Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 721 of 840
** [الأحداث الواقعة فيها] **
استهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة، وملك العراقين وخراسان وغير ذلك من بلاد المشرق السلطان هولاكوقان ملك التتار ابن تولي بن جنكزخان، وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز مملوك المعز أيبك التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر غازي بن الناصر فاتح القدس، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وهو حزب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا على قتال المصريين وأخذ البلد منهم.
** [أخذ التتار حلب ودمشق] **
وبينما الناس على هذه الحال، وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو، وجازوا الفرات على جسور عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة
أيام، ثم افتتحوها بالأمان، وغدروا بهم، فقتلوا من أهلها خلقا لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ونهبوا الأموال وسبوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، فجاسوا خلال الديار، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وامتنعت عليهم قلعتها شهرا، ثم تسلموها بالأمان، وخربت أسوار البلد وأسوار القلعة، وبقيت حلب كأنها حمار أجرب، وكان نائبها الملك المعظم تورانشاه بن صلاح الدين، وكان عاقلا حازما لكنه لم يوافقه الجيش على المصلحة ولكن سرعوا وكان أمر الله قدرا مقدورا. وقد كان السلطان هولاكو أرسل إلى أهل البلد يقول لهم حين قدم بجحافله: نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، ونحن نريد منكم أن تجعلوا بالقلعة شحنة، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، وإن كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة وإن شئتم أطلقتموه. فأجابوه: مالك عندنا إلا السيف. فتعجب من ضعفهم وجوابهم بهذا، فزحف حينئذ إليهم، وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقضاء الله وقدره، ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماة بمفاتيحها إليه، فاستناب عليها رجلا من العجم يدعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له: خسروشاه. فخرب أسوارها كما فعل بمدينة حلب.
** [صفة أخذهم لدمشق وزوال ملكهم عنها سريعا] **
صفة أخذهم لدمشق
وزوال ملكهم عنها سريعا
أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشا مع أمير من كبار دولته يقال له: كتبغانوين. فوردوا دمشق في آخر صفر، فأخذوها سريعا من غير ممانعة ولا مدافعة، بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة، وقد كتب معهم السلطان هولاكو فرمان أمان لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر، ونودي به في البلد، فأمن الناس على وجل أن يغدروا كما فعل بأهل حلب، هذا والقلعة ممتنعة مستورة، وفي أعاليها المجانيق منصوبة، والحال شديدة، فأحضرت التتار مجانيق تحمل على عجل والخيول تجرها، وهم راكبون على الخيل، وأسلحتهم تحمل على أبقار كثيرة، فنصب المجانيق على القلعة من غربيها وهدموا حيطانا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة رميا متواترا كالمطر المتدارك، فهدموا كثيرا من أعاليها وشرفاتها، وتداعت للسقوط، فأجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة، ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها، وأعالي بروجها، وذلك في المنتصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي الحلبي، وسلموها إلى أمير منهم يقال له: إيل سبان.
وكان لعنه الله تعالى معظما لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظمهم جدا وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وحولة وصولة
بسببه، لعنهم الله تعالى، وذهبت طائفة من النصارى إلى هولاكو بهدايا وتحف، وقدموا من عنده ومعهم أمان; فرمان من جهته، ودخلوا البلد من باب توماء ومعهم صليب منصوب يحملونه على رءوس الناس، وهم ينادون بشعارهم، ويقولون ظهر الدين الصحيح، دين المسيح.
ويذمون دين الإسلام وأهله ومعهم أوان فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرا، وقماقم ملآنة خمرا يرشون منها على وجوه الناس، ويأمرون كل من يجتازون به في الأسواق والطرقات أن يقوم لصليبهم، ودخلوا من درب الحجر، فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان، ورشوا هنالك خمرا، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير، واجتازوا في السوق حتى وصلوا إلى درب الريحان أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون، فردوهم إلى سوق كنيسة مريم، فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق هنالك، فذكر في خطبته مدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم ولجوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم، وكانت بعد عامرة، ولكن كان هذا سبب خرابها، ولله الحمد.
