم فأقول: إنه من أمتي. فيقال: هل تدري ما أحدثوا بعدك؟ " قال أبو الدرداء: فتخوفت أن أكون منهم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال: " إنك لست منهم ". قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان، وقبل أن تقع الفتن» . قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن أبي الدرداء إلى قوله: " لست منهم ". قلت: قال سعيد بن عبد العزيز: توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد: توفي سنة ثنتين وثلاثين. رضي الله عنه.
[إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة فى خلافة عثمان]
** ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفان، وفي خلافة علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما **
ثبت في " الصحيحين " من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة، فقال: " هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» "
وروى الإمام أحمد ومسلم، من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني: «سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما ذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئا أسره إلي لم يكن حدث به غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يحدث مجلسا أنا فيه، سئل عن الفتن، وهو يعد الفتن: " فيهن ثلاث لا يذرن شيئا; منهن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار ". قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري» . وهذا لفظ أحمد. قال البيهقي: مات حذيفة بعد
الفتنة الأولى بقتل عثمان، وقبل الفتنتين الآخرتين في أيام علي. قلت: قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما. وهو الذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالة، فاحتلبت به الأمة دما. وقال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان: أربع نسوة - «قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه، وهو يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ". وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث» هكذا رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة به. وكذلك رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر، كلهم عن
سفيان بن عيينة به سواء. ورواه الترمذي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد، كلهم عن سفيان بن عيينة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الترمذي: قال الحميدي، عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة.
قلت: وقد أخرجه البخاري، عن مالك بن إسماعيل، ومسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، فلم يذكرا حبيبة في الإسناد، وكذلك رواه عن الزهري شعيب، وصالح بن كيسان، وعقيل، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق، ويونس بن يزيد، فلم يذكروا عنه في الإسناد حبيبة. والله أعلم. فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه، عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الإسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات; ربيبتان وزوجتان، وهذا عزيز جدا.
ثم قال البخاري بعد روايته الحديث المتقدم، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، فذكره إلى آخره، ثم قال: وعن الزهري، حدثتني هند بنت
الحارث أن أم سلمة قالت: «استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟!» وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق، عن الزهري به. ورواه الترمذي من حديث معمر، عن الزهري، وقال: حسن صحيح.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي، قالا: سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] . قال: لقد تلوت هذه الآية زمانا وما أراني من أهلها، فأصبحنا من أهلها. وهذا الإسناد ضعيف، ولكن روي من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت الحسن قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة وما نشعر أنها تقع حيث وقعت. ورواه النسائي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن مهدي، عن جرير بن حازم به، وقد قتل
الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل، على ما سنورده في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وقال أبو داود السجستاني في " سننه ": ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص سلام ابن سليم، عن منصور عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة فعظم أمرها فقلنا: يا رسول الله، لئن أدركتنا هذه لتهلكنا. فقال: «كلا إن بحسبكم القتل» قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا. تفرد به أبو داود.
وقال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد، أنا هشام، عن محمد قال: «قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تضرك الفتنة» وهذا منقطع.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن ضبيعة، سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة. فأتينا المدينة، فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه
الفتنة عن جماعة المسلمين قال البيهقي: ورواه أبو داود، يعني السجستاني، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة به.
وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن أشعث بن سليم، عن أبي بردة، عن ضبيعة بن حصين التغلبي، عن حذيفة بمعناه. قال البخاري في " التاريخ ": هذا عندي أولى.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي بردة قال: «مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة. فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك الله، إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله ". فقد كان ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلت ما أمرني به. ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه، فإذا سيف من خشب، فقال: قد فعلت ما أمرني به، واتخذت هذا أرهب به الناس» تفرد به أحمد.