وحكى الشيخ قطب الدين في " الذيل على المرآة " أنهم ضربوا بالناقوس بكنيسة مريم. فالله أعلم.
قال: وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر، وكان من نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد وغيرها، فكفى الله شرهم. ولما وقع هذا في
البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء، فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إيل سبان، فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد كان في أول هذه السنة سلطان الشام الناصر بن العزيز، قد أقام في وطأة برزة، ومعه خلق كثير من الجيوش والأمراء وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، وكان ممن معه الأمير بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، والكلمة بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده الله عز وجل.
وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع الملك الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي، فلما تنسم الناصر ذلك هرب إلى القلعة المنصورة وتفرقت العساكر شذر مذر، وساق الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه، واستقدمه عليه، وأقطعه قليوب، وأنزله بدار الوزارة، وعظم شأنه لديه، وإنما كان حتفه على يديه.
** [وقعة عين جالوت] **
واتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت ولله الحمد، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى
غزة، وقد عزموا على الدخول إلى الديار المصرية، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل. وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماة، وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قطية، وتهيأ الملك المظفر للقائه وأرسل إليه وإلى المنصور مستحثين، وأرسل إليه يقول: تقدم حتى نكون كتفا واحدا على التتار.
فتخيل من ذلك وخاف أن ينتصر عليه، فكر راجعا إلى ناحية تيه بني إسرائيل، ودخل عامة من كان معه إلى الديار المصرية، وأكرم المظفر الملك صاحب حماة، ووعده ببلده، ووفى له بذلك، ولم يدخل الناصر وليته فعل، فإنه كان أيسر عليه مما صار إليه، ولكنه خاف منهم لعداوة ما بينه وبينهم، فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها، وليته استمر فيها، ولكنه قلق، فركب نحو البرية - وليته ذهب فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار، وأتلفوا تلك الديار ونهبوا ما هنالك من الأموال، وقتلوا الكبار والصغار، وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسبوا من نسائهم وأبنائهم، وقد اقتص منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل جشارهم في نصف شعبان، فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار، فلم يدركوا منهم الغبار، ولا استردوا منهم فرسا ولا حمارا، وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه وأسروه عند بركة زيزاء، وأرسلوه مع ولده العزيز وهو صغير، وأخيه إلى ملكهم هولاكو وهو نازل على حلب، فكانوا في
أسره حتى قتلهم في السنة الآتية، كما سنذكره.
والمقصود أن المظفر لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى الديار المصرية بعد تمهيد مملكتهم بالشام بادرهم هو قبل أن يبادروه، وبرز إليهم، أيده الله تعالى، وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج بالعساكر المصرية، وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى بمن معه من العساكر المنصورة إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول، وعليهم كتبغا نوين، وكان إذ ذاك في البقاع، فاستشار الأشرف صاحب حمص والقاضي مجير الدين بن الزكي في لقاء المظفر، فأشار بعضهم بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو، فأبى إلا أن يناجزه سريعا، فصمدوا إليه، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالا عظيما شديدا، فكانت النصرة، ولله الحمد، للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة، وقتل كتبغا نوين وجماعة من بنيه، وقد قيل: إن الذي قتل كتبغا نوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع وفي كل مأزق، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماة مع الملك المظفر في هذه الوقعة قتالا عظيما، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغا نوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل، فأمر المظفر بضرب عنقه، واستأمن الأشرف صاحب حمص وكان مع التتار، وقد جعله هولاكو نائبا على الشام كله، فأمنه الملك المظفر، ورد إليه حمص، وكذلك رد حماة إلى المنصور، وزاده المعرة
وغيرها، وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، واتبع الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم، وكان هربهم منها يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان صبيحة النصر الذي جاءت فيه البشارة بالنصرة على عين جالوت، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويستفكون الأسارى من أيديهم قهرا، ولله الحمد والمنن على جبره الإسلام، ومعاملته إياهم بلطفه الحسن.
وجاءت بذلك البشارة السارة، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله فرحا شديدا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدا، وكبت أعداء الله النصارى واليهود والمنافقون، وظهر دين الله وهم كارهون، ونصر الله دينه ونبيه ولو كره الكافرون.
فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب، فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها، فاحترقت دور كثيرة للنصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم: إنهم لم يكن منهم فيما ظهر من الطغيان كما كان على عبدة الصلبان. وقتلت العامة في وسط الجامع شيخا رافضيا كان مصانعا للتتار على أموال الناس يقال له: الفخر محمد بن يوسف الكنجي. كان خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين، قبحه الله تعالى، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين الممالئين على المسلمين {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} [الأنعام: 45] .
وقد كان السلطان هولاكو أرسل تقليدا بولاية القضاء على جميع المدائن;
الشام والجزيرة والموصل وماردين وميافارقين والأكراد وغير ذلك، للقاضي كمال الدين عمر بن بندار التفليسي. وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة من مدة خمس عشرة سنة، فحين وصل التقليد في سادس وعشرين ربيع الأول قرئ بالميدان الأخضر، فاستقل بالحكم في دمشق، وكان من الفضلاء، فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سني الدولة ومحيي الدين بن الزكي إلى خدمة السلطان هولاكو إلى البلاد الحلبية، فخدع ابن الزكي لابن سني الدولة وبذل أموالا كثيرة، وتولى القضاء بدمشق ورجعا، فمات ابن سني الدولة ببعلبك، وقدم ابن الزكي على القضاء، ومعه تقليده وخلعة مذهبة، فلبسها وجلس في خدمة إيل سبان تحت قبة النسر عند الباب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إيل سبان حاسرة عن وجهها، وقرئ التقليد هنالك والحال كذلك، وحين ذكر اسم هولاكو لعنة الله عليه، نثر الذهب والفضة فوق رؤس الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قبح الله ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان.
وذكر أبو شامة أيضا أنه استحوذ على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول فأخذ العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والعزيزية مع المدرستين اللتين كانتا بيده; التقوية والعزيزية،
وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وأخذ أم الصالح لبعض أصحابه، وهو العماد المصري، وكذا أخذ الشامية البرانية لصاحب له، واستناب أخاه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء، وولاه الرواحية والشامية البرانية. قال أبو شامة: مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها.
ولما رجعت المملكة إلى المسلمين سعى القاضي محيي الدين وبذل أموالا جزيلة ليستمر في القضاء والمدارس التي استولى عليها في مدة هذه الشهور، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين أبي بكر بن صدر الدين بن سني الدولة، فقرئ توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة بالشباك الكمالي من مشهد عثمان من جامع دمشق. ولله الحمد.
ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار بعين جالوت ساق وراءهم، ودخل دمشق في أبهة عظيمة، وفرح الناس به فرحا شديدا ودعوا له دعاء كثيرا، وأقر صاحب حمص الملك الأشرف على بلده، وكذلك المنصور صاحب حماة، واسترد حلب أيضا من أيدي التتار وعاد الحق إلى نصابه، ومهد القواعد، وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ليطرد التتار ويتسلم مدينة حلب، ووعده بنيابتها، فلما طردهم عنها، وأخرجهم منها، وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره، وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما، واقتضت قتل الملك المظفر قطز سريعا، ولله الأمر.
وعزم المظفر على الذهاب إلى الديار المصرية، فاستناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين، وعزل ابن الزكي عن قضاء دمشق، وولى عليها نجم الدين ابن سني الدولة، ثم عاد إلى الديار المصرية، والعساكر الإسلامية في خدمته، وعيون الأعيان تنظر إليه شزرا من شدة هيبته.
** [ذكر سلطنة الملك الظاهر وهو الأسد الضاري بيبرس البندقداري] **
وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد بالعساكر قاصدا الديار المصرية، فوصل إلى ما بين الغرابي والصالحية، عدا عليه الأمراء، فقتلوه هنالك وقد كان رجلا صالحا، كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى الشراب ولا شيئا مما يتعاطاه الملوك، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن أستاذه المنصور علي بن المعز التركماني إلى هذه المدة، وهي أواخر ذي القعدة نحوا من سنة، رحمه الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خيرا.
وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على قتله، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه، وساق خلف أرنب، وساق معه أولئك الأمراء، فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقبلها فأمسكها، وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف، وألقوه عن فرسه، ورشقوه بالنشاب حتى أجهزوا عليه، ثم كروا راجعين إلى المخيم، وبأيديهم السيوف مصلتة، فأخبروا من هناك بالخبر، فقال
بعضهم: من قتله؟ فقال ركن الدين: أنا. فقيل له: أنت الملك. وقيل: لما قتل حار الأمراء بينهم فيمن يولون الملك، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعا، فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، ولم يكن من أكابر المقدمين فيهم، ولكن أرادوا أن يجربوا فيه، ولقبوه الملك الظاهر، فجلس على سرير المملكة وحكمه، ودقت البشائر، وضربت الطبول والبوقات، وصفرت الشبابة، وزعقت الشاووشية بين يديه، وكان يوما مشهودا، وتوكل على الله واستعان به، ثم دخل مصر والعساكر في خدمته، فدخل قلعة الجبل، وجلس على كرسيها، وحكم فعدل، وقطع ووصل، وكان شهما شجاعا، أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد والأمر العسير، وكان أولا قد لقب نفسه بالملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لا يفلح من تلقب به; تلقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه حتى خلع وسمل، ولقب به القاهر صاحب الموصل، فسم فمات.
فعدل عن هذا اللقب إلى الملك الظاهر ثم شرع في مسك من يرى في نفسه رئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك كما يريد، والله على كل شيء شهيد.
وقد كان السلطان هولاكوقان لما بلغه ما جرى على جيشه بعين جالوت أرسل جماعة كثيرة من جيشه إلى بلاد الشام ليستعيدوه من أيدي جيش الإسلام، فحيل بينهم وبين ما يشتهون، ورجعوا إليه وهم خائبون خاسرون، وذلك أنه نهض إليهم الهزبر الكاسر والسيف الباتر السلطان الملك المؤيد الظاهر، فقدم إلى
دمشق وأرسل الجيوش من كل جانب، لحفظ الثغور والمعاقل بالأسلحة التامة والجحافل، فلم يقدر التتار على الدنو إليه، ولا القدوم عليه، ووجدوا الدولة قد تغيرت، والسواعد قد شمرت، والسيوف البواتر قد سلت، والرماح الخطية قد اعتقلت، والقسي قد وترت، والنبال قد حصلت، والخيول قد ضمرت، والطبول قد حصلت، وعناية الله بأهل بالشام قد تنزلت، ورحمته بهم قد تداركت، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم، وكرت راجعة القهقرى على أذنابها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتكمل المسرات في هذه الحياة الدنيا وبعد الممات.
وقد كان الملك المظفر قطز رحمه الله استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي أحد الأتراك، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة، ودعا لنفسه وتسمى بالملك المجاهد، فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة، فدعا الخطيب أولا للمجاهد، ثم للظاهر ثانيا، وضربت السكة باسمهما معا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين، كما سيأتي.
وقد اتفق في هذا العام أمور عجيبة، وهي أن أول هذه السنة كانت الشام للسلطان الناصر بن العزيز، ثم في النصف من صفر صارت لهولاكوقان ملك التتار، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز، ثم في أواخر ذي القعدة انتقلت إلى مملكة السلطان الظاهر بيبرس، وقد شركه في دمشق الملك المجاهد علم الدين
سنجر، كما ذكرنا، وكذلك كان القضاء في أولها بالشام لصدر الدين بن سني الدولة، ثم للكمال عمر التفليسي، ثم لمحيي الدين بن الزكي، ثم لنجم الدين بن سني الدولة. وكذلك كان خطيب جامع دمشق عماد الدين بن الحرستاني من سنين متطاولة، فعزل في شوال من هذه السنة بالعماد الإسعردي، وكان صيتا قارئا مجيدا، ثم أعيد العماد الحرستاني في أول ذي القعدة منها. فسبحان من بيده الأمور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة
أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة بن الخياط، قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس ابن سني الدولة التغلبي الدمشقي الشافعي، وسني الدولة هو الحسن بن يحيى المذكور كان كاتبا لبعض ملوك دمشق في حدود الخمسمائة، وله أوقاف على ذريته. وابن الخياط الشاعر صاحب الديوان، هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي، عم سني الدولة.
ولد القاضي صدر الدين سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وسمع الخشوعي وابن طبرزد والكندي وغيرهم، وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى، وكان
فاضلا عارفا بالمذهب، مشكور السيرة، ولكن الشيخ شهاب الدين أبو شامة ينال منه. فالله أعلم.
وقد ولي الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث وأربعين، واستمر إلى هذه السنة، فسار حين عزل بالكمال التفليسي هو والقاضي محيي الدين بن الزكي إلى هولاكو، ثم عاد من عنده وقد تولى ابن الزكي القضاء، فاجتاز ابن سني الدولة ببعلبك وهو متمرض، فمات بها ودفن عند الشيخ عبد الله اليونيني رحمه الله تعالى، وقد كان الملك الناصر يثني عليه كما كان الملك الأشرف يثني على والده قاضي القضاة شمس الدين بن سني الدولة.
ولما استقر أمر السلطان الملك الظاهر بيبرس ولى ولده القاضي نجم الدين أبا بكر بن قاضي القضاة صدر الدين القضاء بدمشق، وعزل ابن الزكي، ثم عزله بعد سنة، وثنى بابن خلكان على ما سيأتي بيانه، وبالله المستعان.
والقاضي صدر الدين بن سني الدولة هذا هو الذي أحدث في زمن المشمش بطالة الدروس; لأنه كان له بستان بأرض السهم، فكان يشق عليه النزول في ذلك الوقت إلى الدرس، فبطل للناس هذه الأيام، فاتبعوه في ذلك. ### $ وفيها توفي
صاحب ماردين الملك السعيد
نجم الدين بن إيل غازي بن
المنصور أرتق أرسلان بن إيل غازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق، وكان شجاعا معظما، ملك يوما في قلعته. ### $ توران شاه بن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان نائبا للملك الناصر بن العزيز بن الظاهر بن الناصر على حلب حتى تملك دمشق، وقد حصن حلب من أيدي المغول مدة شهر، ثم سلمها بعد محاصرة شديدة صلحا. ثم كانت وفاته في هذه السنة ودفن بدهليز داره. ### $ وفيها قتل:
الملك السعيد حسن بن العزيز
عثمان بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب كان صاحب الصبيبة وبانياس بعد أبيه، ثم أخذتا منه، وحبس بقلعة البيرة، فلما جاءت التتار كان معهم، وردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت أتي به أسيرا إلى بين يدي الملك المظفر قطز فضرب عنقه; لأنه كان قد لبس سراقوج التتار، وناصحهم. ### $ عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن
عبد الرحمن بن طاهر
بن محمد بن الحسين بن علي، أبو طالب شرف الدين بن العجمي الحلبي الشافعي، من بيت العلم والرئاسة بحلب، درس بالظاهرية، ووقف مدرسة بها، ودفن بها، وكانت وفاته حين دخلت التتار حلب في صفر، فعذبوه بأن صبوا عليه ماء باردا في الشتاء، فتشنج حتى مات، رحمه الله تعالى. ### $ الملك المظفر قطز بن عبد الله
سيف الدين التركي، أخص مماليك الملك المعز التركماني، أحد مماليك الصالح أيوب، ثم إنه لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ابن أستاذه المنصور نور الدين علي، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة بسبب صغر ابن أستاذه، فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة كما تقدم، ثم سار إلى التتار كما تقدم، فجعل الله على يديه نصرة الإسلام كما ذكرنا بعين جالوت، وقد كان شجاعا بطلا، كثير الخير، ممالئا للإسلام وأهله، وهم يحبونه.
ذكر عنه أنه لما كان بالمعركة يوم عين جالوت قتل جواده، ولم يجد أحدا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب، فترجل وبقي واقفا كذلك على الأرض ثابتا في محل المعركة وموضع السلطنة من القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه، وحلف على السلطان ليركب، فامتنع السلطان وقال: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك.
ولم يزل كذلك حتى جاءت الوشاقية فركب،
فلامه بعض الأمراء وقال: يا خوند، لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو كان رآك بعض الأعداء لقتلك وهلك الإسلام بسببك. فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان - وعدد خلقا من الملوك - فلم يضيع الله الإسلام.
وكان حين ساق من الديار المصرية في خدمته خلق من كبار الأمراء البحرية وغيرهم، ومعه المنصور صاحب حماة وجماعة من أبناء الملوك، فأرسل إلى صاحب حماة يقول له: لا تتعن بمد سماط في هذه الأيام، وليكن مع الجندي لحمة في سولقه يأكلها، والعجل العجل.
وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة في شهر رمضان، وهذه بشارة عظيمة، فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان، ولهذا نصر الإسلام نصرا عزيزا، ولما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل، ورتب الأمور كما ذكرنا، وأرسل الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري خلف التتار ليخرجهم ويطردهم عن حلب ووعده بنيابتها، فلم يف له، فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك، فلما عاد المظفر قطز إلى مصر تمالأ عليه البندقداري وغيره من الأمراء فقتلوه بين الغرابي والصالحية، ودفن بالقصر، وكان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر من الملك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس، فكان لا يعرف بعد ذلك، وكان مقتله يوم السبت
سادس عشر من ذي القعدة، رحمه الله تعالى.
وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في " الذيل على المرآة " عن الشيخ علاء الدين بن غانم، عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع السلطان الناصر بوطأة برزة جاءت البريدية يخبرون بأن المظفر قطز قد تولى السلطنة بالديار المصرية، فقرأت ذلك على السلطان، فقال: اذهب إلى فلان وفلان فأخبرهم بهذا. قال: فلما خرجت من عنده لقيني بعض الأجناد فقال لي: جاءكم الخبر من الديار المصرية بأن قطز قد تملك؟ فقلت: ما عندي من هذا علم، وما يدريك أنت بهذا؟ فقال: بلى والله إنه سيلي المملكة، ويكسر التتار. فقلت: من أين تعلم هذا؟ فقال: كنت أخدمه وهو صغير، وكان عليه قمل كثير، فكنت أفليه وأهينه، فقال لي يوما: ويلك، أيش تريد أن أعطيك إذا ملكت الديار المصرية؟ فقلت له: أنت مجنون؟! فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال لي: أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار. وقول رسول الله حق لا شك فيه. فقلت له حينئذ - وكان صادقا -: أريد منك إمرة خمسين فارسا. فقال: نعم.
قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت: هذه كتب المصريين بأنه قد تولى السلطنة. فقال: والله ليكسرن التتار. فكان كذلك كما قال.
ولما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية، وأراد دخولها، ورجع عنها ودخلها أكثر الجيوش الشامية كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه المظفر إمرة خمسين فارسا ووفى له بالوعد، وهو الأمير حسام الدين البركة خاني. قال ابن
الأثير: فلقيني بالديار المصرية بعد أن تأمر، فذكرني بما كان أخبرني عن المظفر فذكرته، ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك، ولله الحمد والمنة. ### $ وفيها هلك كتبغا نوين نائب هولاكو على بلاد الشام، لعنهما الله، ومعنى نوين يعني أمير عشرة آلاف، وكان هذا الخبيث قد فتح لأستاذه هولاوو من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكزخان جد هولاوو، وقد كان كتبغا هذا يعتمد في حروبه للمسلمين ببلاد خراسان والعراق أشياء لم يسبقه إليها أحد، كان إذا فتح بلدا ساق المقاتلة منه إلى البلد الذي يليه، ويطلب من أهل البلد أن يئووا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده في تضييق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة الحصار عليه، وإن امتنعوا من إيوائهم عندهم قاتلهم بهؤلاء حتى يفنى هؤلاء، فإذا حصل الفتح وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء ثم استأنف قتالهم بمن عنده حتى يفتحه.
وكان يبعث إلى الحصن يقول لهم: إن ماءكم قد قل، فافتحوا صلحا قبل أن نأخذكم قسرا. فيقولون: إن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى ماء. فيقول: لا أصدق حتى أبعث من عندي من يشرف عليه، فإن كان كثيرا انصرفت عنكم. فيقولون ابعث من يشرف
على ذلك. فيرسل رجالا من جيشه، معهم رماح مجوفة محشوة سما، فإذا دخلوا ساطوا ذلك الماء بتلك الرماح، فينفتح ذلك السم ويستقر في الماء، فيكون سبب هلاكهم وهم لا يشعرون، لعنه الله لعنة تدخل معه في قبره. وكان شيخا كبيرا قد أسن، وكان يميل إلى دين النصارى، ولكن لا يمكنه الخروج عن حكم جنكزخان في الياساق.
قال الشيخ قطب الدين اليونيني: وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، وكان شيخا حسنا، له لحية طويلة مسترسلة رقيقة قد ضفرها مثل الدبوقة، وتارة يعلقها في حلقة بأذنه، وكان مهيبا شديد السطوة. قال: وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربي، فدخل دكانا خرابا، فقضى حاجته والناس ينظرون إليه، وهو مكشوف العورة، فلما فرغ مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة.
قال: ولما بلغه خروج المظفر إليه بالعساكر المصرية تلوم في أمره، ثم حملته نفسه الأبية على لقائهم، وظن أنه ينتصر كما كانت عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها، ثم أيد الله المسلمين وثبتهم، فحملوا حملة صادقة على التتار، فهزموهم هزيمة لا تجبر أبدا. وقتل كتبغا نوين في المعركة، وأسر ابنه، وكان شابا حسنا، فأحضر بين يدي المظفر قطز، فقال له: أهرب أبوك؟ قال إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه
المظفر قال: نام طيبا، كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم. وهكذا كان كما قال، ولم يفلحوا بعده أبدا، وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، لعنه الله تعالى، وكان الذي قتل كتبغا نوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، رحمه الله تعالى. ### $ الشيخ محمد الفقيه اليونيني
الحنبلي البعلبكي الحافظ، هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق - كذا نقل هذا الانتساب الشيخ قطب الدين اليونيني من خط أخيه الأكبر أبي الحسين علي، وأخبره أن والده قال له: نحن من سلالة جعفر الصادق. قال: وإنما ذكر له هذا عند الموت ليتحرج من قبول الصدقة - أبو عبد الله بن أبي الحسين اليونيني الحنبلي تقي الدين الفقيه الحنبلي الحافظ المفيد البارع العابد الناسك، ولد سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع الخشوعي وحنبلا والكندي والحافظ عبد الغني المقدسي، وكان يثني عليه، وتفقه على الشيخ الموفق، ولزم صحبة الشيخ عبد الله اليونيني، وانتفع به، وكان الشيخ عبد الله يثني عليه، ويقدمه ويقتدي به في الفتاوى الشرعية، وقد لبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي، وبرع في علم
الحديث وحفظ " الجمع بين الصحيحين " بالفاء والواو، وحفظ قطعة صالحة من " مسند الإمام أحمد " وكان يعرف العربية، أخذ ذلك عن التاج الكندي، وكتب مليحا حسنا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، ويأخذون عنه الطريقة الحسنة، وحصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك وغيرهم، توضأ مرة عند الملك الأشرف وهو عنده بالقلعة حال سماع " البخاري " على الزبيدي، فلما فرغ من الوضوء نقض السلطان تخفيفة، وبسطها على الأرض ليطأ عليها، وحلف السلطان له أنها طاهرة ولابد أن يطأها برجله، ففعل ذلك.
ولما قدم الكامل على أخيه الأشرف دمشق، أنزله القلعة وتحول الأشرف لدار السعادة، وجعل يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه، فقال: أشتهي أن أراه. فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة، فاستحضره فوصل إلى دار السعادة، فنزل الكامل إليه وتحادثا وتذاكرا شيئا من العلم، فذكرت مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث الجارية التي قتلها اليهودي، فرض رأسها بين حجرين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه: في " صحيح مسلم ": فاعترف. فقال الكامل: أنا اختصرت " صحيح مسلم " ولم أجد هذا فيه. فقال الكامل: بلى. فأرسل الكامل، فأحضر خمس مجلدات اختصاره " لمسلم "، فأخذ الكامل مجلدا، والأشرف مجلدا، وعماد الدين بن موسك آخر، والملك الصالح مجلدا، وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا، فأول ما فتحه وجد الحديث كما قال الشيخ الفقيه، فتعجب الكامل من استحضاره وسرعة كشفه،
وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية، فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبك، وقال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبك شيئا. فأرسل له الكامل ذهبا كثيرا. قال ولده قطب الدين: كان والدي يقبل بر الملوك، ويقول: أنا لي في بيت المال أكثر من هذا. ولا يقبل من الأمراء ولا من الوزراء شيئا إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه، ويرسل إليهم من ذلك، فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء.
وذكر أنه كثر ماله وأثرى، وصار له سعة من المال كثيرة، وذكر له أن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين، وأعطاه لمحيي الدين بن الجوزي ليأخذ عليه خط الخليفة، فلما شعر والدي بذلك أخذ الكتاب ومزقه، وقال: أنا في غنية عن ذلك. قال: وكان والدي لا يقبل شيئا من الصدقة، ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. قال: وقد كان قبل ذلك فقيرا لا شيء له. وكان للشيخ عبد الله زوجة، ولها ابنة جميلة، وكان الشيخ يقول لها: زوجيها من الشيخ محمد. فتقول: إنه فقير، وأنا أحب أن تكون ابنتي سعيدة. فيقول لها: كأني أنظر إليهما إياه وإياها في دار فيها بركة، وله رزق كثير، والملوك يترددون إلى زيارته. فزوجتها منه، فكان الأمر كذلك، وكانت أولى زوجاته، رحمه الله تعالى.
وكانت الملوك كلها تجيء مدينته، ويعظمونه جدا; بنو العادل وغيرهم، وكذلك كان مشايخ الفقهاء كابن الصلاح وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصيري، وشمس الدين بن سني الدولة، وابن الجوزي، وغيرهم يعظمونه ويرجعون إلى قوله; لعلمه وعمله وديانته وأمانته.
وقد ذكرت له أحوال ومكاشفات وكرامات كثيرة، قدس الله روحه، وزعم بعضهم أنه قطب منذ ثنتي عشرة سنة. فالله أعلم. وذكر الشيخ الفقيه قال: كنت عزمت مرة على الرحلة إلى حران، وكان قد بلغني أن رجلا بها يعلم علم الفرائض جيدا، فلما كانت الليلة التي أريد من صبيحتها أسافر جاءتني رسالة الشيخ عبد الله اليونيني يعزم علي إلى القدس الشريف، وكأني كرهت ذلك، وفتحت المصحف، فطلع قوله: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 21] فخرجت معه إلى القدس، فوجدت ذلك الرجل الحراني بالقدس الشريف، فأخذت عنه علم الفرائض حتى خيل لي أني قد صرت أبرع فيه منه.
وقال الشيخ أبو شامة: كان رجلا ضخما، وحصل له قبول كثير من الأمراء وغيرهم، وكان يلبس قبعا، صوفه إلى خارج، كما كان شيخه عبد الله اليونيني. قال: وقد صنف شيئا في المعراج، فرددت عليه في كتاب سميته " الواضح الجلي في الرد على الحنبلي ". وذكر ولده قطب الدين أنه مات في التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة، رحمه الله تعالى. ### $ محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر
أبو عبد الله البيطار الأكال، أصله من جبل بني هلال، وولد بقصر حجاج، وكان مقيما بالشاغور، وكان
فيه صلاح ودين وإيثار للفقراء والمحاويج والمحابيس، وكانت له حال غريبة; لا يأكل لأحد شيئا إلا بأجرة، وكان أهل البلد يترامون عليه ليأكل لهم الأشياء المفتخرة الطيبة، فيمتنع إلا بأجرة جيدة، وكلما تمنع من ذلك حلا عند الناس، وأحبوه ومالوا إليه، فيأتونه بأشياء كثيرة من الحلاوات والشواء وغير ذلك، وأجرة جيدة مع ذلك، وهذا غريب جدا، رحمه الله تعالى، ورضي عنه بمنه وكرمه آمين.